المتابعون

الأربعاء، 15 يوليو 2015

لحظات

لحظات إلهية تأخذنا برفق من نوازع البشرية الصرفة ! في بيوتنا ... أسواقنا ... طرقاتنا ... زياراتنا ... في عملنا ... قد لا ننظر إلى الساعة ؛ ولكن الأذن تسمع ، كأن الآفاق تشتاق ! كأن الأرض والسماء تنصتان راغبتين ! كأن الهواء يزف في فرح ذلك النداء ! ينطلق الصوت مكبرا ... موحدا ... رافعا ذِكره - صلى الله عليه وسلم ـ ... يخبرنا بأعظم وصفة لنيل أعلى درجات الفلاح ! ، إنها الإقبال على الصلاة ! يخبرنا بحال أهل الصلاة ومآلهم ؛ من فلاح ... في فلاح ... إلى فلاح ... ثقة برب الفلاح... !
 سمعَتْ الآذان الأذان فغارت الجوارح من فضل أوتيته الأسماع ؛ لكأن الله - تعالى - يطيبها ويمحو غيرتها ؛ فكان الوضوء الذي يمنح الجوارح هالة وضاء من نور المقصد في انتظر شرف المأوى ! تنطلق المياه مطهرة ؛ كأنها غارت هي أيضا من اشتياق الآفاق وحمْل الهواء للنداء ! [ وثيابك فطهر ] . تهتز الثياب زهْوا ؛  كيف لا وهي ماضية إلى خالقها مع مخلوق مستجيب لخالقه ! ؟
 المسجد مكانه ... أبواب تُفتح ومعها الرجاء في نيل الرضا ! ، أقدام توقع على الأرض شهادة تنطق بها يوم القيامة ... " هنا مشى فلان إلى الصلاة " ! ، الله أكبر ! ، تصعد درج المسجد ؛ كأنها صاعدة درج الجنة ! ، تدخله ؛ كأنها تمضي من باب الصلاة إلى الفردوس الأعلى ! ، أين الهم والهمة ؟ ، إنها نحو الصف الأول ؛ حيث الاستهام : [ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ] .
 تستقر القدمان ... تسكنن الجوارح ... يُغرس البصر حيث موضع السجود ... تكون التحية بالخير ... خير ما يُطاع به الله هنا ... الصلاة ... هل هي تحية للمسجد بوصفه بناء ؟ ، هل هي تحية لقاصد المسجد لكونه أهم بنّاء ! : [ إنما يعمر مساجد الله مَن آمن بالله ... ] الآية . تبقى تحية يحيا بها المكان ، يحيا بها صاحبها ، تزداد حياة تلك الصلة العظمى ! .
 كأن داعي الموت ينادي فنستجيب بحمد ربنا ! ، كأن الوضوء غَسلُنا ... كأن الثياب كفنُنا ... كأن الطريق أنوار بشارات البرزخ وأصداء تحايا الملائكة بعد طي  الصراط ! ... كأن سقف المسجد هو الظل المقصود ... كأن الصلاة الجامعة هي الجامعة الواصلة بيننا وبين ربنا حيث الجنة آية رضاه سبحانه وتعالى ! .
 القوم هنا أهل حاجات ، والغني الكريم الواحد قريب مجيب  ... ! تُقام الصلاة ، تنتصب الأقدام مصفوفة ... تختلف الأطوال والأحجام  ... تختلف الألوان والنبرات  ... يختلف ثمن الهندام ... لكن مقصد القلوب واحد ! ، ذِكر اللسان واحد ... الحركات واحدة ... الاصطفاف واحد ... خلف إمام واحد ... البداية في وقت واحد ... الانتهاء في وقت واحد ... لا ميزة لأحد بغنى أو بمنصب أو بنسب ! ، التميز هنا لمن اتقى فحضر أولا ! ، تكبير في كل حال وناحية ، وتسليم ذو سلام من الله السلام لتسلم القلوب ! .
 سبحان الله الكبير الذي لهج الكون بتكبيره عند الأذان ! ، سبحان الله الكبير الذي لهجنا بتكبيره في الصلاة فرضا وبعدها ذِكرا ! ، سبحان الله الواحد الذي وحّده الكون في الأذان ! ، سبحان الله الواحد الذي وحد قلوبنا وألفها وجمعنا في مكان واحد نعبد ربا واحدا متجهين إلى قِبلة واحدة ! ، إنه -سبحانه ـ الكبير الواحد مَنَّ علينا بقدر كبير بين كل المذاهب وعلى الرغم من كل المشارب ... تفرد القَدْر بالتوحيد الذي ضل عنه غيرنا ؛ نجدد إيماننا بشدة حبنا لربنا ! ، اللهم ربنا ولك الحمد !


   كتبه راجي عفو ربه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق