أيها الزوج الطيب: هقَد بحثتَ عن الثغرِ وما في حكمِه؛ فكنتَ على ثغر كمن في حُكمِك, وربما فارقتْك ابتسامةُ الثغر, هذا حقٌ وقدَرُنا جميعا, وكلُّنا لها. نبحث عن النساء, فتبحث عنا المتاعب, نحفَل بهن, فتحتفل علينا الهموم, نضحّي من أجْلِهن فتُحْرِق تضحياتِنا لحظةُ غضبٍ منهن. الملل والرتابة والنكَد والصمت العاطفي وتقلبات الأمزجة والإزعاج الأُسْرِيُّ لا يفارق أحدُ هذه العناصر جنبات البيت الآيلة للسقوط. اعلمْ -أخي الزوج- أن الله لم يدعْك في دار هوان ولا مَضْيَعة؛ إذ ما من شيء إلا وله نهاية محتَّمة ولو بالموت, لكنْ علينا نحن الأزواجَ المسحوقين ألّا نقْضيَ نحْبَنا حتى نجلب لأنفسنا أكبر قَدْر ممكن من السعادة, وليُقَلْ عنا: براغماتيون أو ميكيافيلّيون أو أي مصطلح آخَر؛ لا يَهم؛ لأن النار لا تحْرق إلا رِجلَ واطيها. إنه لا ملجأ لنا -بعد الله تعالى- إلا أنْ نتعلمَ من الزعماء السياسيين؛ وإنْ كرهنا أكثرَهم, إننا في وقت يعج بالتقلبات السياسية والعسكرية مما أتاح لنا الاطلاع على الكثير من الأجندات المخْفية والتنبؤَ بما قد يَحدث؛ وبما أننا مسؤولون في حكم الزعماء, ومن واجبِنا الحفاظُ على كياناتِنا, ويُفترض منا تحقيقُ نجاحاتٍ أمام زوجاتِنا وبين أقرانِنا ليقتدي بنا مَن بَعدَنا, فإذاً؛ دقتْ ساعة العمل, إلى الأمام, إلى الأمام.
ما ينبغي بدايةً أنْ نتعلمه في عُرف السياسة عدةَ قواعد رئيسةٍ هي: لا وجود لصداقاتٍ أو عداواتٍ دائمة بل لمصالحَ دائمة, السياسة فن الممكن, بطيء ولكنْ أكيد المفعول, انظر من أين تأتي العواصف فطئطِئْ رأسَكَ أمامَها متذكِّرا أنْ يبقى رأسُكَ مرفوعا أمام الآخرين؛ كيلا تفقد مكانتَك, كنْ أنت الرابحَ ولو بعدم الخسارة, تعلّمْ قانون: بيدِي لا بيدِ عمرو؛ فلْتدوِّر زواياك بنفسكَ ولْتتعود على حَك جلدِك بظفرك؛ مع أن المفروض ألا تسمحَ لجلدك أن يحُكَّك, وأنْ تقْلع شوكَك بيدك؛ ولو جُرحتَ؛ فإحساسك بالألم يحُضُّكَ أنْ تراقب حقلَك حذَراً من أنْ تنموَ فيه حشائشُ طفيليةٌ تتحول إلى أشواك. تَذكّرْ دائما أنك لستَ أمام شَعْبٍ عادي؛ أنت أمام شَعْبٍ لا يخافك وهو ظالمٌ لك؛ لذلك إياكَ واللعبَ على المتناقضات, وإياكَ والمواجهةَ المباشرة, ولا تعتمد قاعدة: فَرِّقْ تَسُدْ. واعلم -أخي الحبيبَ- أن النظريات لا تُتصوَّر إلا عند التطبيق -تماما كغيرها من الفنون-؛ لذلك هيا بنا إلى الجانبِ العمَلِي:
أول ما يجب عليك العملُ به بعد فهْمِه جيدا في عالم السياسة هو مبدأ الدبلماسية؛ فهي المستمرةُ معك طول حياتِك الزوجية تماما كدواء السكري والضغط؛ ألستَ تعيش مع السكر الحلو؟, ألستَ تعاني من ضغطٍ بسبب هذا السكر؟, من هُنا تكمُن أهميةُ هذا المبدأ, وسيظهر مصداقُ هذا الكلام في الأسطُر القادمة. اعلم ابتداءً أن للدبلماسية ثلاثةَ أركان هي: الاختصار, قول الصدق, عدم إضافة شيء جديد.
فترى السياسيين الشرفاء -وقليل ما هم- إذا تزاحم عليهم الصحفيون يعطون كلمات سريعة ليست كَذِبا ولا تتيح سبْقا لأحد. فهم لا يودون الإطالة؛ كيلا يضطروا إلى مخالفة اقتناعاتهم أو يقولوا شيئا تحاسبهم عليه قياداتهم.
إن وضْع الزوج أصعب بكثير من هؤلاء السياسيين من عدة نواح:
أولا: هو الزعيم المحاسِب والمحاسَب؛ فعليه أن يضع الخطوط الحمراء ويتحرك بعييييييدا عنها بما لا يجعله يفكر في عدم الاقتراب من توترِها العالي فتزلَّ قدمُه.
ثانيا: هو يحكم زوجة هي الشعب؛ إذا غضبتْ غضب الشعب كله, والعكس صحيح؛ ويبدو الزعيم السياسي في فسحة من أمره يرضِي شريحة تناصره, ويثير بين شرائح الشعب النعرات القبلية والمذهبية والمناطقية والعنصرية, ويتغنى بشعارات زائفة, والكُل يرجو رضاه.
ثالثا: الزوج المسكين لا يملك إفناء شعبه أو حتى إجاعتهم؛ فهو مؤاخذ دائما حتى وإنْ أحسن؛ بعكس الزعيم السياسي؛ إذ إنه لو أفنى جُلَّ شعبِه؛ فسيجد مِن أعضاء مجلس الأمن مَن يرمي له طوق الفيتو لإنقاذه.
رابعا: الزوج يجد من يجهر بكلمة الحق والباطل أمامه بلا قيود أو حدود أو سدود, وقد لا يستطيع الدفاع عن نفسه, فلو أبدى عدم الرضا اتهِم في رجولته, فضلا عن سكوته المنطوي على ضيم؛ بعكس الزعيم السياسي؛ فهو لا يسمع إلا ما يُطربه حقا أو باطلا.
خامسا: مع أن الزوج مبدئيا يحكم, فهو يحكم على الورَق عندها, وهو الحاكم بأمره كما تزْعم هي لكل الدنيا, وهو زيادةً على ذلك ليس ملِكا في مملكة دستورية ولا حتى رئيسا فَخريا؛ بل هو رئيس مسؤول مسؤولية كاملة في دُويلة تُقاسمه زوجته على طريقة الفدرالية أو الكُنفدرالية في حالة الزعل.
سادسا: الزوج قد تُقتحَم حدوده الإقليمية وهو مجبَر على الابتسامة في حالة هجوم الحَماة وأخوات المدام, والزعيم السياسي قد يدعي تهديدات دول خارجية ليبقى شعبه متوترا وهو يتلاعب في مقدَّرات البلاد كما يشاء.
سابعا: الزوج مسؤول عن الإيرادات في ميزانية دولته, وليس مسؤولا عن المصروفات, بل تستطيع الزوجة إحداث أي عجْز أو تضخمٍ وعلى هذا المسكين إيجاد الحلول المناسبةِ للزوجة, أما الزعيم؛ فالشعب مسؤول عن الإيرادات وليس من حقه المُطالبةُ بالمصروفات؛ وإلا خان المبادئ المقدسة.
ثامنا: الزوج وليُّ أمرٍ تجب طاعته شرعاً وعرْفا؛ لكن مع تقدُّم الأزمنة واتساع الأمكنة وضِيق الأفئدة تكاد موازين الطاعة تنقلب؛ فالزوج مطيع بنصف اختيارِه, والزوجة تأكل مال الزوج, والخوف من الجَلْد أو ما في حكمه, وعند الزعماء يتردد كثييييرا الحديث: أَطع أميرَك ولو أكَل مالَك ولو جلَدَ ظهرَك.
تاسعا: من حق المرأة نقض البيعة والعصيان المدني والاستعانة بقوَى خارجية, ولو انتقَض الزوج لانهدم حكمُه, أما لو فعَل الخصلتين الأخريين؛ لانهدمت رجولته. والزعيم السياسي بَيعته مضمونة مأخوذة "بالروح, بالدم", إن محاولة التفكير في أي من هذه الخصال الموبقات الثلاث كفيل بجزاء الخيانة الكبرى.
عاشرا: الزوج مطالَب بالبقاء على عرش الزعامة الهلامي إلى الأبد؛ لأنها المستفيدة, وهو الخاسر بمرور الوقت, أما الزعيم السياسي؛ فهو متمسك بكرسيه, وكل ثانية تمر تأخذ من رصيده؛ وإن كان قليل الظلم لشعبه الذي عما قريب سيطالب بتنحيه.
أخيرا: صراعات الزوجة مع الأخريات -وإنْ كنَّ أخواتِ الزوجِ أو زوجات أخوة الزوج- قد تجبِر الزوج على أخْذ موقف عدائي من كلِّ الدنيا حتى مع أقربائِه مع جهْله في أحيان كثيرة بالأسباب. أما الزعيم السياسي؛ فلو غضِب من أي زعيم آخر أَغلقَ الحدود وفَرّقَ بين الأقربين في الدولتين, وعلى الشعب أنْ يبادر بشتم الدولة الأخرى, وليس عليه أنْ يسأل عن الأسباب.
لكن؛ بما أن الزوج هنا في حكم السياسي؛ مع أنه المَسُوس, وبما أن حقَّ الدفاع عن النفس مكفول حتى للكائناتِ الحيةِ الأخرى, وبما أن لنا مظلوميةً نحن الرجال؛ لا بد لنا أنْ نوجِد لها حدا تقف عنده, وبما أن مَن له حيلة فليحتلْ؛ فإن القَشة الواجب علينا التعلق بها هي التطبيق الحرفي للقاعدة القائلة: "وداوني بالتي كانت هي الداءُ".
نَعم, إنه حلٌّ قدييييم وموغل في القِدم جدا جدا؛ ولكن الجديد فيه أن هناك تقنيات تجعله حلّاً لذيذا, وتقلل الخسائر بشكل ملحوظ, وهو مجرَّب سهل التطبيق سريع المفعول مضمون النتائج لا يحتاج إلى مُعِين إلا أنْ تدعو الله بالتوفيق ورَدِّ كيد الكائدات إلى نحورِهن الجميلة. إنه حلٌّ يستفيد الاستفادة الكاملة من أركان الدبلماسية المذكورة في مقدَّمة المقال؛ فكيف؟!:
يا أخي الزوج المغلوب على أمرِك -ولو حكيتَ انتفاخاً صولة الأسد-: اعلم أن الزواج قدَرُنا, كلنا يسعى إليه, ويبذل نفْسه ونفيسه من أجْلِه؛ فلا بد أنْ نتحملَ التِبعات ونُعِدَّ لكل متغيَر عدته؛ لذلك فقد تذوقت برودة حلاوته غير الخالية من حرارة ومرارة, إننا إذاً لا نجد مناصاً من القول القرآني : [اِمْشوا واصبروا]؛ مع الفارق في المناسَبةِ والقائلين والمخاطَبين, يقول مرتادو السجون السياسية لزملائهم المستجِدّين في دخول زنزانات التعذيب: المشكلة في الكف الأول. وأنت أخي تلقيتَ الكف الناعم الأول؛ فلا عليك إنْ أحسستَ ثانيةً لها وتجمعْتَ.
أُدرِكُ تماما ما يترتب عليه الزواج بأخرى من أعباء مالية؛ ولكنْ؛ في ظل التسهيلات البنكية المُغْرية وعروضات شركات تقسيط البضائع يمكن حلُّ هذه المشكلة, وعلى أسوأ الاحتمالات؛ إذا لم تتمكنْ من السداد, وتعرضتَ للمحاكمة؛ فلا عليك؛ لست أول من يُحاكَم, هَهُم الرؤساء يحاكَمون, وقدِ اتَفَقْنا أنك زعيم, وإنْ كان السجن؛ فليكن شعارك قول الله -تعالى- على لسان يوسف -عليه السلام-:[ ربِّ السجنُ أَحَبُّ إلَيَّ]. وكلُّها كم سنة وتخْرُج متوَّجا على مملكتين وتستأنف مسيرة الزعامة المكلَّلة بالإنجازات, فإنْ طلبتْ الطلاقَ إحداهما أو كلتاهما؛ فما حاجتك إلى قليلات الوفاء, وفي بنات حواء غُنية وأي غُنية؟!.
اعلم أخي الفاضل أن الدبلماسيَّ العتيقَ المعتَّقَ لا يُشهَد له في المحافل السياسية بذلك إلا إذا طالت مدته وتَماهَى مع مَن أُوفِدَ إليهن, وهُنا ربما كان سفيرا معتمَدا في دولتين مكافأة له على نجاحاتِه المتكررة؛ فأنت مطالَب باسمنا نحن الرجالَ أنْ تمثلَنا كما ينبغي, وأنْ تكافئَ نفسك, مع أني ما علمتُ وظيفةً راقيةً كهذه الوظيفة: يَدخل إليها أحدنا مضطرا محتاجا ويدفع مرتَّبا لمن هو سفير إليهن ولا يأخذ شيئا مقابل سفارته, وقد لا يحصل على شهادة شُكر واحدة, أما خطابات التوبيخ ومحاضرُ التحقيق؛ فعُدَّ واغلط.
المهمُّ أنك الآن فكرتَ وقررتَ واستجمعتَ إمكاناتِك البدنيةَ والإداريةَ والمالية, وأقدمتَ, واخترت, ويُفترَض أنك نجحتَ؛ فكيف تتصرف لحرق المراحل ومواجهة الزوابع والأخذ بزمام المبادرة وإعادة الهدوء -وإنْ كان حذِرا- إلى مملكتيك, وأنت أعزَلُ فرْدٌ أمام اثنتين؟!!!
المشكلة في الأولى التي سُحبَ نصف البساط من تحتِ قدميها, ولم يعدْ بإمكانها إذاقتك أصناف الهوان كما كانت تفعل من قَبْل. تتباين رَدّات أفعالهن؛ ولكنها تمتلك قواسمَ مشتركةً يمكن معالجتها بالخطوات الهادئة التالية:
أولا: احرص ألا تعلم بزواجك إلا بعد الدخول على الزوجة الثانية؛ كيلا تشغَلَك عن الاستعداد للبيت الجديد السعيد افتراضا, وكيلا تنغص عليك فرحة اللقاء الموعود.
ثانيا: وأنت تستعدُّ؛ كنْ طَبَعِيّاً جدا جدا؛ فلا تفتعل الزعل والمشاكل من أتفه الأسباب, عاملها تماما كأن شيئا لا يكون, ولكنْ؛ إذا أغضبتْكَ فلُمها بهدوء وذكِّرها بأجمل لحظات الحُبِّ التي كانت بينكما؛ لتهدأ نفسها ولتزداد قهرا على ما ستفقده من علائم الغرام بسبب ما قدَّمتْ يداها.
ثالثا: لن تَعْدمَ حيلةً تستطيع من خلالِها النفاذَ من سِجنها الصفيق الأبدي؛ لتنطلقَ إلى قفص اخترتَه أنت وإنْ بدا سجناً آخرَ إلا أنه ضرْبٌ من ضروب التغيير؛ إذ إنَّ أقصى أمنياتِ المسجون مؤبداً أنْ يغَيِّرَ الزنزانة. السبل كثيرة: ترقية في العمل تفترض دورةً مدتها أسبوع مثلا؛ لكن هذه الترقيةَ بدون زيادة ملحوظة في المرتَّب كيلا تطالبك بزيادة في التعْرِفة, فترة استجمام عند أهلها, الذهاب مع الزملاء لقضاء عبادة, التطوع في مجال ما. أيُّ سبب تحصل بموجبه على إفراج مؤقت, وبعد ذلك انسَ كلَّ شيء وتفرَّغْ لإجراء عواصف عواطفِك.
رابعا: كنْ عاديا جدا عند عَودتِك حتى يأتيَ موعد الثانية, وهُنا كنْ أنت من يُعْلمها, واحرص شديدَ الحرص وعظيمَه ألّا تَعلم من غيرِك؛ لأنك إذا أعْلمْتَها أنتَ؛ فقد أوصلتَ إليها رسالةً خفيةً أنك قد انتصرتَ عليها, وأن بوسعك أنْ تفعل ما تشاء وهي لا تعلم, وأنك لستَ خائفا منها. أما إذا علمتْ من غيرِك؛ فسترَى نفسَها مكتشفا بارعا أتى بما لم تستطعه الأوائل, وأنك بالنسبة لها لا زلتَ جبانا.
خامسا: ستبدأ الزوجة عند تلقّي الخبر بالإنكار؛ وكلما أنكرتْ أكدْ لها الخبر, ستنفجر بالبكاء, لن تعلق, عندها لذ بالصمت الرهيب, قد تدفعك وترفع صوتَها بكلمات غير مفهومة أو غير مرتبة وستتكرر الكلمات, وقد تتقطّع الحروف, تذكّرْ أنك الآن أمام شخص مصاب؛ فلا بد من الحذر في التعامل معه, التزم جانب ضبط النفس الكامل ولو سمعتَ ما لا يعجبك, ولو تلقيتَ أذى جسَدياً, ولو طلبتْ منك الطلاق؛ فكُلّها لحظات انفعال شديد جدا, وسيهدأ أوارُها شيئا فشيئا, وإياكَ والتفكيرَ في الطلاق؛ لأنك زعيم, ومن شأن الزعيم العظيم ألا يتنازل فيسلَّمَ بسرعة, وتذكّرْ دائما أنك أمام مسؤولية كبرى؛ إذا أحسنتَ القيام بها سُعِدتَ في قادم أيامِك؛ وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور.
سادسا: انسحب بهدوء شديد, ولا تحاول رسْم أيِّ تعبير على وجهك؛ فالابتسامة دليل تشفٍّ, والحزن دليل ندَم, والغضب يزيد من إشعال التوتر, وأنت تذهب؛ أَوصِ أولادَك بالاهتمام بأمهم, وارفع صوتك لتُسمعَها, تجاهل أي تعليق من الأولاد أو منها, وذكِّرْ أولادَك بما يجب عليهم من احترامك كأَب, ثم اذهب صامتا, وإغلِق الباب بدون صوت.
سابعا: أنصحك أيها المناضل الجريء ألّا تفْتح جوالك وأنت عند الثانية توقيا من الإزعاج المتوقَع بنسبة كبيرة جدا, ومن المهم ألّا تعلم الأولى بمكان سكنك الجديد مبدئيا على الأقل لشهر, ومن المهم أيضا أن يكون سكنك الجديد هذا قريبا من أم زوجتك الثانية كي تمُنَّ عليها بالذهاب إلى أهلها في أثناء غيابك عند الأولى؛ لأن من الضروري أنْ تُوهم الثانيةَ أن كل موافقاتِك مِنّةٌ منك عليها ودليل حُب لها.
ثامنا: ستُحاصَر من قبل الأولى بِسيل من الأسئلة مثل: ماذا فعلت عندها؟, كيف وجدتَها؟, عن أي شيء تحدثتما؟, أين ضحكاتك ومزاحك وكلامك وحُبك؟, لماذا تغيَر شكلك؟, لماذا تأخرت نصف دقيقة؟, ما الذي جاء بك مبكرا؟, ألأنك اختلفتَ معها؟, لماذا تريد الذهاب إليها الآن؟, ألهذا الحدّ أنت مشتاق إليها؟, لماذا تأكل كثيرا عندي؟, هل جوعتْك؟, لماذا تأكل قليلا؟, هل أصبح أكْلي لا يعجبك؟, ما الذي تصنع لك هناك؟, هل سحرتْك؟. هنا تتجلى أركان الدبلماسية الحقيقية: لا بد أن تعرف أنها بمجرد نطقْقها هذه الأسئلة فهي تريد أن تبعث لك بمجموعة رسائل يجب عليك تلقّيها بذكاء الدبلماسي الألمعي هي: لقد بدأت رويدا رويدا تتأقلم مع الوضع الجديد بعد خروجها من مرحلة الإنكار, هي بدأت تقارن؛ ومَن يدري ربما أرادت إعادت حساباتها, هي تريد استفزازك لتهتم بها, تريد أخيرا أن تتحاور معك. التقطْ زمام المبادرة وانطلق: لتكن إجاباتك دبلماسية, هكذا: يا شيخة اتركينا منها, أنت الأولى والغالية وأم العيال. ستبدأ باللوم لتخليكَ عنها, حاولْ أن تلقيَ باللائمة على زملائِك الذين تحدّوك وأثروا فيك حتى تزوجتَ. ستبادرك بأنه لا شخصية لك, بشكل طَبَعّيٍ؛ مرر هذه العبارة التي ستتكرر كثيرا, المهم أن تكون مسرورا في الأسبوع ثلاثةَ أيام على الأقل, وهل تظنّ أن السياسيين يطرَبون من اتهامات الآخرين بتبعية دولهم للقوَى العظمَى أو بظلْم شعبهم؟ مثلا.
تاسعا: بعد فترة قد تصل إلى شهر قد تعود الأولى إلى اصطناع انفعالات تشبه كثيرا ما كان منها لحظة إخبارها بزواجك الثاني؛ ربما لأنها رأت منك قوة صبر وتحمّل وإمرار لكافة تصرفاتها ومحاولة مُراضاتِك إياها, هنا لا بد أن تكون خبيرا نفسيا وتنتقل إلى مرحلة في تعديل السلوك يسميها الخبراء "الإطفاء". وهي باختصار ألا تُلقي بالا لكل ما تفعله على الإطلاق من مقاطعة ونوبة بكاء طويلة, وفي الوقت نفسه حاول الالتزام الكامل بضبط النفس ولا ترد حتى بأقلَّ من المِثل؛ لأن ذلك سيُوصلها إلى ما تريد من التنكيد عليك, وقد تذهب عند الثانية وأنت منفعل فتنتقل من جحيم مستمر إلى جحيم مستجِد؛ أي كالمستجير من الرمْضاء بالنار. وهُنا؛ لا بد من التنبيه على أنه إذا تجاوزت الأولى الحد في انفعالاتها فحاولْ أنْ تنْصحَها بهدوء, والمقصود بالحد المخالفات غير المقبولة: كشتم الثانية أو قذْفِها -لا سمح الله-؛ يمكنك أن تحاجَّها بقولك: أنا لا أسمح على الإطلاق لأي أحد أنْ يَذكرَكِ بكلمة تزْعجكِ أبدا. هنا سترضى عن دفاعِك عنها؛ وإنْ لم تُبد لك ذلك, وتذكّر أن المرأة كما أنه يغضبها منك أي شيء فإنه يرضيها أي تصرف جميل منك ولو كان يسيرا؛ تماما كالشعب المقهور الذي يكتفي بابتسامة من زعيمِه العَبوس القمطرير. وهي هنا تظن أنها الشعب المقهور؛ مع أن العكس وحده هو الصحيح.
