المتابعون

الاثنين، 22 يونيو 2015

إياك أن تقولها؛ لأنك أعمى!!!

     حكى #كفيف قائلا:
   دار بيني وبين أحد أصدقائي المقربين إِلَيَّ حديث طويل فأَفلتتْ مني كلمة "أشوف"، فكرر صاحبي الكلمة كأنه متعجب من انطلاقها من في شخص أعمى، ثم دعا له -كعادة مَن أعرف ومَن لا أعرف بأن ينير الله لي طريقي-، فندمتُ أني تفوهت بهذه الكلمة التي ليست من حقي في ظن الكثيرين!
   العتب ليس على هذا الذي ربما سمع هذه الكلمة من الكفيف لأول مرة؛ ولكن العتب الكبير جدا على امرأة اختلفتْ مع زوجها الذي تزوجها منذ أكثر من عشرين عاما، قال لها ذلك الزوج الكفيف غاضبا: "أعرف من قبل ما أشوف وجهك"، فاستوقفَتْه زوجته عند كلمة "أشوف" وكأنها ترد عليه في نقاشهما المحتد المحتدم، ربما أرادت أن تجرح كبرياءه انتصارا لها منه، على أية حال هي ورقة تلعب بها كثير من زواجات المكفوفين لكسرهم؛ على الرغم من أنها قبِلتْ به وهي تَعْلم إعاقته وقادرة على إفهام العالَم كله مدى قُدراته؛ ولكن ما الحيلة؟!، الله المستعان.
   عودة إلى صاحب الحاكي؛ إذ على الأعمى ألا يردد كلمات تُعَدُّ من أكبر الكبائر عند بعضهم من قَبيل: "أرى، أشاهد، أنظر، أطالع، أشوف، ، أوايق، أبُصّ، أباوع،أأشع ..."، إنها كلمات يظن المبصرون إذا ما رددها أعمى أمامهم أنها تحتمل المعاني التالية:
 1 - إما أن يكون مريضا نفسيا يُمَنّي النفس بأن يكون يوما ما مبصرا، وهيهات هيهات!؛ لذا فالواجب أن يعالَج بتقنية الصدمة؛ كأن يقال له: أنت أعمى ما تشوف ولا شي فكيف تجرؤ وتتفوه بكلمة بعيدة عن شواربك!؟
لا أدري إن تفوهتْ بها فتاة عمياء؛ فكيف تقول لها صديقتها: هي بعيدة عن حُمْرة براطمك؛ لأنه ليس لديها شوارب مُدرَكة!
 2 - وإما أن يكون هذا المتفوه كان مبصرا يوما ما، وهو أيضا يُمَنّي النفس بالعودة إلى سابق عهده في دوري الأضواء، وهيهات هيهات!، "مَن عمِيَ فقد مات"، "وهل يصلح العطار...؟!.
 3 - وإما أن يكون هذا المتطاول على مقام الإبصار والمبصرين معتادا على سماع هذه الكلمة منهم؛ فهو ملحق بهم أو ملصَق، وهو بهَذا قد ارتقى مرتقى صعبا؛ يجب عليه أن يحترم المقامات ويتذكّر أنه حِتَّةْ أعمى لا راح ولا جا إلا بواحد يمسك يده.
 4 - وإما أن يكون قد تكَلَّم بها خطأا لم يُلقِ لها بالا؛ فمِثل هذا يُذَكَّر بالحسنى وبهدوء وبشيء من الظرافة والطرافة وابتسامة متصنَّعة تُخفي اعتراضا على كلمة قيلت ممن لم يعش معناها الجميل.
   لن أطيل في التحليلات بل سأختمها باعتذار كبير بحجم الشمس التي لا نراها وبوضوحها وبدِفْئِها حبا باسمي وباسم كل معاق بصريا ارتكب هذه الخطيئة بأن قال كلمة تكاد تخرجه من آدميته حَسَنةِ التقويم، ونكاد نستعفي ذوائقهم الشفافة الرَقيقة إنْ نحن تجاوزناْ حدنا.
   الحقيقة أن الكفيف حين يردد كلمةً تعني الرؤية الباصرة فمن السفه أن يعتقد أنه مبصر؛ لكن حواسه الأخرى على قِصَر إدراكها إلا أنها تقدم له معطيات تغنيه بعض الشيء عن العين؛ بل لعلها ترصد ما لا ترصده البواصر؛ فلو ذهبت إلى بائع بطيخ فإن صوت الضرب على البطيخة -وحده- هو الذي يتنبأ إلى حد كبير بمذاق البطيخة!، زد على ذلك الرؤية القلبية التي توفرها له خط سير الأحداث ونبرة المتكلم وانتقاؤه لكلماته وحتى قُربه وبُعده عنه وتحريك سلسلة مفاتيحه مثلا، إن الكفيف يسخر ذلك كله ليحاول الاندماج في مجتمع ربما يرفض حتى بعض كلماته التي يبدو مُحقاً فيها ولو مجازا لمن يؤمن بوجود المجاز في اللغة.
   بناء على ذلك كله؛ لا تُثَرِّبوا على كفيف -ولو مِزاحا- إنْ أورد عرَضاً كلمةً تعني فِعل النظر؛ فهو يعني ما يقول إذ هو يعقل ويدرك، وقولوا مثل ذلك فيما لو قال أحد اليتامى: "ذهبتُ إلى أهلي"؛ فمن غير المعقول أن ينبري له أحدهم فيقول له: "أين أهلك وأنت يتيم"، أو أن يُذَكَّر فقير بفقره إن أخبر بأ،ه اشترى شيئا ما يُعَد غاليا بتلمر إلى ممتلكاته، ولا تقولوا لمن يحَدِّث عن عزيز فقده: "طبعاً هذا قبل أن يموت أو أن تفترقا"، الواجب على المسلم وغير المسلم أن يحرص على إعلاء همة المتكلم ولا سيما إن كان يعاني من نقص ما يرى أنه كامل فيه.
   كل إنسان فيه جانب ضعف، وإذا منَع بعضنا بعضا من أن يحاول إكمال نقْصه ولو بكلمة تحتمل أكثر من معنى؛ فأين الرحمة والمحبة والإغضاء، ولا ننسى قوله تعالى: [وخُلِق الإنسان ضعيفا]، النساء من الآية الثامنة والعشرين.
   أيها المبصرون الأكرمون: إن لم تتنازلوا وتعيشوا عالمنا مُتَفَهِّمين ومُقَدِّرين ومتعاطفين ومعينين؛ فلا أقل من أن تأذنوا لنا أن نعيشكم أمَلا ولو بكلمة ذات أكثر من مقصد يمكن أن تكون جِسر تواصُل بيننا، دعونا نتكلم بنظرنا، واكتموا اعتراضكم صدقة علينا وعلى أنفسكم لوجه الله تعالى؛ لعله -جل شأنه- يستر ما بكم من ضعف.

       كتبه أبو اللَيْثِ عبدُُ العزيزِ بْنِ صالحٍ الحَسَنِيُ الزَّهْرانيّ.
    صبيحة الخميس السابع عشر من ربيع الأول عام ستة وثلاثين وأربعمئة وألف الهجري، الموافق للثامن من يناير كانون الآخر عام خمسة عشر وأَلفَين الميلادي.

       رابط المقال على صفحتي في الفيسبوك:
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=833691520027148&id=100001589237614

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق