الصفحات

الخميس، 9 يوليو 2015

أين هو منا ؟!!!


    يكتب الناس عن الأُم أشعارا وخواطر وينشدون ويترنمون بحبها، وهذا أقل واجب لها علينا؛ أن نعترف بفضلها وتسمع استشعارنا إحسانها إلينا لعلها تخصنا بدعوة يستجيب لها رب السماوات والأرض؛ لكن ما يؤسف له هجران قرائح الشعراء قدر الأب وجهده، وجفاف أقلام الناثرين عن كتابة خاطرة تُقَرِّب الأب إلى صغار مراهقين يرون فيه آية التسلط والحرمان.
  هنا دخل الإعلام الخبيث المضلل بتصوير الأب على أنه يريد شَدَّ الأولاد إلى الأسفل والتقوقع والعيش في جيل غير جيلهم، صَوَّره على أنه يحب نفسه ويريد من أولاده أن يكونوا مثله ويحققوا رغباته، صَوَّره على أنه المُرهِب ذو الصوت والسَّوط المرتفعَين، صَوَّره على أنه صاحب القوة الظالمة والسطوة الجبارة التي لا تعرف الرحمة إليه طريقا إلا حين يضعف وتخور قواه ويصبح قريبا إلى القبر فهو يبدأ في استجداء أولاده، صَوَّره على أنه دائم الشكوى من أولاده وأصدقائهم ونمط جيلهم وكأنه يغار من شبابهم ومما هم عليه من سُبُل راحة لم يرَ معشارها في صباه ولا في شبابه، صَوّره على أنه ضد الحُب والرومانسية ولا يريد لأولاده أن يختاروا أو يوافقوا على مَن يرون سعادتهم في العيش معهم، صَوَّره على أنه مُهمِل لبيته متنكر لأسرته لا يرجع إلى البيت إلا لماما تاركا حِمل التربية على الأم المسكينة، صَوَّره على أنه باطش بِزَوْجهِ مُتعالٍ عليها لا يُمَكِّنها من رأي في أدق شؤون البيت، صَوّره على أنه يقول ما لا يفعل؛ فهو يحذر أولاده من الوقوع في المعاصي والمخازي وهو يلَغ فيها مُتَخَفيا أو مجاهِرا بعيدا عنهم، صَوَّره على أنه مادي يريد أخْذ أموال أولاده الذين تعبوا في تحصيلها؛ فلا يريحهم صغارا ولا كبارا! .
  إنها صوَر مشبوهة مُشَوَّهة مُشَوِّهة تُحَول الأب إلى غول وأشبه بعدو طائفي يريد تشكيل نفسية الضعيف المحتل كما يشاء إن لم يُنْهِه!، نعم، نسمع عن وقاحات اللبراليين ضد الآباء وتحريضهم الشباب على التمرد، ونسمع عن إغرائهم الفتيات ليخرقن ثوب الحياء والعفة ويُصِبن آباءهن في مقتل، نسمع عن أنصاف المثقفين المؤثرين في بعض دوائر اتخاذ القرار كيف يثابرون لاستصدار قوانين تُعْدِم قوامة الرجل وواجباته تجاه زوجه وأولاده فضلا عن غمط حقوقه، نسمع عن وسائل إعلامنا كيف تبث ببغاوية غبية مسلسلات تُدَمِّّر شخصية الأب ومكانتها عند المتلقي، نسمع حتى من بعض المتخصصين في التربية يُلقي بكل شيء عيانا بيانا على الأب؛ فالشاب -إن أخطأ- قالوا: "فشل الأب في التربية"، وإن أبدع قالوا: "نجح الشاب"؛ إِذَن؛ الأب سبب كل شر ولا خير يرجى منه فضلا عن إمكانية منْحه غيره؛ إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه، نسمع عن الدعاة والوعاظ والخطباء كلاما كثيرا في كل شيء حتى في السياسة والكُرة؛ لكنهم لا يأتون على بِر الأب إلا عرَضاً في سياق الحديث عن بِر الوالدين مرَكِّزين على الأُم
  إنه تحالف معلن أو غير معلن مع مخدوعين ذوي تجارب مريرة لحالات فردية لا يقاس عليها وبين قوم جندوا أنفسهم أو جُنِّدوا لإبعاد المجتمع المسلم عن الفضائل، تحالف بين قوم عرفوا ما يريدون فخططوا ونفذوا وبين قوم غفلوا عن الواجب فركزوا على طرف وتركوا الآخر تتقاذفه الأيدي العابثة، تحالف بين إعلام نفعي يريد أن يبيع كل شيء وأولهم الفضيلة ليشتري دقائق مشاهدة وبين داعية ومنشد هَمُّه استرقاق القلوب بكل شيء ما عدا بِر الآباء، تحالف بين غرب مهترئ أُسْريا من الداخل وبين مستغربن أهترَأَت قلوبهم من الداخل حتى تخبطوا في ولاءات الخارج!.
  ماذا يراد لنا وبنا؟!، ماذا يَتوَخون من تغييب الأب، يريدون منه أن يكون ماكينة متعددة الأغراض يُفَرِّخ ويعطي أموالا بلا حدود ويُجيد الصمت وتلَقِيَ الضربات!، يراد لمجتمعنا أن تعمى عين الوالد المُحِب الغيور الخائف، يراد له وبه أن يوجِس في نفسه خِيفةً قبل أن يوجِّه ابنته فضلا عن نُصْح ابنه، يراد أن تعيش الأسرة في حالة عدم اتزان، يكون البيت مأوى للنوم، وفي النهار أو الليل لا يدري أحد عن أحد!، يراد لأيدي الأولاد التي تعلقت برقبة الأب حبا واحتياجا أن تأخذه إلى دار المسنين ليموت هناك ولا يجد يدا تجهزه وتدفنه، يراد لأفواه أولادا كم قَبّلَت الأب وقالت: "أحبك يا بابا" أن تتبرم وتتأفف منه وتتطاول عليه وقد لا تدعو له بالرحمة إن علمت بموته، يراد لقلوب صغيرة كم فرحَت إذا أخذها أبوها إلى المسجد أو البقالة أن تفرح -إذا كبِرَت- بالانتصار على الأب ورؤيته ضعيفا!، يراد للصغار ألا يقيموا وزناً لكبير تماما كالمجتمع الغربي المدعي للحرية في ثوب الفوضى البَهَمية؛ فلا مكانة لأب مُرَبٍّ وتاليا لا مكانة لعالِم مُفْتٍ مُرشد ولا حتى لولي أمر عام تجب طاعته حفاظا على الدين والدم والعرض والمال، يراد أن يتحرش بعضنا ببعض وأن يلعن بعضنا بعضا وألا يكون أمنٌ ولا دِين، يراد أن نرفض الأُسرة خوفا من تهمة الرجعية والتشدد؛ إذَن؛ فتربية #رسول_الله -صلى الله عليه وسلم- مرفوضة عندهم لأنه حَذّر من العقوق وكان أباً وهو أَغْيَر الخلق!، باختصار يحطمون الأب شيئا فشيئا لينهدم الدين وتموت الأمة، ما الذي جعل التحرش ينتشر حتى بات ظاهرة في مجتمعات إسلامية يبحث المتخصصون لها عن حل؟!، ما الذي جعلنا نشهد حوادث انتحار يوميا حتى بدت أمرا معتادا؟!، ما الذي جعلنا نسمع عن فتيات يهربن من بيوت آبائهن؟!، ما الذي جعلنا نقرأ عن مسنين وُجِدوا ميتين في غرفهم القذرة بعد أيام؟!، إنها الأمة المهلهلة التاركة للدين والعُرف!.
  في يومٍ ما؛ رفع أحد أولادي علَي صوته؛ فتذكرْتُ أبي؛ عرفتُ أنه يحبني لأني تألمت من صوت مرتفع!، أبي بذل من أجْلي ولم يعيرْني مرة بأني #كفيف ؛ في حين أنه لم يبقَ شخص أعرفه إلا ولَمّح بها إن لم يُصرِّح، رفع ولدي صوته في وجهي؛ فأحسست بطعنة أسفل صدري حجبت عن الهواء، أريد أن أتكلم؛ لكن الدهشة كَبّلَت حروفي وعَطّلَت لساني وشَلَّت فكري، أريد أن أبكي لا علاى ولدي؛ ولكن على لحظة ظلمتُ فيها أبي!؛ فلنتقِّ الله في آبائنا؛ فاحترامهم وطاعتهم في غير معصية الله وبِرُّهم ركيزة قوة الأمة وبريد الحكمة ومُكْسِب الفضائل حتى لتكاد تكون طبْعا وصمام حمايتها من المتربصين وسبيل استرجاع الحقوق وآية غاية الهيبت ودليل تماسكها الذي لا ينخر وعنوان كتاب التراحم، إنه الأب وإن لم نَفْهمه، إنه الأب وإن لم نُقَدِّر تعبه واهتمامه!، إنه الأب الذي قد لا نرى دموعه ولكن فلنسأل الليالي فلديها الجواب المبتَل، إنه الأب الطيب الرحيم الحَدِب الحكيم، إنه الأب الذي بابتسامة رضاه تتألق شمس النهار ويتجمل القمر وتزُف النجوم أمتنا إلى المعالي، إنه الأب ولنسأل اليتيم واللقيط ومَن غاب أبوه سَجْناً أو سَفرا، إنه الأب ... وكفى!.


    كتبه الابن الأب أبو اللَّيْثِ عبدُُ العزيزِ بنُ صالحٍ الحَسَنِيُّ الزَهْرانيّ.
  ضُحى #يوم_الجمعة السادس والعشرين من رجب عام ستةٍ وثلاثين وأربعمئةٍ وألْفٍ الهجريّ، الخامسَ عشَرَ من مايو أيار عام خمسةَ عشَرَ وأَلْفَين الإِفْرَنْجِيّ.

هناك تعليقان (2):