المتابعون

السبت، 6 يونيو 2015

شيخ

   كيف بدأ مصطلح "شيخ" للدلالة على من علا كعبه في أمر ما؛ إذ المعروف لغويا أن كلمة "شيخ" من الفعل "شاخَ", وهي إنما تطلق على من طعن في السن وتجاوز حد فورة الشباب,
قال تعالى: [وأبونا شيخ كبير], وقال: [وهذا بعلي شيخا]. وتكون وصفا للمرأة؛ إذ تطالعنا رواية آية الرجم المرفوعة: [الشيخة والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة].
إنها كلمة تعطي إحساسا بالضعف؛ إلا أن لهم عذرا إذا ما أخذنا بقوانين المجاز عند أهل البيان في إطلاقها على من تجاوز حد المعتاد في علم ما بجامع الزيادة في
كل, وهي كلمة لصيقة بأي عالم في أمور الدين أيا كان مقدار علمه قل أو كثر؛ ثم إن اللغة والحكمة تحالفتا نصرة للمشايخ فكانت هذه المقولة:  "لا تهمزوا المشايخ",
والمعنى: لا تهمزوا المشايخ بإيذائهم من الهمز, ولا تنطقوا كلمة مشايخ مهموزة الياء هكذا: "مشائخ".
 في الموروث الشعبي نجد كلمة شيخ فضفاضة حيث يطلقها العامة على من كان طويل اللحية, قصير الثوب, صامتا, مكثرا لذكر الله, محبا للخير, وهذه أوصاف طيبة لكنها واجبة
على كل شخص وليست خاصة بالمشايخ فقط؛ وإلا قسمنا الناس إلى رجال دنيا ورجال دين كما هو الحال في المعتقادات الأخرى. وفي كلامنا الدارج يقول أحدنا لصاحبه: "لا
يا شيخ؟"؛ مستفهما أو متهكما أو متعجبا, ولا علاقة لها بمدلول "شيخ"؛ لكن هكذا درجت, ولعلهم إنما قصدوا أن من أعطانا معلومة فهو شيخ صدقناه أو لا. وكنا نسمع
قبل ظهور النقابات مصطلح "شيخ الصنعة" وهو شخص ينتخبه زملاء صنعته لما يتمتع به من كفاءة عالية في الصنعة وخبرة في دقائقها ولسعة معرفته بأهل هذه الصنعة وبالمتميزين
منهم ولقدرته على حل الخلافات فيما بينهم وحل الخلافات بين أهل الصنعة والمستهلك بناء على قبوله الحسن بين الناس, وهو مصطلح جميل أتمنى أن يعود. والغريب أن
عند المصريين الآن مصطلح "شيخ منصر", وهو يطلق على زعيم جماعة احترفوا الإجرام بخفاء في المناطق الريفية. ونبقى في مصر لنرى لافتة في وسط القاهرة مكتوب عليها
"مشيخة الأزهر", وهي لا تبعد عن معنى الشيخ المتداول لأنها استخدمت وزنا صرفية يدل على مكان يكثر فيه مدلول المشتق وهو وزن "مَفْعَلة"؛ مثل: مأسدة؛ لكثرة الأُسود.
ومن العجيب وبناء على أن لكل حرفة شيخا وعند أهل مصر أيضا؛ أطلقوا مصطلح "شيخ الملحنين", وأبرز من تقلده زكريا أحمد, ومحمد القصبجي.
 وكل من تملير وتبرجز وأصبح من علية القوم مالا وجاها أطلق عليه هذا اللقب؛ فالمال والوجاهة رفعاه إلى هذه المرتبة متجاوزا الحد الذي عليه 99.99? من الشعب المطحون
الذي هرسه غلاء الأسعار وقلة الرواتب وندرة فرص العمل وتغافل المسؤولين عن نداءات المواطنين. هؤلاء الشيوخ المتمولون امتلكوا إمبراطوريات إعلامية؛ فترى الشيخ
فلانا يمتلك قنوات تبث مسلسلات العهر والخيانة الزوجية والرقص على مدار الساعة, ويقولون "شيخ". وتطلق تلك الوسائل لقب الشيخ على أشخاص لا علاقة لهم مباشرة بالعلم
الشرعي مثل: مفسري الأحلام, وعلماء النفس الذين يوشحون كلامهم بالنقول عن السلف أو الذين يكثرون من ذكر الله, والمشعوذين والسحرة وقارئي الطوالع. ومن المغري
أنك تسمع المذيعة اللبنانية الحسناء وهي تستضيف شيخا يقبل الجلوس معها تناديه فاتحة فاها لترينا صف أسنانها ونبرة صوتها الساحر وهي تُشبِع الفتحة حتى تكاد تكون
ألِفا فتقول "يا شََََيخ".
 ويطلق اليساريون والاشتراكيون والشيوعيون لقب شيخ على أبناء العوائل الحاكمة في الخليج؛ فهم يسمونهم "شيوخ النفط", وفي هذه العبارة قدر كبير من التهكم المشوب
بالحسد؛ إذ هم يوحون بأن النفط وحده هو الذي صنع منهم شيوخا, ولا أريد أن أستفيض في تحليل هذا المصطلح الملغوم كيلا ينفجر اللغم في وجهي. وبلغ من حب وتبرك الناس
اجتماعيا بكلمة شيخ أن سموا أبناءهم باسم "شيخ", وهو كثير في الدول التي ما عرفت اللغة العربية إلا قريبا؛ مثل: نيجيريا وإندونيسيا. وفي نواح من عالمنا العربي
يسمي بعضهم بناتهم "شيخة", وهو يكثر في دول الخليج ربما أملا أن تكون ابنتهم شيخة أو متشبهات بالشيخات أزواج شيوخ الخليج مثلا. ونجد هذا الاسم في نواحي حضرموت؛
لكثرة النساء المتعلمات العلم الشرعي؛ فهم يتمنون ويتيمنون لعل ابنتهم تصير شيخة. وكلمة شيخ ليست مقصورة في عالمنا العربي على المسلمين؛ فهناك بيوتات في لبنان
يلقب أبناؤها شيخا؛ إذ كانوا زعماء لعشائرهم قبل انخراطهم في بناء الدولة؛ لكنهم ورثوا اللقب اسما بلا صلاحية كلقب البيك والباشا, ومن العوائل التي يطلق عليها
شيخ في لبنان عائلتا "الجُمَيِّل وحرب", وهما عائلتان نصرانيتان كاثوليكيتان مارونيتان.
 وبعد فحاول أن تكون شيخا, وأخبرني إن استطعت إلى ذلك سبيلا.
       كتبه: الشيخ! لا!لا!لا! الأستاذ المهم جدا جدا "أبو الليث عبد العزيز بن صالح الزهراني".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق