المتابعون

الثلاثاء، 28 يوليو 2015

نظرات في نومنا !!!

النوم عملية فسيولوجية مهمة ليس لتجديد نشاط الجسم فحسب بل للإبقاء على الجسم حيا؛ وكم سمعنا عن أنظمة قمعية تعذب معارضيها بالحرمان من النوم، ومن المعلوم أن المحروم من النوم يموت أسرع من المحروم من الطعام، ولأهميته عَرَف الأطباء تخصصا سموه طب النوم، كما اُعتمِد اليوم الخامس عشر من مارس في كل عام يوما عالميا للنوم .
 للنوم أسراره المستبطنة في أشكال ما يراه النائم من رؤى وأحلام وكوابيس وحديث نفس، وربما عرف المتخصصون حالتك النفسية من وضعك وأنت نائم، كما أن له تقنيات تتيح لك الاستفادة القصوى من هذه الحاجة الجسمية والنفسية تعتمد على مدة النوم وزمانه ومكانه وهيئة النائم قبل النوم.
 ولأن أنبياء الله -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- بشر؛ فإن بشريتهم تتطلب أن يناموا كما ننام؛ عطفاً على أنهم يأكلون ويشربون ويتزوجون كما نحن، إن بشرية الأنبياء -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- آية عظمى من آيات الله -سبحانه وتعالى-؛ فكيف ستأمنهم أممهم وهي تأخذ عنهم، بشرية الأنبياء تجعلهم يمارسون ما يمارسه البشر من حولهم مما يمكن أمتهم من أن تأخذ عن هؤلاء الأنبياء سننهم في حياتهم العامة أكلا وشربا وزواجا ونوما ...
 إلا أن الناظر في مراحل من نوم أنبياء الله -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- يأخذه العجَب من أحوال مرت عليهم، ومع إيماننا أنهم بشر إلا أننا على يقين أن لهم من قوة التحمل ما يجعلهم يفوقوننا إلى مرحلة الكمال البشري؛ حيث باتوا وأصبحوا معيارا نحاول الاقتراب منه ونقيس جهدنا الضئيل أمام عملقة تصرفاتهم المعجزة.
 هذا نبي الله نوح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- يقضي [ ألْف سنة إلا خمسين عاما ] داعيا سرا وجهارا متحملا أذى قومه؛ كيف -بالله عليكم- كانت تمر عليه الليالي؟!، كيف يهنأ بنوم مدة هذه القرون؟!، يأتيه الأمر بصناعة الفُلك فيسخر منه قومه وهو يجهد في الصناعة ثم يفور التنور ويهيج البحر وتتدفق السماء ويموت ابنه أمامه كافرا عاصيا له ويسير بالمؤمنين معه في موج كالجبال ومع ذلك فهو بشر وينام! .
 وهذا نبي الله إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- يكذبه قومه ويصنع أقرب المقربين إليه من حيث النسب الأصنام ويناظر الملك ويحاج قومه منتظرا ظهور كوكب وقمر وشمس ويغيب عن احتفالات قومه ليدخل معبدهم ويحطم أصنامهم وينتظر الموت حيث الحطب يُجمع والنار تتأجج ومع هذا له ثقة بالله وينام لياليه لأنه بشر!، يودع زوجه وابنه البِكر [ بِوادٍ غير ذي زرْع ] ومع ذلك يستسلم لأمر الله -تعالى- وينام فا يقلق ولا يأرق! .
 وهذا نبي الله يوسف -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ينام طفلا صغيرا وهو يعلم أن إخوته ربما كادوا له، يُلقى في الجُب، يؤخذ عبدا رقيقا، يبتلى بفتنة سيدته، يدخل السجن بضع سنين مظلوما؛ وهو مع هذا ينام ولم يصب بأمراض قلة النوم أو أعراض الهلوسة التي تصيب المستسلمين للأزمات، لماذا؟، لأنه نبي .
 وهذا نبي الله يونس -عليه الصلاة والسلام- يذهب مغاضبا قومه ويركب السفينة فيكاد أهلها يغرقون، يخرج السهم عليه فيُلقى فيه ليجد الحوت في انتظاره ويبتلعه ويلبث فيه مرددا: [ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ]، يسمعه الله -تعالى- فيوحي إلى جهاز الحوت الهضمي ألا يؤذيه، يخرجه الحوت، يلقيه الموج في البر بإذن الله، ينبت الله عليه شجرة من يقطين، يصلح جسده، في كل تلك المصاعب الفائقة للخيال لم يعان من اضطرابات النوم لثقته بربه ولأن لسانه اعتاد ذِكره سبحانه ! .
 وهذا نبي الله موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- يخرج من مصر خائفا يترقب، يتوجه تلقاء مَدْيَن، ينام في العراء، يخرج من مَديَن بأهله في جو مظلم شديد البرودة فيجد نارا هي نور الله الذي كلفه بحمل الرسالة، يقع بين أذى فرعون وملئه وتململ بني إسرائيل؛ ومع ذلك ينام، ينطلق خائضا البحر مرددا: [ كَلّاْ إن معي ربي سيهدينِ ] .
 وهذا نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يطلبه مشركو مكة وراغبو الجائزة حيث يسيل لعابهم على مئة ناقة ولا يهم إن كان -عليه الصلاة والسلام- حيا أو ميتا؛ المهم أن يظفروا بجسده الشريف، يلجأ -عليه الصلاة والسلام- إلى الغار مع صاحبه أبي بكر -رضي الله عنه- فينام على فخذه ولا يصحو إلا على دمعة ألم سقطت عرضا بسبب عقرب لدغت الصِدّيق، الرسول -صلى الله عليه وسلم- يجد وقتا ليغفو في معركة بدر الكبرى، تحالفت عليه قوى الشر من كُفّار قريش وغطفان حول المدينة ومن يهود بني قريظة والمنافقين داخل المدينة في غزوة الأحزاب؛ ومع ذلك ينام -عليه الصلاة والسلام-، يحمل هَم أمة إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها؛ لكنه ينام كما ينام البشر، نعم، تنام عينه ولا ينام قلبه؛ إلا أنه يبدو للناظر نائما، يأتيه أعرابي وهو نائم فيخترط سيفه المعلق ويقول له: "مَن يمنعك مني يا محمد"، فيقول -صلى الله عليه وسلم- بِلُغة شديد الثقة بخليله الله تعالى: [ الله ]، فينقذه الله ويحفظه حتى وهو نائم [ والله يعصمك من الناس ].
 هكذا كان حال الأنبياء، ؛ هل جرب أحدنا أن ينام في سفينة يتقاذفها الموج الجبلي وقد مات ولده أمامه؟!، هل جرب أن ينام وهو يعلم أنه سيحرق قريبا؟!، هل جرب أن ينام وقد ترك زوجه وابنه الأوحد بواد غير ذي زرع؟!، هل جرب النوم في العراء؟!، هل جرب النوم في بئر مهجورة أو في سجن بضع سنين مظلوما؟!، هل جرب النوم في الغار والمطالبون بدمه من حوله؟!، هل جرب النوم وقوى الغدر تتربص به وبقومه؟! .
 محمد -صلى الله عليه وسلم- علمنا آداب النوم قولا وفعلا، في الزمان بعد العِشاء وليس قبله، في الهيئة على الشق الأيمن واليد اليمنى تحت الخد الأيمن، في القول آيات وأذكار تطمئن القلب وتحفظ الجسد ويوعد قائلها الموقن بها بالجنة إن مات من ليلته، ما أحرصه -صلى الله عليه وسلم- على أمته لتكون يقظة حتى وهي نائمة .
 من المؤسف أن أكثرنا لم يعتدْ هذه الآداب!، وما أوْهَن الأسباب!، ليس هذا فحسب بل إن أكثرنا ربما يعلم أن ربنا -سبحانه وتعالى- ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا نزولا يليق بجلاله فيقول: [ هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له ]، وأكثرنا نائمون كأنهم معصومون أو غافلون أو غير واثقين -عياذا بالله-!، ليس هذا فحسب بل إن مؤذن الفجر ينادي والكثيرون متدثرون!، أبرَأُ إلى الله -تعالى- الذي أرسل إِلينا رسوله -صلى الله عليه وسلم- من هكذا قوم!، أمتنا في معظمها نائمة وإن كانت يقظة! .
 أما حال الأتقياء الأولياء فمعروف ويسيرٌ على من يسَّره الله له ، وقد وصفهم رب العزة والجلال بقوله: [ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، وبالأسحار هُم يستغفرون ]، وبقوله تعالى: [ تتجافى جنوبهم عن المضاجع... ] الآية، هل جرب أحدنا أن يكون مشمولا بثناء الله تعالى حتى في أُسلوب نومه، المطلوب النوم مبكرا بآدابه القولية والفعلية، قيام شيء من الليل، الدعاء، الاستغفار، تذَكُّر الذنوب وإِحداث توبة لكل منها، ذِكر الله، وصلاة الفجر. وليُعلَم أن أمة لا تجيد حتى النوم كما أمرها نبيها -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف يُنتظَر أن تستيقظ كما يرجو لها عزيزة قوية ؟! 


كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني .

رابط المقال على فيسبوك :






هناك تعليقان (2):

  1. جميييييل أستاذي

    لكن نحن قلبنا الموازين ننام نهارا ونستيقظ ليلا
    يقول الله تعالى

    وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا

    وقال بعدها

    وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا

    وقال أيضا


    وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا, سورة الفرقان آية ٤٧

    ولكن ليتنا نعتبر بديننا وقرآننا

    ردحذف
  2. صدقت في استدلالك واستخراجك واختصارك، لله درك أخي أحمد!!!

    ردحذف