قد يبدو هذا العنوان تقليديا ومُستهلَكا على الأصعدة الاجتماعية والأدبية والفنية؛ ولعل ما يعزز تقليديته كونه فطريا ولا يحتاج إلى ترداد؛ فالأفعال أحيانا أبْلَغ من الأقوال.
لن أطيل -كعادتي- في ما أكتب؛ فالمقام لا يحتمل بسط المقال، إن حب الفرع من الأصل جِبِلّة في كل كائن حي، ويكاد يكون تَكَلُّفا من الفرع إلى الأصل خاصة إذا استغنى الفرع عن رعاية الأصل ولم يستضئ هذا الفرع بنور الإيمان والرغبة فيما عنده سبحانه.
نبي مثل إبراهيم ويعقوب يناديان أبناءهما بصيغة التدليل الجماعي؛ هذا إبراهيم -عليه السلام- يقول موصيا: [ يا بَنِيَّ إن الله اصطفى لكم الدِين...] الآية، وهذا يعقوب -عليه السلام- في أسوأ حالاته النفسية وهو غاضب عليه يُدلأِّلهم ويتحبب إليهم قائلا: [يا بَنِيَّ اذهبوا فَتَحَسَّسوا من يوسُف... ] الآية، وهذا نُوح -عليه السلام- يخاطب ابنه الكافر والموج من كل مكان حاملا الموت لكنه يتحبب إليه ويدلله لعله يُسْلم، يقول الله -تعالى- على لسان هذا النبي: [يا بُنَيَّ اركب معنا ... ] الآية، وفي المقابل يأتينا أبو إبراهيم غاضبا على ابنه لتركه ما يعبد ولنصحه إياه فيقول: [أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم ... ] الآية؛ وفيها استفهام إنكاري، وتكرار الضمير [أنت] فيه إشارة وكأنه يقول: "أمِثْلُك مَن يفعل هذا؟!"، ثم تأتي نسبة الآلهة إلىالأب في إشارة إلى أمرِه ابنه بتعطيل عقله، ويأتي النداء بالاسم الصريح دون ذِكر علاقة البنوة فضلا عن التدليل؛ ناهيك عن سياق الآية الحامل تهديدا وإبعادا.
لستُ هنا في وارد الدفاع عن أبي إبراهيم؛ فهو كافر؛ لكنه استعظم من ابنه أن يخالفه الدِين فأراد أن يكونا سويا؛ ولكن لأن دِينه الوثني ليس على حق، ولأنه لا يملك حجة يقنعه بها، ولأن إبراهيم أوسعه حبا ورداً على حججه وتحذيرا رقيقا وحرْصا؛ فقد اشتد على ولده الرحيم؛ انظر إلى سباق الآية ففيها تكرار لكلمة [يا أَبَتِ ] وفيها قدر من التحبب، ولكلمة [ الرحمن ] حتى في الحديث عن العذاب؛ وفيها مزيد تقدير وبِرّ ؛ إنها أخلاق أولي العزم من الرسل، وفي المقابل يأتي إخوة يوسف قبل توبتهم فيخاطبوا أباهم في أكثر من موضع في سورة يوسف بكلمة: [يا أبانا] ؛ أما يوسُف البارُّ فقد خاطبه كما فعل جَدُّه إبراهيم: [ يا أَبَتِ ].
التركيز على الكلمة بل على الحرف مهم؛ لأن العلاقة الوالِدية للكلمة والإشارة دور في إدارة دفة العلاقة؛ الكلمة في تحذير الله للأولاد: [ فلا تقُلْ لهما أُفّ ]، والإشارة في أمْر الله -تعالى- الأولاد: [واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ]، إنها علاقة حياة مع مَن كانوا سببا في وجودك بعد الله، إنها علاقة حياة يُراد بها الجنة، إنها علاقة لا تنتهي بنهاية حياة الوالدين؛ ولكن هناك بِرٌّ دليل على إرادتك وجه الله تعالى دعاً لهما وإنفاذا لعهدهما وصلة الرحم التي لا توْصَل إلا بهما وإكرام صديقهما.
عودة إلى شعار "ولدِي حبيبي"؛ فهو مسؤولية تجعلك تحرص على ولدك أن يكون في الجنة؛ بل أن تلتقيا هناك في دار الكرامة، إنه شعار لا يجود إلا بالدعاء: [وأصلح لي في ذريتي]، إنه يعني أن الوالدين في جهاد؛ ضد نزعات النفس ليُسَرَّ الأولاد، ضد نزعات النفس بين الرغبة في التدليل الزائد وبين الحرْص ليكونوا رجالا صُبُرا، ضد مغريات الشارع وزملاء المدرسة والتقنية والإعلام، ضد مرحلة سنية كالمراهقة، ضد ابتعاد قسري قد يشوبه شيء من الهجر بسبب زواج الولد وتكوينه أسرة، ضد الاحتياجه لهم آخر الحياة وشعورهما بشيء من الضعف أمام قوتهم... إنه جهاد مستمر لا يقدر قدره ولا يأجر عليه إلا الله تعالى، وقبلها وأثناءها وبعدها يظل الوالدان يرددان: "ولدِي حبيبي"!!!.
قد يقال إنه لن يحس الولد بمعنى الوالدية حتى يأتيه الأولاد؛ ولكن ما الحيلة إن كانت هناك زوجة توحي إليه أن حقها وحق أولادها أعظم وأبقى من حق والديه ؟!!! قد يقال إنه لن يعرف الولد قدر والديه جيدا حتى يفقدهما؛ ولكن ما الحيلة إن اُبتُلِيَ الولد بذاكرة شيطانية تتوقف بعد دفْنهما ببضعة أيام وتجعله يقتصر على كلمة: "الله يرحمه"؛ ينطقها اعتيادا لا استشعارا إنْ نَطَقَها ؟!!!، قد يقال إنه لن يعرف الولد حق والديه حتى يَعُقَّه أولاده؛ ولكن ما الحيلة إن سَرى العُقوق سلسلةً من شَوك لا يَقطع مداها إلا الرحمن الرحيم ؟!!!؛ ومع هذا كله يظل الوالدان يرددان: "ولدِي حبيبي".
الوالدان ينتظران ولادة الولد؛ والولد قد يأتي عليه يوم ينتظر موتهما !، الوالدان يبكيان في صمْتٍ فِراق الولد الحبيب ويدعوان له؛ والولد ربما بقي يضاحك أصدقائه وقد لا يتذكر أن له والدَين ينتظران مجيئه !!!، الوالدان يسهران قريبا منه مهتمَين كي لا يمس الولد سوء؛ والولد قد ينام قريرَ العين بعيدا عنهما ولا يعنيه حتى أنات اشتياق الوالدين إليه !، الوالدان يغفران للولد حتى العقوق إنْ اتقى الله وعاد؛ والولد قد لا يغفر لأبيه إساءة غير مقصودة حتى بعد موته !!! ... ؛ ومع هذا يردد الوالدان: "ولدِي حبيبي" !!! .
ليس في هذه السطور افتئات على الأولاد؛ ولكن توصيف لبعض من واقعنا الذي كاد يمسي ظاهرة بيننا، إن علاقة الأولاد بالوالدين بناء على مواثيق حقوق الإنسان الصادرة عن دول كافرة تعتمد على قدَم المساواة؛ إذا ظن الولد أن والديه أساءا إليه؛ فمن حقه الإساءة إليهما أو الادعاء عليهما !، يحق للولد أن يأخذ من والديه ما يشاء وليس للوالدين أن يطلبا منه كلمة حب !، البقاء للأقوى؛ وقد أدى الوالدان دورهما ودار العجزة تنتظرهما لتكون جسرا إلى القبر !!!، اختصروا البِر في عيد للأم وآخر على استحياء للأب !؛ ومع ذلك فالوالدان يرددان: "ولدِي حبيبي" !!! .
المُعَوَّل عليه بعد الله -تعالى- هو الدِين والفطرة والرحمة التي يخافها الكفار؛ فقد دمروا كل فضيلة بحجة الحرية الشخصية وأن الوالدين يسيطران على الولد؛ ولن يعيش الولد في جلباب أبيه ولا مع عباءة أمه !، ومع هذا فالرجاء في الله الهادي البَرِّ الرحيم لا ينقطع ، وسنظل ندعو ونردد : "ولدِي حبيبي " .
كتبه الولدُ الوالدُ أبو الليث عبدُُ العزيزِ بنُ صالحٍ الحَسَنِيُّ الزَهْرانِيُّ.
ضحى الخميس السابع والعشرين من جُمادى الآخِرة عامَ ستة وثلاثين وأربعمئة وألف الهجري، السادسَ عشرَ من أبريل نيسان عامَ خمسةَ عشرَ وألفَين الأِفْرَنْجِيّ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق