إنها شعرات تدلت من وجه كريم ! تشرف بحامله - رضي الله عنه !، له عينان رأتا خير البشر -صلى الله عليه وسلم- !، له أذنان كم سمع بهما توجيهه -عليه الصلاة والسلام - !، له شفتان ولسان كم خاطب بها صاحبه - صلوات الله وسلامه عليه - !، له أنف كم شم بها ريحه العطِر الشريف - عليه صلاة الله وسلامه -!.
عودة إلى الشعرات ؛ إنها لمست - يقينا - جسد الرسول - صلى الله عليه وسلم - تقبيلا !؛ فهنيئا لها !، مضى عليها هواء مس من قبل بشر الرسول -عليه الصلاة والسلام - ؛ فهنيئا لها ! شرفت بأن نظر إليها الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - بعينيه الشريفتين ؛ فهنيئا لها !.
هذه الشعرات متدلية حيث صدره - رضي الله عنه - الذي حوى حب الله - سبحانه وتعالى - وحب رسوله -صلى الله عليه وسلم - !، صدره - رضي الله عنه - الذي استضاء بالإيمان واستنار بالإسلام وتطهر بالقرآن !، صدره - رضي الله عنه - الذي اهتم بأمر المسلمين قبل أن يتولى أمرهم !، عجبا لذلك الصدر القريب من تلكم الشعرات ! كم نبض بالحكمة !، كم تدفق قوة وشموخا ذباً عن بيضة الدين !، كم حزن من أجل ضعيفة أو يتيم !، كم صنع دررا بقيت مئات السنين تشع خيرا !.
أبقى مع الشعرات التي ظُلمت كما ظُلم صاحبها - رضي الله عنه - ! ، نعم ، أمن المعقول أن تمسح بنت صغيرة ما لها من ذنْب لحية عمر - رضي الله عنه - ولو لم يكن مسلما آنذاك فيتجرد من أدنى معاني الرحمة والحنو والأبوة ليضعها في التراب مع غيرها من الموؤودات ؟ ! ، حاشاك يا عمر !، لو لم يكن قلبك وصدرك وعقلك وفكرك أراضٍ خصبة لما استوعبت الدين الحنيف فأنبتت فيك الفاروق وكنت شوكة في نحر كل شيطان ورحمة بقيت إلى أن كُسِر بابها !، كيف تمسح التراب عن لحيته لتنظفها وهو يدفعها إلى مكمن التراب ليقتلها !، حاشاك يا عمر !، ما كنت لتكافئ محسنا بإساءة !، أولم يرق قلبك حتى على يهودي طاعن في السن ففرضتَ له عطاء من بيتا المال ؟!، إنها الرحمة الجبلية فيك يا عمر زادها الإسلام ظهورا وتألقا وخلصها مما قد يعلق بها من شوائب حميّة .
أبقى مع الشعرات التي تعانق عند جلالها الدقيق ودخان النار ليستقرا بينها !، جئت يا عمر إلى أم اليتامى حاملا الدقيق وطفقت تطبخ لهم !، كيف لا يعجب منك الدقيق وقد شرف بخير ظهر حمله !؟، كيف لا يعشقك الدخان وهو من نار نالت بوافدها في الدنيا من لقائك !، نعم يا عمر ، لا حظ لنار الآخرة فيك !؛ هنيئا لك يا عمر !.
إنها الشعرات التي استقبلت مدرار دمعك يا عمر رسولا منبئا عن قلب خاشع ونفس مشتاقة إلى لقاء الأحبة !، استقبلت الدمع لتغتسل من درن الدنيا كما قد اغتسل قلبك وشبعتْ نفسك من معين الدين !، شعرات مست الأرض سجودا وأنصتَتْ خاشعة لتسبيحك ودعائك يا عمر !، شعرات مست الأرض وطهرتها بدمعك .
لكن للأرض موعدا جديدا مع ماء آخر ، هو طهور ممزوج بحرارة الإيمان !.، إنه اللقاء الأخير في دنيانا الخادعة وليس في واقعك الفردوسي يا أمير المؤمنين !، عجبا لك يا عمر !؛ تطلب ممن حولك وأنت مطعون مشرف على نيل الشهادة أن يوضع رأسك على الأرض !، نعم ، ههي ذي الأرض تودع الشعرات الممزوجة بدمع الرجاء ؛ إلا أنه رجاء أبيض ببياض قلب عمر ، أحمر باحمرار دم عمر الطاهر !، سائلان على الأرض وعلى الشعرات في لحظة ليست ككل اللحظات !، ينتقل فيها الفاروق مع معيشة فارقة من ظاهر الأرض إلى باطنها حيث تقترب الشعرات من جديد إلى عشقها الأبدي !، نعم ، إنه سلفه أبو بكر - رضي الله عنه - ونبيهما محمد - صلى الله عليه وسلم - !
إن لقيتك يا عمر ؛ فلا تسلني عن حال الشعرات ! ؛ إن كنت بريئا من الوءد ؛ فبسبب الشعرات وئد الرجال واغتصبت الحرائر !، وإن كان الدقيق قد تخلل تلك الشعرات الزكيات؛ فهناك حاملون لهذه الشعرات لم يدخل الدقيق بطونهم !، وإن كان دخان النار قد نال من شعراتك ؛ فأدخنة الإعلام والقمع الديني والترهات النثرية والشعرية نالت من أصحاب هذه الشعرات !، وإن كنت قد ألصقت شعراتك ساجدا ومتواضعا عند موتك ؛ فقد أُلصِقَتْ بالشعرات كل كبيرة ومصيبة وعيب !، لا تسلني يا عمر واسمع شكوى الشعرات إلى ربها يوم القيامة !.
كتبه محب عمر -رضي الله عنه- أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني،

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق