وصَف لي أحد الأصحاب موقفا غريبا, تعالوا نشترك في تصورِه كما رواه هو وبالتفاصيل التي سألته عنها.
قال: كنت متجها من مكة إلى جدة, وأنا في الخط السريع, رأيتُ سيارة صغيرة من موديلات التسعينات, كان على متن هذه السيارة رجل قريب من الخمسينات وإلى جانبِه امرأة قريبة سنّا منه, تقف هذه السيارة فجأة وسط الخط والسيارات تمر سريعة جدا, يتدلى منها نصف جسد المرأة الأيمن وتقطف وردة باحتراف, ثم تعود بكامل جسمها إلى السيارة وتغْلق الباب, تمضي السيارة؛ كأن شيئا لم يكن, ولم تَظهر على الرجل علامات ارتباك أو تصدر منه إشارات إلى المرأة بضرورة التعجل في إنفاذ هذه المهمة الكوماندزية!!!!.
أما صاحبِي الذي روَى لي القصة؛ فقد هالَه استخفاف الرجل بأنظمة المرور لكونه سائقا كدّادا, وقد بدا وهو يتابع الرواية وكأنه يضع يدَه على قلبِه خوْفا مما كان سيحدث - لا قدّرَ الله - من كوارث لو أن سيارة اصطدمتْ بالسيارة المتوقفة, وعندها لن يكون رتلٌ من السيارات بمنأى عن حوادث أشبه بمآسي الأحياء التي تمارسها أنظمة الاستبداد العربية ضد شعوبِها المنتفضة عليها.
في المشهد ما يلفت الانتباه حقا؛ فالسيارة ليست من الطرز الفارهة ولا من أحدث الموديلات؛ كي نقول إن الرجل واسع النفوذ ولا يخشى محاسبات أمن الطرق, وربما استطاع التخلص من التوقيف ولعل بإمكانه من باب العناد حذْفَ المخالفة عنه. والرجل ليس من الشباب الفتيان الذين دأبوا على اصطحاب نصفهم الآخر في بواكير الزواج - إِنْ أحسنّا الظن - ليريها شيئا من بطولاتِه الفذة, فتتأكد أنها اختارت فارس أحلامِها الذي يخطفها على سيارة بيضاء ربما إلى العالم الآخر. والورد ليس شحيحا عندنا؛ كي تتعلق به حدقات الأعين وتحْلم به راحات الأَيدي, ولا أظن أننا نحمل هذا القَدْر المتميز من الرومانسية التي تحْدونا إلى اقتناص الوردة ولو من بين فكَّي الأسد, ثم إن هيئة الرجل الوقور وسن المرأة لا يجعلان الناظر إليهما يظن أنهما استعراضيان يرغبان أنْ تتداول مشهدهما المنتديات واليوتيوب والفيسبوك. ماذا إذن؟, فلنفكرْ سويا.
أمِن المعقول أنْ يكون بين هذين الزوجين القريبين إلى الخمسين ذوَي الحال المستور هذا الدلال بِحيث تشتهي المرأة غير المتوحمة وردة وتبذل نفسَها في حركة غير مسؤولة من أجل الظَفَر بها, أو أنها أصرت على إيقاف السيارة؛ لأنها أرادت أنْ تفاجئ الرجل بوردة تعبيرا عن....... وليذهب الآمنون إلى حيث ألقت؟, أم لعله تحدي بقية مما ترك الشباب, وكان أنْ ربِحَ كلاهما التحدي, وكاد غيرهم يَخسرون حيَواتِهم؟, كل شيء جائز؛ ولكنْ الحمد لله أنها جاءت في الوردة المسكينة. على أية حال إذا كان قد قيل: "فتشْ عن المرأة"؛ فأنا أقول: "فتشْ عن الأنثى"؛ فالمرأة والسيارة والوردة إناث. صحيح أنها مفردات تختصر الحكاية الغريبة؛ ولكنْ لولا هذا المذكر الأقرب إلى التغفيل لَما كانت الحكاية من الأصل؛ لذلك ينادي الكثيرون بالتفتيش عن المرأة سيدة الإِناث؛ لأن المذكر بتغفيله ظاهر جاهز للموافقة الفورية وتحمّلِ التبعات.
من جانب آخر؛ لو أردنا البحث عن عنوان يناسب هذا المشهد؛ فما الذي يَصلح؟, دعوني أقترح عليكم, وأنتم تقيِّمون وتضيفون: الوردة التحدي, الوردة القاتلة, الوردة ونصف النصف الآخر, رومانسية الخط السريع, المهم وردتي. آه, لو كانت هذه المرأة في العشرينات وتأكدتُ من جمالِها لعنونتُ بكل جرأة: وردة تبحث عن وردة, دنياي بين سيارتي ووردة, زلزال وردة الحسناء, بعض الجمال قد يقتل العشرات, فتنة الخط السريع, beauty and highway!!!!! .
كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحَسَنِيُّ الزَّهْرانِيّ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق