حدثني مَن لا أتهم - وهو أب #كفيف - قائلا :
" كنت أعلِّم أولادي أن يسبّحوا الله إذا نزلوا ويكبّروه - تعالى - إذا صعِدوا ، فجاءني ولدي الصغير يسألني سؤالا كان أخوه الأكبر قد سأله إياه ، كان السؤال صادما وهو : ماذا لو سقط - يعني أباه الأعمى - في حفرة فهل سيسبّح الله ؟ ! "
أضاف مَ ن لا أتهم قائلا :
" لم أجد جوابا عن هذا الإيراد أو تخريجا مناسبا لمثل هذا الموقف ! "
لن أقف طويلا عند هذا السؤال ؛ ولكن لعل مبعثه من السيناريو الذي وضعه ذلك الولد في مخيلته : رجل أعمى يمشي ويمشي ويمشي ... فجأة ؛ تحتضنه تلك الحفرة الغادرة ! ، من عادته أن يسبّح الله إذا نزل ؛ ولكن هنا هبوط ، انحدار شديد ، سقوط ، هَوِيّ ... سمِّه ما شئت ؛ هل ستَعقد المفاجأة لسانه عن التسبيح ؟ ! ، إن تذكّرَ ؛ فمتى سيسبّح ؛ هل أثناء الهوِيّ ، أم بعد الوصول إلى الأرض ؟ ! ، هل سيتوقف قليلا ليتألم أم أنه سيتحامل على نفسه ويسبّح ؟ !
على أية حال ؛ سأفترض براءة الأطفال في هذا السؤال الغريب ولن ألوم الولد الأصغر على حيرته ؛ لكني أمام إشكال كبير يعاني منه بصمت واستحياء الآباء المكفوفون - ولا سيما الجدد منهم - وهو أن أكثرنا لم يسوِّق نفسه كما ينبغي عند أولاده ، لم يجعلهم يعيشونه حياة وحبا ومبعث فخر ! ، أسأل : أين المشكلة ؟ ، هل فينا نحن الآباء المكفوفين أم في أزواجنا أم في مجتمعنا ؟ ! ، أين بالضبط ؟ !
يخبرني مَن لا أتهم أن أكثر من ولد له كان يأتيه من المدرسة فيخبره أن زملاءه يقولون له : " أبوك أعمى " ، وكان يردُّ عليهم بأن يتجاهلهم أحيانا ، وأحيانا يردُّ عليهم ردا يناسب عمره ومداركه فيقول : " عادي ، أصلا ربي يحبه وإنْ لا ما كان أعماه " !
لكن لو سأله أحدهم : " يعني ربنا ما يحبنا فجعلنا مبصرين " ؟ ! ، هذا هو السؤال الأصعب !
ماذا يراد منا نحن المكفوفين الآباء ؟ ! : هل لا بد أن نحتجب فلا نحضر ملتقيات أولادنا أو الأسابيع التمهيدية في مدارسهم ؛ كي لا نحرجهم مع زملائهم ، ولعل بعضهم يحس بشيء من النقص ؛ فآباء زملائه يأتون إليهم وهم يقودون سياراتهم ، وهذا يأتي المدرسة ومعه مَن يقوده ! ، وإذا قيل : " إن أكثر الناس يأتون بسائقين الآن " ، هذا صحيح ولكنهم يأتون بالسائق إما وجاهة أو تعويضا عن انشغالات الآباء ، أما نحن فاضطرارا .
وأنتقل إلى الشارع لأسأل : " كم من الأسئلة التي يواجهها أولاد المكفوفين من أقرانهم ؟ ! ، وهل يعانون من صعوبة في انشغالهم بقيادة أبيهم الأعمى ؟ ! ، هل من السهل أن يتأثر الأولاد بتسويلات المنحرفين أو توهيمات الجهلاء ؟ ! " .
لا أكتمكم سرا أني سمعت عن أحداث عقوق من أولاد آباؤهم عميان ! ، لا عجب هنا ؛ ففكرتنا عن الأب أنه متسلط وقوي ؛ لكن ما حيلة هذا الأب الأعمى بعد أن كبر أولاده ؛ فليس قادرا على مراقبة سلوكاتهم فضلا عن تقويمها كلاما بعيدا عن الضرب !
يحضرني هنا سؤال سأله أحدهم لأبي العيناء - وكان أعمى - : " ما أشد ما يعانيه الأعمى " ، فقال : " أن تتحدث إلى أحدهم فيقوم عنك وأنت لا تدري " ! ، وهذا ما يفعله بعض الأولاد مع آبائهم المعاقين بصريا !
السؤال الكبير هنا : أين دور الأم - وهي الأقرب إلى أولادها - ؛ ألا يفترَض أن تجسر الهوة بين مبصر مقبل على الحياة بقوة وبين زوج وأب يرغب في أن يواصل دوره أبا ناجحا ؟ ! ، نحن فقدنا الأمل في الإعلام الذي صورنا سوبرمانات نجترح العجائب أو شحاذين أو لا قيمة لنا أو أحيانا محتالين ، فقدنا الأمل من مجتمع لا يزال ينظر إلى المعاق وكأنه ينظر إلى كوكب مبهم العلائم فإما أن يخافه أو يشفق عليه أو يتجاهله ! ، أملنا بعد الله في أسرة عرفت المعاق عن قرب وعلمتْ أن مشكلته فقط أنه لا يرى ولكنه يفكر ويخطط ويشير برأي ربما كان الأصوب .
ليست المشكلة في انطفاء نور العينين - على الرغم من أهميتها - ؛ ولكن المشكلة الكبرى التي تزيد من الألم هي انطفاء نور الفكر تجاهنا ، وانطفاء نور القلوب الطيبة التي تستوعبنا ، وانطفاء نور الأقلام التي كان الأوجب عليها أن تقربنا من غيرنا ، وانطفاء نور الأنظمة التي لم تُخرجنا من بعض عزلتنا لنكون أكثر فاعلية بين الآخرين ؛ فعلى سبيل المثال ؛ أليس للمكفوفين الصغار حظ في اللعب علنا ؟ ! ، أليس لنا - نحن الكبار - حظ في أن نزور المدارس لنعرفهم بنا ؟ ! ؛ فلا يجرؤ أحد أن يسأل أولاد المكفوفين مثل تلك الأسئلة البريئة أو أن ينظر إليه نظرة انتقاص وليمكن للمدرسة معاقبة مَن يتطاول عليهم ؛ كيف لا وقد عرفوا : مَن هو الأب الكفيف ؟ !
إزاء ذلك كله لا أملك أنا وغيري إلا أن نردد بكل واقعية ورجاء : " ألا إن سلعة الله غالية ! ، ألا إن سلعة الله هي الجنة ! ، إنا لواثقون بضمان الله لنا [ إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب ] ، [ ربنا أفرغ علينا صبرا ] " .
كتبه الأب الأعمى أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني
اتوقع الآن بات الجيل الجديد يتفهم الأعمى
ردحذفالله كريم، أتمنى يتفهمونه ويعذرونه وينصفونه، شكرا لاهتمامك وتعليقك الجميل أخي أحمد.
ردحذف