اليوم يمر ثلاثون عاما هِجْريا على تَسَلُّمي للتابعية السعودية.
تَسَلَمتُ التابعية -وهو الدفتر متعدد الأوراق أبو ريال- في الباحة بعيدا عن مَقَر إقامة أهلي في الطائف، كان الوقت صيفا وإجازة للطلاب، فأرسلوني لاستخراج التابعية.
كان لا بد من الذهاب إلى شيخ قبيلتنا ليصادق على المعلومات لكوني من أبناء قبيلته، قابلت شيخنا للمرة الأولى والأخيرة؛ لأنه تُوُفِّي بعد ذلك وهو الشيخ منسي بن عصيدان رحمه الله، دخلتُ عليه وكان يعاني من ألم أسفل ظهره بسبب سقوطه -رحمه الله- بعد الوضوء، المهم أنه استعان بمن حوله ليختم لي على أني من قبيلة بني حسن الزهرانية.
جرت العادة أن يجتهد موظف الأحوال في المعلومات الظاهرية لشكل مستخرج التابعية، والغريب أن الموظف كتب: "لون العينين أعمى"، ولا أدري من أين جاء بهذا اللون؟! .
كنت في ضيافة زوج خالتي -يرحمه الله- الذي كلف أحد أبناء بمساعدتي لاستخراج التابعية، لم أكن أملك في جيبي إلا خمسين ريالا أخذتها من والدي قبل السفر، ولكي لا أضيعها؛ فقد دسستها في طاقيتي التي لم أعد أستخدمها ووضعتهما في جيبي، تبخرت الخمسون بدفعها للتاكسي مع مجموعة ركاب عائدين إلى الطائف ومعي دفتر التابعية، لقد حصلت على وثيقة خاصة بي تثبت أني سعودي.
نعم، سُعودِيٌّ؛ لكِنَّ أحدا لم يفرح مَعي؛ فالجميع في البيت كانوا مشغولين باستقبال أختي الصغيرة "أُم جُوانا" التي وُلِدَتْ مع وِلاادة تابعيتي!، لا يَهُمّ؛ المهم أنيْ أمسكْتُ دفتر هُويتي الخاص بيدي لأول مرة.
بعد تاريخ تَسَلُّميْ التابعية بسنة وشهْرَين؛ تَسَلَّمْتُ بطاقة الأحواْل البلاستيكية الصغيرة، الحقيقة أنيْ لم أفرح بها كذلك الدفتر الأكبر والأعرض متعدد الصفحات المدفوع فيه ريال؛ مع أنيْ لا أدري مَن دفع ذلك الريال، ليتهم يعيدونه إِلَيَّ وليأخذوا أي مبلغ، لا أدري؛ لماذا أحببتُه؟! .
ولأن السعودية إنما سميت هكذا نسبة إلى سعود بن مقرن بن مرخان -رحمه الله- جَدّ الأسرة الحاكمة وفَّقها الله؛ فسأحاول تَذَكُّر مواقف لي بحسب التسلسل الزمني مع آْل سعود سَدَّدَهم الله :
كان أول صوت ملك سمعته هو خطابات الملك فيصل إبان حياته -رحمه الله- التي كانت تذيع مقاطع مسجلة منها إذاعة جدة عبر برنامج "دعوة الحق" الذي كان يُبث بعد نشرة أخبار الثانية والنصف ظُهرا وهو من تقديم الإعلامي الدكتور بدر كريِّم رحمه الله.
أذكر مصاب البلد الجَلَل إثر اغتيال الملك فيصل -رحمه الله-، كان الوقت ظهرا بُعيد الواحدة تقريبا، وضعتْ أمي غداءنا بعد عودة أبي من عمله في المدرسة، كان غداؤنا ملوخية، فتحنا الراديو على إذاعة جدة كدأبنا، وإذا بصوت الشيخ عبد الله خياط -رحمه الله- ينساب قارئا لكتاب الله، انتهت التلاوة سريعا وقُرئ بيان وفاة الملك رحمه الله، تركنا غداءنا وبكت الوالدة وبكينا نحن الصغار لبكائها، كانت تقول: "يا فيصل"، فَرَدَّدْتُ معها: "يا فيصل"، أما الوالد فقد التزم بالصمت الرهيب والصدمة لم تترك له مجالا للكلام أو لتهدئتنا.
وأنا في الصف الثاني الابتدائي عام ١٣٩٨ أُخِذنا إلى ساحة مفتوحة في مكة وقيل لنا إِن الملك خالد -رحمه الله- سيمر من هنا وعليكم أن تُحَيّوهْ، ثم عادوا بنا، فلا سمعنا صوته، ولا أعلمنا أحد بمجيئه؛ لكنهم قالوا إنه مر بنا، عميان يا عزيزي.
أول مرة سمعت فيها صوت المؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله- في كلمة قديمة دأب التلفزيون السعودي على بثها كل عام في يوم عرفة ثم في اليوم الوطني، كان الصوت غير واضح؛ لكنها كلمة تحمل مضامين دينية قَيِّمة.
في عام ١٤٠٠ وفي ساحة إسلام بمكة قمنا بعرض رياضي في حفل اختتام إدارة التعليم بمكة حضره الأمير سعود بن عبد المحسن نائب أمير مكة آنذاك، وأذكر أنه صافحني وأعطانيْ ساعة سايكو خاصة بالمكفوفين.
أول خطاب مباشر لملك من آل سعود سمعته بصوته عبر الإِذاعة السعودية كان للملك خالد -رحمه الله- في افتتاح المؤتمر الإسلامي الثالث بمكة عام ١٤٠١، وأذكر أنها كلمة مقتضبة عفوية مليئة بالدعاء المخلص لأمة الإِسلاْم.
في عام ١٤٠٢ ضُحىْ السابع والعشرين من شعبان كنا نتابع مسلسلا مدبلجا، فجأة قُطِع المسلسل وبُثت آيات قرآنية، ثم كان إعلان وفاة الملك خالد رحمه الله.
في عام ١٤٠٦ أقامت إدارة تعليم مكة معرضا وكان دوري فيه الطباعة على الآلة بحروف المبصرين، قيل لنا إن أمير مكة آنذاك الأمير ماجد -رحمه الله- سيحضر، كنا منهمكين في الطباعة فدخل علينا شخص مسَلِّما مصافحا، صافحته وسألته:"مَن معي"؟، فأجابني: "ماجد بن عبد العزيز"، التفَتُّ إلى زميلي وقلت له: "يده صغيرة زَيَّنا"!، الحقيقة أن خيالي الأعمى الصغير المحدود بعض الشيء صَوَّر لي أن يد الأمير لا بد أن تكون كبيرة جدا لأن يد مدير معهَدنا آنذاك -رحمه الله- كانت ضخمة، كيف جاءني هذا التصور؟!، لا أدري.
أكثر خطاب ملكي تنموي علق في ذاكرتي هو خطاب الملك فهد -رحمه الله- الذي أعلن فيه عن زيادة المكافآت للطلاب الجامعيين، وعلى الصعيد السياسي حين كان -رحمه الله- يسرد ملابسات المحادثات قبل غزو العراق للكويت.
تَخرّجنا من الجامعة وكانت الوزارة ولا زالت تُضَيِّق فرص تعيين المكفوفين في الوظائف التعليمية، كنت قد تزوجت ولدَيّ ابن وبنت، اتجهت إلى جدة عام ١٤١٤ حيث قصر ولي العهد آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، كانت الساحة مزدحمة بذوي الحاجات والجو مشمس، قالوا لنا قبل أن نأتي أن هناك جلسة للأمير وعلى أساس ذلك أَتينا، سألت أحدهم عن الأمير فقال بلهجته: "ايش تبي به؟"، قلت: "أبغى أسلم عليه"، فَرَدَّ عَلَي: "الأمير مستغنٍ عن سلامكم"، وضعت معروض طلب الوظيفة في الشُبّاك وانصرفت كاسف البال ولم أراجع فيه، لو علِم أبو متعب بهذا التصرف الفردي لما رضي به.
وفي العام نفسه أَخبرَني أحد مَعارفي أن الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب وزير الداخلية آنذاك موجود في الطائف واقترح عرض مشكلة توظيفي عليه فذهبت إليه، كان المكان يسوده الصمت وأنا أعمى لا أفهم الإشارات، قابلت شخصا فسألني عن طلبي فقلت له: "أريد الأمير أحمد"، فسألني عن السبب، فأجبته أن الأمر خاص، فغمزني صاحبي قائلا: "هذا الأمير أحمد"، فأبديت اعتذاري وسلمت عليه بالإمارة وسلمته معروضي.
في تلك الآونة كانت قنوات التلفزيون تتكاثر وبرامجها المباشرة تتعدد، ولأن الأمراء من الوجوه الاجتماعية وذات المناصب القيادية فقد حرصت القنوات على استضافتهم وتمكين الجمهور -على استحياء- من محاورتهم.
كان أول مَن تداخلت معه هو الأمير عبد الرحمن بن سعود رئيس نادي النصر سابقا -رحمه الله- على قناة LBC اللبنانية، تحدثنا قليلا عن اللاعبين الذين غضب عليهم أبو خالد -رحمه الله- فكاْد يغضب مني.
وتداخلت مع الأمير سلطان بن فهد رئيس رعاية الشباب سابقا على قناة MBC في برنامج "صدى الملاعب" حين قَرّرَ فتْح المداخلات للجمهور بمناسبة ختام الموسم الرياضي، وسألته عن سبب عدم قيام وزارة للشباب فردَّ علي بأن هذا الأمر بيد المقام السامي.
وتداخلت مع الأمير طلال بن عبد العزيز على قناة الجزيرة في برنامج "بلا حدود" أثناء سماحه بتقبل مكالمات المشاهدين، سألته عن إِمكانية كتابة مذكراته وعن التوجه الرأسمالي فلم يُجبني.
تداخلت مع الأمير محمد العبد الله الفيصل -رحمه الله- على القناة السعودية لكنني نسيت سؤالي إياه وهو لم يعطني وجه.
في حدود العام ١٤٢٩ تقريبا -نسيت التاريخ بالضبط- أقامت جمعية كفيف بالقصيم حفل تخَرُّج للمنضمين إلى دورات الحاسب الآلي، ودعتني الجمعية لحضور الحفل الذي كان برعاية الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز نائب أمير القصيم آنذاك، ألقيت قصيدتي، وعند تَسَلُّمي التكريم العيني حدثني الأمير في أقل من دقيقة عن إمكانية التقائنا لقاء شعريا، فسررت بذلك؛ لكن هذا اللقاء لم يتم حتى تاريخه.
وبعد؛ فهذه احتفاليتي الافتراضية بالتابعية السعودية؛ سائلا المولى القدير أن يحفظ لنا ديننا وأمننا وبلادنا وحُكّامنا وأن يَعُمَّ الدين والأمن والغِنى كل بلاد المسلمين.
كتبه المُواطنُ ذو التابعية السعودية رقم ... : أَبو اللَّيْثِ عبدُُ العزيزِ بنُ صالحٍ الحَسَنِيُّ الزَّهْرانِيُّ سُعودِيُّ الجنسيةِ والوِلاْدةِ والمَنْشَأْ.
الأحَد السابِعَ عَشَرَ من شَوّال عامَ سِتَّةٍ وثَلاْثينَ وأَرْبَعمِئةٍ وأَلْف الهِجْرِيّ، الثاني من أَغُسْطُسَ آْبَ عامَ خَمْسَةَ عَشَرَ وأَلْفَيْنِ الإِفْرَنْجِيّ.


جميل استاذي
ردحذفولكن
لو كان العنوان أنا وآل سعود لكان أجمل
كل شيء هنا ممكن يا أستاذ أحمد
حذف