عاشرا: لترتاح تماما في يومِك مع الأولى وتخرُجَ بحدٍّ أدنى من النكَد وتذهبَ إلى الثانية وأنت منشرح الصدر مشتاق جدا إلى الأخرى؛ حاول أنْ تتبعَ الخطوات التالية: قبل أن تصل إلى بيت الأولى اتصل بالهاتف وأخبرهم بوصولك؛ حتى ولو أجابتك بجفاف مرة أو مرتين أو عدةَ مرات؛ فعما قريب ستنتظر هي اتصالَك العزيز عليها؛ مع أني لا أدري أهو عزيز بسبب الحُب أَم أنه بحكم الاعتياد؟!, المهم إذا استطعت أن يفتح لك أولادك الباب فافعل؛ حتى ولو كان المفتاح معك لأن ذلك سيُفْرح الأولاد وهذا سيؤثر إيجابا على أُمِّهم. أَكثِرْ من اللعب مع الأولاد خاصة أمام أُمِّهم, اقترحْ على الأولى أنْ تتحدثا سويا في أي موضوع آخَر خاصة وأنتما تتناولان مشروبا ما, إياك أنْ تأكلَ وحدك. فليَمضِ كلُ شيء كما كان قَبل الزواج الثاني؛ فملابسكَ السابقة عند الأولى لا تسحبْها إلى الثانية؛ ما استطعتَ إلى ذلك سبيلا, ولا تغيّرْ من عادات طعامك, أو من توقيتات خروجك الأسبوعية معهم. سيكثر استئذانها في الذهاب إلى أهلها وأنت غائب وقد تستأذن في زيارة جيرانها وأنت عندها لمجرد إغاظتك؛ فاأذن لها ما لم يتأثر الأولاد, ولكن بين الفترة والأخرى قل لها إنك جئت وأنت مشتاق إليها؛ وهي تتركك بهذه البَساطة؛ فإن ذلك سيُرضي غرورَها المتمادي وستُسَرُّ به؛ وإنْ لم تُبد لك ذلك؛ لكنها قد تُكابر وتصر على الذهاب؛ إلا أنها ستعود عن تركِك ظنا منها أنك بحاجة عاطفية إليها. وتذكّرْ في عُرف السياسة أنك تتعامل مع الأولى على قاعدة تدوير الزوايا وأنك تماما كذلك الزعيم المضطر أنْ يتحالف مع المعارَضة لتشكيل حكومة ائتلافية؛ ولو حكومة تسيير أعمال, المهم ألّا يتهدد حكمه.
أخيرا: تَذكّرْ دااااائما أن الثانية تنتمي إلى جنس الأولى, وقد تصاب منها بما أُصبتَ به من الأولى وربما أكثر, عندئذ لا مناص من إعادة ما سبق؛ فتكون الثانية كالأولى وتتجه أنت بدَورِك إلى الثالثة أو حتى الرابعة؛ لتقومَ أركان السعادة الزوجية الحقيقية على أركانِها الأربعة القويةِ الركينةِ المتينةِ الدائمة. كنْ على حذَر؛ ولا تثق بأي منهن؛ فهن قنابل موقوتة؛ تماما كالأقليات التي تحركها عوامل خارجية لحسابات خاصة أو كالخلايا المتناوِمةِ اليَقِظةِ التي تضرِب؛ لكنها لا تهْرُب لتحقيق مكاسب غالبا ما تكون آنية ليس لها أمد بعيد. المهم هنا ألّا تكون زعيما سياسيا غَبيا فتعمل على التناقضات؛ فيتفقْن عليك؛ فما يدريك: قد يتحالفن مع بعضِهن لتلقينك دُروسا في الوفاء مثلا أو في العطاء أو في الهدوء, وكل هذه المصطلحات الجميلة في عرْفِهن. من أجْل ذلك؛ حاولْ ألا تجمعَهن إلا في أضيق الحدود؛ في مناسباتٍ رسميةٍ عامةٍ مهمةٍ جدا ولفترة قصيرة بحيث تحافظ كل واحدة منهن أمام الناس على بريستيجها, ولا تذكرْ أي زوجة بخير أو بشرٍّ أمام الأخرى ولا تقارِن, ادخل وأنت مبتسم واخرج وأنت كذلك؛ على الأقل تقيةً وكي لا تُشمت بك أحدا. أما الأولاد فهم أولادك, ولا يعنيك من أي أم كانوا, اقتربْ منهم أكثر وتعوَّدْ على ذلك ليكون لعبك معهم ومضاحكتهم واصطحابهم معك جزأا من حياتِك, اجعلهم يفتقدونك في غيابِك؛ لأنهم هم الاستثمار الأكبر لك, وهم الأبقى لك -بعد الله تعالى-, وهم ورقة الضغط العظمَى والوحيدة التي تؤثّر بها في أي زوجةٍ لك -كما ذكرْنا-. أبْقِ أهل كل زوجة بمنأى عن كلِّ هذا التوتُّر, وداومْ على زياراتِهم-ما أمكنك ذلك-, ولِتَسْلمْ من التحليلات؛ لا تسمح لأحد أيّا كان بالتدخل في حياتك بالنصيحة أو السؤال؛ لأن كُلّا منهم يرى الحقيقة من نافذةِ قريبتِه, ردَّ عليهم بالدبلماسيةِ المتفَق عليها سابقا, كأنْ تقول: يا جماعة نحن أتينا لزيارتكم والاطمئنان عليكم فقط, ثم اقلبْ الموضوع إلى أمرٍ ملحٍّ آخَرَ: كأسعار الأسهم مثلا, أو الثورات العربية, أو الجديد في مَقالب ساهر وما أشْبهَ ذلك. أما الجيران؛ فتَعامَلْ معهم بحذَر شديد شديد جدا, فقط: "السلام عليكم, وعليكم السلام", مع التأكيد على مراعاة حقوق الجوار وحضور المناسبات الرسمية ودعوتهم إليها إذا كان لديك مناسَبةٌ ما. إنك بذلك خففتَ كثيرا من التأثيرات الخارجية وهدّأتَ الجبهة الداخلية, وهكذا ستجف مع مرور الوقت منابع الإرها الأسْرِيّ؛ ليسود الأمن؛ ولو لك أنت؛ لأننا مع النساء أحيانا نتّبع قاعدة: أنا ومِن بعدي الطوفان.
والآن, أمامَ منحنَى الوداع؛ أقول لك -أخي في ساحات النضال والفداء-: إن ما قلتُه ليس كلَّ شيء؛ بل هناك أشيااااااااااء كثيييييرة جدا جدا تركتُها لثقتي غيْرِ المحدودة أنك قادرٌ على التعامل معها, وهي في الوقت نفسِه ليست مِفصَلية؛ لذلك اسمح لي أنْ أشُدَّ على يدِكَ وأقول بصوت خافت: أبشرْ بطول سلامة. إنني على يقين أن هذا المقال سيُفقدني كثيراً من معاني السعادة في حياتي -إذا اكتشفَته زوجتي- وسأفقد أي امرأة قد تُعجَب بأي من كتاباتي؛ ولكنْ لا يَهم؛ إنني أفضّل أنْ أكون شهيدَ القضية ولْيحيَ إخوتي, على أنْ أُعَدَّ رقماً بين الموتَى الذين لا حيلةَ لهم إلى أنْ يَجودوا بأرواحهم من دونِ تأثير في العالم من حوْلِهم. إنني أُوصِي كل مُذكَّرٍ يقرأ هذا الجُهدَ المتواضعَ أنْ يدعوَ بالرحمة والمغفرةِ لصاحبه, ولا أحتاج إلى أنْ يُجْعَلَ لي نُصُبٌ تَذكاري؛ لأن المهم هو الحياة السعيدة لا التماثيل الصامتة التي تأتي عليها ثورةٌ ما فتُسْقِطها. نصَرَنا الله على مَن أرادت بنا سوءا, وجعلَنا ممن يَضحكُ أخيرا.
ما ينبغي بدايةً أنْ نتعلمه في عُرف السياسة عدةَ قواعد رئيسةٍ هي: لا وجود لصداقاتٍ أو عداواتٍ دائمة بل لمصالحَ دائمة, السياسة فن الممكن, بطيء ولكنْ أكيد المفعول, انظر من أين تأتي العواصف فطئطِئْ رأسَكَ أمامَها متذكِّرا أنْ يبقى رأسُكَ مرفوعا أمام الآخرين؛ كيلا تفقد مكانتَك, كنْ أنت الرابحَ ولو بعدم الخسارة, تعلّمْ قانون: بيدِي لا بيدِ عمرو؛ فلْتدوِّر زواياك بنفسكَ ولْتتعود على حَك جلدِك بظفرك؛ مع أن المفروض ألا تسمحَ لجلدك أن يحُكَّك, وأنْ تقْلع شوكَك بيدك؛ ولو جُرحتَ؛ فإحساسك بالألم يحُضُّكَ أنْ تراقب حقلَك حذَراً من أنْ تنموَ فيه حشائشُ طفيليةٌ تتحول إلى أشواك. تَذكّرْ دائما أنك لستَ أمام شَعْبٍ عادي؛ أنت أمام شَعْبٍ لا يخافك وهو ظالمٌ لك؛ لذلك إياكَ واللعبَ على المتناقضات, وإياكَ والمواجهةَ المباشرة, ولا تعتمد قاعدة: فَرِّقْ تَسُدْ. واعلم -أخي الحبيبَ- أن النظريات لا تُتصوَّر إلا عند التطبيق -تماما كغيرها من الفنون-؛ لذلك هيا بنا إلى الجانبِ العمَلِي:
أول ما يجب عليك العملُ به بعد فهْمِه جيدا في عالم السياسة هو مبدأ الدبلماسية؛ فهي المستمرةُ معك طول حياتِك الزوجية تماما كدواء السكري والضغط؛ ألستَ تعيش مع السكر الحلو؟, ألستَ تعاني من ضغطٍ بسبب هذا السكر؟, من هُنا تكمُن أهميةُ هذا المبدأ, وسيظهر مصداقُ هذا الكلام في الأسطُر القادمة. اعلم ابتداءً أن للدبلماسية ثلاثةَ أركان هي: الاختصار, قول الصدق, عدم إضافة شيء جديد.
فترى السياسيين الشرفاء -وقليل ما هم- إذا تزاحم عليهم الصحفيون يعطون كلمات سريعة ليست كَذِبا ولا تتيح سبْقا لأحد. فهم لا يودون الإطالة؛ كيلا يضطروا إلى مخالفة اقتناعاتهم أو يقولوا شيئا تحاسبهم عليه قياداتهم.
إن وضْع الزوج أصعب بكثير من هؤلاء السياسيين من عدة نواح:
أولا: هو الزعيم المحاسِب والمحاسَب؛ فعليه أن يضع الخطوط الحمراء ويتحرك بعييييييدا عنها بما لا يجعله يفكر في عدم الاقتراب من توترِها العالي فتزلَّ قدمُه.
ثانيا: هو يحكم زوجة هي الشعب؛ إذا غضبتْ غضب الشعب كله, والعكس صحيح؛ ويبدو الزعيم السياسي في فسحة من أمره يرضِي شريحة تناصره, ويثير بين شرائح الشعب النعرات القبلية والمذهبية والمناطقية والعنصرية, ويتغنى بشعارات زائفة, والكُل يرجو رضاه.
ثالثا: الزوج المسكين لا يملك إفناء شعبه أو حتى إجاعتهم؛ فهو مؤاخذ دائما حتى وإنْ أحسن؛ بعكس الزعيم السياسي؛ إذ إنه لو أفنى جُلَّ شعبِه؛ فسيجد مِن أعضاء مجلس الأمن مَن يرمي له طوق الفيتو لإنقاذه.
رابعا: الزوج يجد من يجهر بكلمة الحق والباطل أمامه بلا قيود أو حدود أو سدود, وقد لا يستطيع الدفاع عن نفسه, فلو أبدى عدم الرضا اتهِم في رجولته, فضلا عن سكوته المنطوي على ضيم؛ بعكس الزعيم السياسي؛ فهو لا يسمع إلا ما يُطربه حقا أو باطلا.
خامسا: مع أن الزوج مبدئيا يحكم, فهو يحكم على الورَق عندها, وهو الحاكم بأمره كما تزْعم هي لكل الدنيا, وهو زيادةً على ذلك ليس ملِكا في مملكة دستورية ولا حتى رئيسا فَخريا؛ بل هو رئيس مسؤول مسؤولية كاملة في دُويلة تُقاسمه زوجته على طريقة الفدرالية أو الكُنفدرالية في حالة الزعل.
سادسا: الزوج قد تُقتحَم حدوده الإقليمية وهو مجبَر على الابتسامة في حالة هجوم الحَماة وأخوات المدام, والزعيم السياسي قد يدعي تهديدات دول خارجية ليبقى شعبه متوترا وهو يتلاعب في مقدَّرات البلاد كما يشاء.
سابعا: الزوج مسؤول عن الإيرادات في ميزانية دولته, وليس مسؤولا عن المصروفات, بل تستطيع الزوجة إحداث أي عجْز أو تضخمٍ وعلى هذا المسكين إيجاد الحلول المناسبةِ للزوجة, أما الزعيم؛ فالشعب مسؤول عن الإيرادات وليس من حقه المُطالبةُ بالمصروفات؛ وإلا خان المبادئ المقدسة.
ثامنا: الزوج وليُّ أمرٍ تجب طاعته شرعاً وعرْفا؛ لكن مع تقدُّم الأزمنة واتساع الأمكنة وضِيق الأفئدة تكاد موازين الطاعة تنقلب؛ فالزوج مطيع بنصف اختيارِه, والزوجة تأكل مال الزوج, والخوف من الجَلْد أو ما في حكمه, وعند الزعماء يتردد كثييييرا الحديث: أَطع أميرَك ولو أكَل مالَك ولو جلَدَ ظهرَك.
تاسعا: من حق المرأة نقض البيعة والعصيان المدني والاستعانة بقوَى خارجية, ولو انتقَض الزوج لانهدم حكمُه, أما لو فعَل الخصلتين الأخريين؛ لانهدمت رجولته. والزعيم السياسي بَيعته مضمونة مأخوذة "بالروح, بالدم", إن محاولة التفكير في أي من هذه الخصال الموبقات الثلاث كفيل بجزاء الخيانة الكبرى.
عاشرا: الزوج مطالَب بالبقاء على عرش الزعامة الهلامي إلى الأبد؛ لأنها المستفيدة, وهو الخاسر بمرور الوقت, أما الزعيم السياسي؛ فهو متمسك بكرسيه, وكل ثانية تمر تأخذ من رصيده؛ وإن كان قليل الظلم لشعبه الذي عما قريب سيطالب بتنحيه.
أخيرا: صراعات الزوجة مع الأخريات -وإنْ كنَّ أخواتِ الزوجِ أو زوجات أخوة الزوج- قد تجبِر الزوج على أخْذ موقف عدائي من كلِّ الدنيا حتى مع أقربائِه مع جهْله في أحيان كثيرة بالأسباب. أما الزعيم السياسي؛ فلو غضِب من أي زعيم آخر أَغلقَ الحدود وفَرّقَ بين الأقربين في الدولتين, وعلى الشعب أنْ يبادر بشتم الدولة الأخرى, وليس عليه أنْ يسأل عن الأسباب.
لكن؛ بما أن الزوج هنا في حكم السياسي؛ مع أنه المَسُوس, وبما أن حقَّ الدفاع عن النفس مكفول حتى للكائناتِ الحيةِ الأخرى, وبما أن لنا مظلوميةً نحن الرجال؛ لا بد لنا أنْ نوجِد لها حدا تقف عنده, وبما أن مَن له حيلة فليحتلْ؛ فإن القَشة الواجب علينا التعلق بها هي التطبيق الحرفي للقاعدة القائلة: "وداوني بالتي كانت هي الداءُ".
نَعم, إنه حلٌّ قدييييم وموغل في القِدم جدا جدا؛ ولكن الجديد فيه أن هناك تقنيات تجعله حلّاً لذيذا, وتقلل الخسائر بشكل ملحوظ, وهو مجرَّب سهل التطبيق سريع المفعول مضمون النتائج لا يحتاج إلى مُعِين إلا أنْ تدعو الله بالتوفيق ورَدِّ كيد الكائدات إلى نحورِهن الجميلة. إنه حلٌّ يستفيد الاستفادة الكاملة من أركان الدبلماسية المذكورة في مقدَّمة المقال؛ فكيف؟!:
يا أخي الزوج المغلوب على أمرِك -ولو حكيتَ انتفاخاً صولة الأسد-: اعلم أن الزواج قدَرُنا, كلنا يسعى إليه, ويبذل نفْسه ونفيسه من أجْلِه؛ فلا بد أنْ نتحملَ التِبعات ونُعِدَّ لكل متغيَر عدته؛ لذلك فقد تذوقت برودة حلاوته غير الخالية من حرارة ومرارة, إننا إذاً لا نجد مناصاً من القول القرآني : [اِمْشوا واصبروا]؛ مع الفارق في المناسَبةِ والقائلين والمخاطَبين, يقول مرتادو السجون السياسية لزملائهم المستجِدّين في دخول زنزانات التعذيب: المشكلة في الكف الأول. وأنت أخي تلقيتَ الكف الناعم الأول؛ فلا عليك إنْ أحسستَ ثانيةً لها وتجمعْتَ.
أُدرِكُ تماما ما يترتب عليه الزواج بأخرى من أعباء مالية؛ ولكنْ؛ في ظل التسهيلات البنكية المُغْرية وعروضات شركات تقسيط البضائع يمكن حلُّ هذه المشكلة, وعلى أسوأ الاحتمالات؛ إذا لم تتمكنْ من السداد, وتعرضتَ للمحاكمة؛ فلا عليك؛ لست أول من يُحاكَم, هَهُم الرؤساء يحاكَمون, وقدِ اتَفَقْنا أنك زعيم, وإنْ كان السجن؛ فليكن شعارك قول الله -تعالى- على لسان يوسف -عليه السلام-:[ ربِّ السجنُ أَحَبُّ إلَيَّ]. وكلُّها كم سنة وتخْرُج متوَّجا على مملكتين وتستأنف مسيرة الزعامة المكلَّلة بالإنجازات, فإنْ طلبتْ الطلاقَ إحداهما أو كلتاهما؛ فما حاجتك إلى قليلات الوفاء, وفي بنات حواء غُنية وأي غُنية؟!.
اعلم أخي الفاضل أن الدبلماسيَّ العتيقَ المعتَّقَ لا يُشهَد له في المحافل السياسية بذلك إلا إذا طالت مدته وتَماهَى مع مَن أُوفِدَ إليهن, وهُنا ربما كان سفيرا معتمَدا في دولتين مكافأة له على نجاحاتِه المتكررة؛ فأنت مطالَب باسمنا نحن الرجالَ أنْ تمثلَنا كما ينبغي, وأنْ تكافئَ نفسك, مع أني ما علمتُ وظيفةً راقيةً كهذه الوظيفة: يَدخل إليها أحدنا مضطرا محتاجا ويدفع مرتَّبا لمن هو سفير إليهن ولا يأخذ شيئا مقابل سفارته, وقد لا يحصل على شهادة شُكر واحدة, أما خطابات التوبيخ ومحاضرُ التحقيق؛ فعُدَّ واغلط.
المهمُّ أنك الآن فكرتَ وقررتَ واستجمعتَ إمكاناتِك البدنيةَ والإداريةَ والمالية, وأقدمتَ, واخترت, ويُفترَض أنك نجحتَ؛ فكيف تتصرف لحرق المراحل ومواجهة الزوابع والأخذ بزمام المبادرة وإعادة الهدوء -وإنْ كان حذِرا- إلى مملكتيك, وأنت أعزَلُ فرْدٌ أمام اثنتين؟!!!
المشكلة في الأولى التي سُحبَ نصف البساط من تحتِ قدميها, ولم يعدْ بإمكانها إذاقتك أصناف الهوان كما كانت تفعل من قَبْل. تتباين رَدّات أفعالهن؛ ولكنها تمتلك قواسمَ مشتركةً يمكن معالجتها بالخطوات الهادئة التالية:
أولا: احرص ألا تعلم بزواجك إلا بعد الدخول على الزوجة الثانية؛ كيلا تشغَلَك عن الاستعداد للبيت الجديد السعيد افتراضا, وكيلا تنغص عليك فرحة اللقاء الموعود.
ثانيا: وأنت تستعدُّ؛ كنْ طَبَعِيّاً جدا جدا؛ فلا تفتعل الزعل والمشاكل من أتفه الأسباب, عاملها تماما كأن شيئا لا يكون, ولكنْ؛ إذا أغضبتْكَ فلُمها بهدوء وذكِّرها بأجمل لحظات الحُبِّ التي كانت بينكما؛ لتهدأ نفسها ولتزداد قهرا على ما ستفقده من علائم الغرام بسبب ما قدَّمتْ يداها.
ثالثا: لن تَعْدمَ حيلةً تستطيع من خلالِها النفاذَ من سِجنها الصفيق الأبدي؛ لتنطلقَ إلى قفص اخترتَه أنت وإنْ بدا سجناً آخرَ إلا أنه ضرْبٌ من ضروب التغيير؛ إذ إنَّ أقصى أمنياتِ المسجون مؤبداً أنْ يغَيِّرَ الزنزانة. السبل كثيرة: ترقية في العمل تفترض دورةً مدتها أسبوع مثلا؛ لكن هذه الترقيةَ بدون زيادة ملحوظة في المرتَّب كيلا تطالبك بزيادة في التعْرِفة, فترة استجمام عند أهلها, الذهاب مع الزملاء لقضاء عبادة, التطوع في مجال ما. أيُّ سبب تحصل بموجبه على إفراج مؤقت, وبعد ذلك انسَ كلَّ شيء وتفرَّغْ لإجراء عواصف عواطفِك.
رابعا: كنْ عاديا جدا عند عَودتِك حتى يأتيَ موعد الثانية, وهُنا كنْ أنت من يُعْلمها, واحرص شديدَ الحرص وعظيمَه ألّا تَعلم من غيرِك؛ لأنك إذا أعْلمْتَها أنتَ؛ فقد أوصلتَ إليها رسالةً خفيةً أنك قد انتصرتَ عليها, وأن بوسعك أنْ تفعل ما تشاء وهي لا تعلم, وأنك لستَ خائفا منها. أما إذا علمتْ من غيرِك؛ فسترَى نفسَها مكتشفا بارعا أتى بما لم تستطعه الأوائل, وأنك بالنسبة لها لا زلتَ جبانا.
خامسا: ستبدأ الزوجة عند تلقّي الخبر بالإنكار؛ وكلما أنكرتْ أكدْ لها الخبر, ستنفجر بالبكاء, لن تعلق, عندها لذ بالصمت الرهيب, قد تدفعك وترفع صوتَها بكلمات غير مفهومة أو غير مرتبة وستتكرر الكلمات, وقد تتقطّع الحروف, تذكّرْ أنك الآن أمام شخص مصاب؛ فلا بد من الحذر في التعامل معه, التزم جانب ضبط النفس الكامل ولو سمعتَ ما لا يعجبك, ولو تلقيتَ أذى جسَدياً, ولو طلبتْ منك الطلاق؛ فكُلّها لحظات انفعال شديد جدا, وسيهدأ أوارُها شيئا فشيئا, وإياكَ والتفكيرَ في الطلاق؛ لأنك زعيم, ومن شأن الزعيم العظيم ألا يتنازل فيسلَّمَ بسرعة, وتذكّرْ دائما أنك أمام مسؤولية كبرى؛ إذا أحسنتَ القيام بها سُعِدتَ في قادم أيامِك؛ وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور.
سادسا: انسحب بهدوء شديد, ولا تحاول رسْم أيِّ تعبير على وجهك؛ فالابتسامة دليل تشفٍّ, والحزن دليل ندَم, والغضب يزيد من إشعال التوتر, وأنت تذهب؛ أَوصِ أولادَك بالاهتمام بأمهم, وارفع صوتك لتُسمعَها, تجاهل أي تعليق من الأولاد أو منها, وذكِّرْ أولادَك بما يجب عليهم من احترامك كأَب, ثم اذهب صامتا, وإغلِق الباب بدون صوت.
سابعا: أنصحك أيها المناضل الجريء ألّا تفْتح جوالك وأنت عند الثانية توقيا من الإزعاج المتوقَع بنسبة كبيرة جدا, ومن المهم ألّا تعلم الأولى بمكان سكنك الجديد مبدئيا على الأقل لشهر, ومن المهم أيضا أن يكون سكنك الجديد هذا قريبا من أم زوجتك الثانية كي تمُنَّ عليها بالذهاب إلى أهلها في أثناء غيابك عند الأولى؛ لأن من الضروري أنْ تُوهم الثانيةَ أن كل موافقاتِك مِنّةٌ منك عليها ودليل حُب لها.
ثامنا: ستُحاصَر من قبل الأولى بِسيل من الأسئلة مثل: ماذا فعلت عندها؟, كيف وجدتَها؟, عن أي شيء تحدثتما؟, أين ضحكاتك ومزاحك وكلامك وحُبك؟, لماذا تغيَر شكلك؟, لماذا تأخرت نصف دقيقة؟, ما الذي جاء بك مبكرا؟, ألأنك اختلفتَ معها؟, لماذا تريد الذهاب إليها الآن؟, ألهذا الحدّ أنت مشتاق إليها؟, لماذا تأكل كثيرا عندي؟, هل جوعتْك؟, لماذا تأكل قليلا؟, هل أصبح أكْلي لا يعجبك؟, ما الذي تصنع لك هناك؟, هل سحرتْك؟. هنا تتجلى أركان الدبلماسية الحقيقية: لا بد أن تعرف أنها بمجرد نطقْقها هذه الأسئلة فهي تريد أن تبعث لك بمجموعة رسائل يجب عليك تلقّيها بذكاء الدبلماسي الألمعي هي: لقد بدأت رويدا رويدا تتأقلم مع الوضع الجديد بعد خروجها من مرحلة الإنكار, هي بدأت تقارن؛ ومَن يدري ربما أرادت إعادت حساباتها, هي تريد استفزازك لتهتم بها, تريد أخيرا أن تتحاور معك. التقطْ زمام المبادرة وانطلق: لتكن إجاباتك دبلماسية, هكذا: يا شيخة اتركينا منها, أنت الأولى والغالية وأم العيال. ستبدأ باللوم لتخليكَ عنها, حاولْ أن تلقيَ باللائمة على زملائِك الذين تحدّوك وأثروا فيك حتى تزوجتَ. ستبادرك بأنه لا شخصية لك, بشكل طَبَعّيٍ؛ مرر هذه العبارة التي ستتكرر كثيرا, المهم أن تكون مسرورا في الأسبوع ثلاثةَ أيام على الأقل, وهل تظنّ أن السياسيين يطرَبون من اتهامات الآخرين بتبعية دولهم للقوَى العظمَى أو بظلْم شعبهم؟ مثلا.
تاسعا: بعد فترة قد تصل إلى شهر قد تعود الأولى إلى اصطناع انفعالات تشبه كثيرا ما كان منها لحظة إخبارها بزواجك الثاني؛ ربما لأنها رأت منك قوة صبر وتحمّل وإمرار لكافة تصرفاتها ومحاولة مُراضاتِك إياها, هنا لا بد أن تكون خبيرا نفسيا وتنتقل إلى مرحلة في تعديل السلوك يسميها الخبراء "الإطفاء". وهي باختصار ألا تُلقي بالا لكل ما تفعله على الإطلاق من مقاطعة ونوبة بكاء طويلة, وفي الوقت نفسه حاول الالتزام الكامل بضبط النفس ولا ترد حتى بأقلَّ من المِثل؛ لأن ذلك سيُوصلها إلى ما تريد من التنكيد عليك, وقد تذهب عند الثانية وأنت منفعل فتنتقل من جحيم مستمر إلى جحيم مستجِد؛ أي كالمستجير من الرمْضاء بالنار. وهُنا؛ لا بد من التنبيه على أنه إذا تجاوزت الأولى الحد في انفعالاتها فحاولْ أنْ تنْصحَها بهدوء, والمقصود بالحد المخالفات غير المقبولة: كشتم الثانية أو قذْفِها -لا سمح الله-؛ يمكنك أن تحاجَّها بقولك: أنا لا أسمح على الإطلاق لأي أحد أنْ يَذكرَكِ بكلمة تزْعجكِ أبدا. هنا سترضى عن دفاعِك عنها؛ وإنْ لم تُبد لك ذلك, وتذكّر أن المرأة كما أنه يغضبها منك أي شيء فإنه يرضيها أي تصرف جميل منك ولو كان يسيرا؛ تماما كالشعب المقهور الذي يكتفي بابتسامة من زعيمِه العَبوس القمطرير. وهي هنا تظن أنها الشعب المقهور؛ مع أن العكس وحده هو الصحيح.
عاشرا: لترتاح تماما في يومِك مع الأولى وتخرُجَ بحدٍّ أدنى من النكَد وتذهبَ إلى الثانية وأنت منشرح الصدر مشتاق جدا إلى الأخرى؛ حاول أنْ تتبعَ الخطوات التالية: قبل أن تصل إلى بيت الأولى اتصل بالهاتف وأخبرهم بوصولك؛ حتى ولو أجابتك بجفاف مرة أو مرتين أو عدةَ مرات؛ فعما قريب ستنتظر هي اتصالَك العزيز عليها؛ مع أني لا أدري أهو عزيز بسبب الحُب أَم أنه بحكم الاعتياد؟!, المهم إذا استطعت أن يفتح لك أولادك الباب فافعل؛ حتى ولو كان المفتاح معك لأن ذلك سيُفْرح الأولاد وهذا سيؤثر إيجابا على أُمِّهم. أَكثِرْ من اللعب مع الأولاد خاصة أمام أُمِّهم, اقترحْ على الأولى أنْ تتحدثا سويا في أي موضوع آخَر خاصة وأنتما تتناولان مشروبا ما, إياك أنْ تأكلَ وحدك. فليَمضِ كلُ شيء كما كان قَبل الزواج الثاني؛ فملابسكَ السابقة عند الأولى لا تسحبْها إلى الثانية؛ ما استطعتَ إلى ذلك سبيلا, ولا تغيّرْ من عادات طعامك, أو من توقيتات خروجك الأسبوعية معهم. سيكثر استئذانها في الذهاب إلى أهلها وأنت غائب وقد تستأذن في زيارة جيرانها وأنت عندها لمجرد إغاظتك؛ فاأذن لها ما لم يتأثر الأولاد, ولكن بين الفترة والأخرى قل لها إنك جئت وأنت مشتاق إليها؛ وهي تتركك بهذه البَساطة؛ فإن ذلك سيُرضي غرورَها المتمادي وستُسَرُّ به؛ وإنْ لم تُبد لك ذلك؛ لكنها قد تُكابر وتصر على الذهاب؛ إلا أنها ستعود عن تركِك ظنا منها أنك بحاجة عاطفية إليها. وتذكّرْ في عُرف السياسة أنك تتعامل مع الأولى على قاعدة تدوير الزوايا وأنك تماما كذلك الزعيم المضطر أنْ يتحالف مع المعارَضة لتشكيل حكومة ائتلافية؛ ولو حكومة تسيير أعمال, المهم ألّا يتهدد حكمه.
أخيرا: تَذكّرْ دااااائما أن الثانية تنتمي إلى جنس الأولى, وقد تصاب منها بما أُصبتَ به من الأولى وربما أكثر, عندئذ لا مناص من إعادة ما سبق؛ فتكون الثانية كالأولى وتتجه أنت بدَورِك إلى الثالثة أو حتى الرابعة؛ لتقومَ أركان السعادة الزوجية الحقيقية على أركانِها الأربعة القويةِ الركينةِ المتينةِ الدائمة. كنْ على حذَر؛ ولا تثق بأي منهن؛ فهن قنابل موقوتة؛ تماما كالأقليات التي تحركها عوامل خارجية لحسابات خاصة أو كالخلايا المتناوِمةِ اليَقِظةِ التي تضرِب؛ لكنها لا تهْرُب لتحقيق مكاسب غالبا ما تكون آنية ليس لها أمد بعيد. المهم هنا ألّا تكون زعيما سياسيا غَبيا فتعمل على التناقضات؛ فيتفقْن عليك؛ فما يدريك: قد يتحالفن مع بعضِهن لتلقينك دُروسا في الوفاء مثلا أو في العطاء أو في الهدوء, وكل هذه المصطلحات الجميلة في عرْفِهن. من أجْل ذلك؛ حاولْ ألا تجمعَهن إلا في أضيق الحدود؛ في مناسباتٍ رسميةٍ عامةٍ مهمةٍ جدا ولفترة قصيرة بحيث تحافظ كل واحدة منهن أمام الناس على بريستيجها, ولا تذكرْ أي زوجة بخير أو بشرٍّ أمام الأخرى ولا تقارِن, ادخل وأنت مبتسم واخرج وأنت كذلك؛ على الأقل تقيةً وكي لا تُشمت بك أحدا. أما الأولاد فهم أولادك, ولا يعنيك من أي أم كانوا, اقتربْ منهم أكثر وتعوَّدْ على ذلك ليكون لعبك معهم ومضاحكتهم واصطحابهم معك جزأا من حياتِك, اجعلهم يفتقدونك في غيابِك؛ لأنهم هم الاستثمار الأكبر لك, وهم الأبقى لك -بعد الله تعالى-, وهم ورقة الضغط العظمَى والوحيدة التي تؤثّر بها في أي زوجةٍ لك -كما ذكرْنا-. أبْقِ أهل كل زوجة بمنأى عن كلِّ هذا التوتُّر, وداومْ على زياراتِهم-ما أمكنك ذلك-, ولِتَسْلمْ من التحليلات؛ لا تسمح لأحد أيّا كان بالتدخل في حياتك بالنصيحة أو السؤال؛ لأن كُلّا منهم يرى الحقيقة من نافذةِ قريبتِه, ردَّ عليهم بالدبلماسيةِ المتفَق عليها سابقا, كأنْ تقول: يا جماعة نحن أتينا لزيارتكم والاطمئنان عليكم فقط, ثم اقلبْ الموضوع إلى أمرٍ ملحٍّ آخَرَ: كأسعار الأسهم مثلا, أو الثورات العربية, أو الجديد في مَقالب ساهر وما أشْبهَ ذلك. أما الجيران؛ فتَعامَلْ معهم بحذَر شديد شديد جدا, فقط: "السلام عليكم, وعليكم السلام", مع التأكيد على مراعاة حقوق الجوار وحضور المناسبات الرسمية ودعوتهم إليها إذا كان لديك مناسَبةٌ ما. إنك بذلك خففتَ كثيرا من التأثيرات الخارجية وهدّأتَ الجبهة الداخلية, وهكذا ستجف مع مرور الوقت منابع الإرها الأسْرِيّ؛ ليسود الأمن؛ ولو لك أنت؛ لأننا مع النساء أحيانا نتّبع قاعدة: أنا ومِن بعدي الطوفان.
والآن, أمامَ منحنَى الوداع؛ أقول لك -أخي في ساحات النضال والفداء-: إن ما قلتُه ليس كلَّ شيء؛ بل هناك أشيااااااااااء كثيييييرة جدا جدا تركتُها لثقتي غيْرِ المحدودة أنك قادرٌ على التعامل معها, وهي في الوقت نفسِه ليست مِفصَلية؛ لذلك اسمح لي أنْ أشُدَّ على يدِكَ وأقول بصوت خافت: أبشرْ بطول سلامة. إنني على يقين أن هذا المقال سيُفقدني كثيراً من معاني السعادة في حياتي -إذا اكتشفَته زوجتي- وسأفقد أي امرأة قد تُعجَب بأي من كتاباتي؛ ولكنْ لا يَهم؛ إنني أفضّل أنْ أكون شهيدَ القضية ولْيحيَ إخوتي, على أنْ أُعَدَّ رقماً بين الموتَى الذين لا حيلةَ لهم إلى أنْ يَجودوا بأرواحهم من دونِ تأثير في العالم من حوْلِهم. إنني أُوصِي كل مُذكَّرٍ يقرأ هذا الجُهدَ المتواضعَ أنْ يدعوَ بالرحمة والمغفرةِ لصاحبه, ولا أحتاج إلى أنْ يُجْعَلَ لي نُصُبٌ تَذكاري؛ لأن المهم هو الحياة السعيدة لا التماثيل الصامتة التي تأتي عليها ثورةٌ ما فتُسْقِطها. نصَرَنا الله على مَن أرادت بنا سوءا, وجعلَنا ممن يَضحكُ أخيرا.
السياسة ارحم من هذا العذاب
ردحذفوالله إنك صادق أخي أحمد
ردحذف