الصفحات

الأحد، 28 يونيو 2015

كف وكفيف

   منذ زمن لم أكتب عن عالم المكفوفين ولم أزر خاطّاً عالم ذكرياتي؛ الآن أعود مستقلا الذاكرة غير المعاقة قادما إلى قلوبكم الطيبة بما قد يثير فيها العجب وأشياء أخرى !!! . 
   يُعَد خَدُّ أي كفيف مكانا خصبا للتدرب على تقنيات الصفع ، كما أنه مكان آمِن للصافع؛ إذ بإمكانه أن يبتعد قليلا ولن يجد ردة فِعل من هذا الأعمى ، ويمتاز صفْعُ الأعمى بأنه لن يراك قبل الصفع؛ فبإمكانك أن تستعرض عَضَلَاْتِك في تقوية الصفعة ومهاراتك في تسديدها وسط الخد تماما، ثم إن كل مَن يقوم بعمل يحرص على رؤية أثرِه وهو التغذية الراجعة التي تثير لديه حماسا للمزيد من الصفع؛ وهذا ما تحققه لك إعاقة الأعمى؛ فبعد صفْعه ستراه يتلَوّى ألَماً من قوة الصفعة ومفاجأتها وقهَراً أنه لم يتفادَها ولم يستطع معرفة الصافع فضلا عن الرد عليه !!! . 
   إنها الحقيقة المؤلمة التي تحملها جوانب سوداء في ذاكرات المكفوفين الذين قُدِّر لهم أن يدرسوا في مدارس خاصة بهم وربما استوطنوا إسكانات أعِدَّتْ لإيوائهم بعيدا عن أهليهم مصدر الرحمة والحنو !!! ، إنها الحقيقة حين يُقَدَّر لهؤلاء أن يعاملهم قومٌ مبصرون غير مؤهلين علميا ولا نفسيا ولا أدبيا ولا رقابيا للتعامل مع مَن يتمنون أن يتعرفوا على الحياة من خلالهم !!!، إنها الحقيقة التي فرضتْ نفسها واقعا تعليمياً يحَوِّل بعض العاملين في القطاع التعليمي إلى مُعَذِّبين أكثر من مؤَدِّبين، واقع لا يتيح لك أن تشكو حتى إلى ولي أمرك وأنت صغير كفيف مغترب لا حيلة لك !!! .
   ولن أطيل في هذه اللَّطْمِيّة ؛ ولكن سآخذكم إلى زيارة تمتد جذورها إلى ثلاثين سنة تقريبا لأحداث صفْع وملابسات حدثت معي ومع غيري من زملاء الإعاقة البصرية؛ مع التأكيد على تَحَسُّن الأوضاع الآن -ولله الحمد- بشكل شبه تام؛ أما ما نسمعه من هنا وهناك؛ فهي لا تعدو أحداث صفْع فَرْدية يكون النظام والمجتمع والإِعلام لها بالمرصاد، إِذَنْ هيا بنا :
 ١- روى لنا أحد أساتذتنا المبصرين الطيبين ونحن طلاب حكاية صغيرة تحمل قدَرا كبيرا من الندم قال: قررتُ ألا أضرب طالبا كفيفا بعد الآن؛ لأني صفعتُ أحدهم فقال لي وهو يتألم: "يا أستاذ إذا تبغى تضربني ثاني مرة؛ قول لي"، معه حق كي يستعد نفسيا على الأقل !
٢- انتقلت مدرستنا إلى مبنى جديد؛ وبطبيعة الحال فالمكفوفون سيحتاجون وقتا للتعرف على مَرافقه؛ وهم إِزاء ذلك لهم احتياجاتهم البشرية، روى لي أحد الزملاء أنه حين انتقلنا احتاج إلى المرحاض فسأل أحدهم كي يدله؛ فما كان منه إلا أن أجابه بصفعة أدارت رأسه، ولا أدري كيف وجد زميلي ما يحتاجه بعد صحوه من سكْرة الصفع ؟ !!!
