حسبتها مرة؛ فقلت لنفسي:
لو خيروك بين الفقر والبصر، أو الاستغناء عن الناس وأن تظل أعمى. فكان خياري البصر والفقر؛ فبعينيّ أستغني عن الآخرين؛ أقرأ مرتاحا، أذهب إلى حيث أجد نفسي، لا أحد يغافلني، أستريح من نظرات الشفقة، أنسى كلمات المن المرة، أشارك المتذوقين في التلذذ بالجمال، أنظر إلى والديّ وولدي، أتأمل الكعبة وأطوف ببصري في فضاءات عبادات الرحمن، يغوص الصبح في بحر عينيّ فلا تُقفلان؛فلدى الصباح المزيد، أنظر إلى القمر، أنتظر في الليل الفجر بضيائه فقد اعتدت على سجع الحمام مؤذنا بالانبلاج.
حين مات ولدي الأكبر ليث؛ نُقل عن أحدهم قوله: "ليت أباه أخذ قرنيتيه"!؛ مع أن العصب البصري قد مات قبل ولدي؛ فإنه لو قُدر لي أن أخذ عين ولدي لما قبلت؛ أريده أن يدفن كاملا، لا أريده أن يبعث يوم القيامة باحثا عن عينيه في وجهي، أريده أن يشفع لي وليس في قلبه علي شيء، أريده أن يأخذ بيدي إلى الجنة مؤمنَين بقضاء الله لا أن آخذ بيده وأنا المتسبب بألمه وإن كان متوفيا دماغيا.
قالت لي أمي بعد أن كبرْتُ إنها سألت الطبيب إن كان مسموحا لها أن تعطيني إحدى عينيها؛ فكان الجواب أن عصبي البصري مات؛ -الحمد لله الذي متعها بالعافية-؛ السؤال؛ ماذا سيقول عني إخوتي لو حدث هذا الأمر؟ الكل سينظر إلي أني مستأثرٌ أنويٌّ تسببت في الإضرار بهم لأن أمي قد لا تقوم بالواجب نحوهم كما ينبغي، أزعم أنهم لن يسامحوني لو اصطدمت أمي بجدار أو كادت تتعثر أو أرادت رؤية شيء صغير فلم تتبينه.
هنا عرفت أن العينين على كرامتهما عند صاحبهما وعلى أنهما أمنيتان غاليتان عند الأعمى إلا أن الوالدين والأولاد أغلى منهما؛ فسروري لا يكتمل إلا بسعادتهم أو على الأقل ألا أكون سببا في الإضرار بهم حتى وإن كانوا راضين. إنني ما علمت أن الرضا هو ضرب من السعادة إلا في هذه الحالة؛ نعم، معادلة لا يعرفها إلا من يعيشها واقعا ويصبر على ضرائبها فيزداد قوة ورجاء في العوض عن الحبيبتين. رضا ممزوج بصبر ينعكس سرورا في القلب بعمق الثقة بالذي وعد أحرى أن يتوج بالشكر.
فيا نور: لا حظ لك في عينيّ ولكن تلطف بي وانزل حيث قلب أَحبك؛ لا تغضب فحب العيون ينقضي بانقضاء الانبهار بالجمال وحب القلوب لا ينقضي حتى بعد وفاة المحَب، دائما يصعد البصر ويبقى النبض بعده. موعدنا يا نور في عرصات القيامة سائلا الله أن يجعلني ممن [يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم]. لا تقلق يا نور فعند باب الجنة سأقول -بإذن الله- كما قال ربي: [ربنا أتمم لنا نورنا].
أما أنتما يا عينيّ فلا تظنا أنكما آذيتماني بقدر ما عرفتُ بكما يا حبيبتيّ من حبيبي لذاتي ومَن يقودني إلى أن يظفر بحاجته من الثناء ويصعد إلى قمة إعجاب الآخرين ويبقيني في وسط الطريق أنتظر مَن يعبر بي؛ فقد أصل أو أتعرض لمزيد من الصدمات، بكما يا حبيبتيّ أحاول أن أبكي من خشية الله لعلني أجمع بين ظل الله ونوره يوم القيامة، بكما يا حبيبتيّ أغمض يومي بعد أن أجهد في تفحّص قلبي إن كنت ظالما لأحد، بكما يا حبيبتيّ يستلهم الآخرون عظم نعمة الله عليهم لتكونا مصدر شكر لا اعتبار فج. ابقيا يا حبيبتيّ فلي معكما مسامرات أخرى لكن لا تنسيا أن تشهدا لي بخير عند رب البرية.
رؤية أعمى كتبها فاقد حبيبتيه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
لو خيروك بين الفقر والبصر، أو الاستغناء عن الناس وأن تظل أعمى. فكان خياري البصر والفقر؛ فبعينيّ أستغني عن الآخرين؛ أقرأ مرتاحا، أذهب إلى حيث أجد نفسي، لا أحد يغافلني، أستريح من نظرات الشفقة، أنسى كلمات المن المرة، أشارك المتذوقين في التلذذ بالجمال، أنظر إلى والديّ وولدي، أتأمل الكعبة وأطوف ببصري في فضاءات عبادات الرحمن، يغوص الصبح في بحر عينيّ فلا تُقفلان؛فلدى الصباح المزيد، أنظر إلى القمر، أنتظر في الليل الفجر بضيائه فقد اعتدت على سجع الحمام مؤذنا بالانبلاج.
حين مات ولدي الأكبر ليث؛ نُقل عن أحدهم قوله: "ليت أباه أخذ قرنيتيه"!؛ مع أن العصب البصري قد مات قبل ولدي؛ فإنه لو قُدر لي أن أخذ عين ولدي لما قبلت؛ أريده أن يدفن كاملا، لا أريده أن يبعث يوم القيامة باحثا عن عينيه في وجهي، أريده أن يشفع لي وليس في قلبه علي شيء، أريده أن يأخذ بيدي إلى الجنة مؤمنَين بقضاء الله لا أن آخذ بيده وأنا المتسبب بألمه وإن كان متوفيا دماغيا.
قالت لي أمي بعد أن كبرْتُ إنها سألت الطبيب إن كان مسموحا لها أن تعطيني إحدى عينيها؛ فكان الجواب أن عصبي البصري مات؛ -الحمد لله الذي متعها بالعافية-؛ السؤال؛ ماذا سيقول عني إخوتي لو حدث هذا الأمر؟ الكل سينظر إلي أني مستأثرٌ أنويٌّ تسببت في الإضرار بهم لأن أمي قد لا تقوم بالواجب نحوهم كما ينبغي، أزعم أنهم لن يسامحوني لو اصطدمت أمي بجدار أو كادت تتعثر أو أرادت رؤية شيء صغير فلم تتبينه.
هنا عرفت أن العينين على كرامتهما عند صاحبهما وعلى أنهما أمنيتان غاليتان عند الأعمى إلا أن الوالدين والأولاد أغلى منهما؛ فسروري لا يكتمل إلا بسعادتهم أو على الأقل ألا أكون سببا في الإضرار بهم حتى وإن كانوا راضين. إنني ما علمت أن الرضا هو ضرب من السعادة إلا في هذه الحالة؛ نعم، معادلة لا يعرفها إلا من يعيشها واقعا ويصبر على ضرائبها فيزداد قوة ورجاء في العوض عن الحبيبتين. رضا ممزوج بصبر ينعكس سرورا في القلب بعمق الثقة بالذي وعد أحرى أن يتوج بالشكر.
فيا نور: لا حظ لك في عينيّ ولكن تلطف بي وانزل حيث قلب أَحبك؛ لا تغضب فحب العيون ينقضي بانقضاء الانبهار بالجمال وحب القلوب لا ينقضي حتى بعد وفاة المحَب، دائما يصعد البصر ويبقى النبض بعده. موعدنا يا نور في عرصات القيامة سائلا الله أن يجعلني ممن [يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم]. لا تقلق يا نور فعند باب الجنة سأقول -بإذن الله- كما قال ربي: [ربنا أتمم لنا نورنا].
أما أنتما يا عينيّ فلا تظنا أنكما آذيتماني بقدر ما عرفتُ بكما يا حبيبتيّ من حبيبي لذاتي ومَن يقودني إلى أن يظفر بحاجته من الثناء ويصعد إلى قمة إعجاب الآخرين ويبقيني في وسط الطريق أنتظر مَن يعبر بي؛ فقد أصل أو أتعرض لمزيد من الصدمات، بكما يا حبيبتيّ أحاول أن أبكي من خشية الله لعلني أجمع بين ظل الله ونوره يوم القيامة، بكما يا حبيبتيّ أغمض يومي بعد أن أجهد في تفحّص قلبي إن كنت ظالما لأحد، بكما يا حبيبتيّ يستلهم الآخرون عظم نعمة الله عليهم لتكونا مصدر شكر لا اعتبار فج. ابقيا يا حبيبتيّ فلي معكما مسامرات أخرى لكن لا تنسيا أن تشهدا لي بخير عند رب البرية.
رؤية أعمى كتبها فاقد حبيبتيه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
الحمد لله
ردحذفيعوضك اللھ بالجنة انت ووالديك وولادك
ردحذفاللهم آمين، شكر الله لك.
حذف