 ٣- اختلف مجموعة من الزملاء معا؛ وكالعادة لا بد من إحضارهم إلى أحد الإداريين لاستقصاء الإشكال ومحاولة نزْع فتيله، أراد أحد الزملاء وقد كان يبصر قليلا الحلِف مدافعا عن نفسه؛ فما كان من ذلك الإداري إلا أن قال وهو يهوي بيده على خده: "لا تحلف، جِنّي" ، ولا أدري إن كان الجني سيجيد إرهاب هذا الزميل كما فعل هذا الإداري ؟ !!!
٤- أما أنا؛ فسأختار من بين مجموعة الصفعات التي استقبلتُها واحدة غريبة: كنا نتنافس مع فصل آخر في لعبة البولينغ الخاصة بالمكفوفين، وكانت هزيمتنا مؤكدة؛ لكن الله مَنَّ علينا وتعادلْنا في نهاية المباراة، دُقَّ الجرس وانتهت الحصة ومعها المباراة لتبدأ الفسحة وتنطلق حناجرنا الصغيرة بهتاف متكرر: "تعادُل، تعادُل، تعادُل ... "، سمعَنا مسؤول من بلد عربي كان يعمل إداريا في مدرستنا، فقرر تأديبنا؛ لقد صَفَّنا كأننا في الصلاة وبدأ بصفعنا واحدا واحدا، حاولتُ أن أكون ذَكِياً واخترت أن أكون قريبا من عمود متأخرا عن الصف ؛ ولا أدري لماذا؟ !!! ، ولما جاء دوري صفعني صفعة قوية جعل رأسي يصطدم في العمود؛ وبذلك أكون قد تلقيتُ صفعتين في واحدة مزدوجة، والألم -وللله الحمد- من الجهتين .
 ٥- لم تستثنِ هذه الصفعات كبيرا ولا صغيرا؛ فقد لاحظتُ أمامي -وأنا صغير- مكفوفين يناهزون العشرين يُصفَعُون أكثر من صفعة في موقف واحد !!!، والصفْع ليست هي العقوبة الفريدة التي كنا نتلقاها معا؛ لكن هناك ألوان أخرى من التعذيب كحَكِّ الأصبع في الجدار حتى الإِدماء والحرق بالولاعات والضرب بالعصا الحديدية ... ؛ لكن يبقى الصفع هو القاسم المشترك الذي لم تسْلَم منه أكثر خدود المكفوفين !!! .
   إنها شهادة مُرّة على عصر مُغْرِق في الظلام عاشه من حُرِموا لذة النور المحسوس؛ كم أرجو ألّا يتكرر مع تَكرار التَحَسُّر على ماضي التعليم، أرجو الّا يتكرر مع إِغفال بعض الجهات النظر في شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة .
   قد ينسى الصافع مَن ولماذا ومتى وأين وكيف صفَع؛ ولكن المصفوع لا ينسى!، إننا حتى الآن نتداول ذكريات الصفعات!!!، ولن أخوض في إمكانية الصفح عن أهل الصفع؛ إذ إن هذا أمر شخصي يتعلق بسماحة المصفوع وقوة الصفعة وسببها ومكانة الصافع، قد نكون مذنبين؛ إلا أن العقاب الجسدي والنفسي أكبر بكثيييييييييييررر من الذنْب ! هل أورثت هذه الصفعات في قلوب بعضنا إلا عدم الثقة بمن حولنا !!!، هذا مبصر ربما يؤذي ذاك الأعمى في أي وقت يحلو له .
   كل مَن ولّاه الله معاقا وأساء هذا المعاق؛ لا بد أن يعلمه بعقوبته أولا ويجب ألا تسيء هذه العقوبة إلى إعاقته ويجب أخيرا أن تُسهم في تعديل سلوكه  .


     كتبه المَصفوع سابقا أبو الليثِ عَبْدُُ العزيزِ بنُ صالحٍ الحَسَنِيُّ الزهرانِيّ .
صَبِيحة الأحد الثلاثين من جُمادى الآخِرة عام ستة وثلاثين وأربعمئة وألف الهجري، التاسع عشر من أبريل نيسان عام خمسةَ عشرَ وأَلْفَيْن الإِفْرَنْجِيّ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق