استقللت ناقلا جويا في رحلة دولية طويلة الأمد نسبيا، وكدأب أكثر مَن يهدفون إلى الربح؛ فإنهم يعِدون بالمن والسلوى، وما أن نستوي في الطائرة حتى لا نكاد نجد ولو سرابا بِقِيعة!؛ فنحن في طبقات الجو العليا ولا مجال لتغيير الناقل؛ ولكن لا بد من النقد الخفي والسؤال الخفيف الذي يحار عنده طاقم الرحلة، من المفترض أن يتوفر للراكب المحترم -كما يقولون- تلفاز بمجموعة قنوات ترضي أكثر الأذواق؛ إلا أن ذلك لم يكن؛ فما كان من مُجاوِرِيَّ على الأقل إلا أن تَعَرف بعضهم على بعض وبدأت حكاية طويلة أقرب إلى الاعتياد يصوغها الفكر العربي المؤدلَج من بلد تجاه بلد آخر، ولعل من قَبِيل التسلية وشيء من التأمل سرْد أبرز ما دار من حوارات التقطتها أُذُناي وربما كنتُ طرفا في بعض فصولها:
الشخوص: بنتان من جنسية عربية يلهث الكثيرون من أجل الظفر بإحداهن زوجة، ثلاثة ذكور من جنسيتين عربيتين عُرفتا بتمنيهم الظفر بأي بنت تنتمي لجنسية البنتين!.
إحداهما تتحدث فجأة مع أحد الذكور، ذكَرٌ آخر يغار ويصر على الاشتراك في الحوار!، الأصوات تعلو بالضحك والطقطقة، مشرف الرحلة يهرع غاضبا ويأمر هذه الشخصيات بلهجة جافة وبدون رجاء وكأنه رجل أمن مبتدئ لم يتعلم كيفية التعامل مع خطأ عابر!، عجيب هذا الناقل الجوي!؛ لا هو أسكت الركاب بتلفاز أو قنوات صوتية أو حتى جرائد مقروءة مثل أيام زمان، ولا كلَّف إدارته عناء تدريب كوادره على التعامل الأمثل مع زبائنه، ولعل من المهم الإشارة إلى أنه يفترض أن هذا المشرف الصارم هو الأقدم مدة في العمل والأقدر على الإتقان!؛ فإذا كان هذا حال الأقدم والأقدر المقتدى به؛ فمعذرة؛ ربما طار التعليق!.
عودة إلى المسرح الصغير الذي أظنه اتخذ فصلا واحدا هو الأطول في مسرحيات العالم!؛ هذا المسرح الذي لم يعبأ كثيرا بصولجان المشرف؛ فالكل بين متكلم على الأقل هامس وبين مستسلم لشيء من النعاس محوقلا مالا من هذا التوقيف الإجباري الطائر!، المسرح الذي تتبدل في الوجوه ؛ لكن تبقى أقنعتها شفافة لا تشي باحتراف!.
ذكران يتحدثان بهمس جاهر عن مزايا جنسية البنتين وكأنهما يقصدان استفزازهما لتعِيْراهما اهتماما، وقد كان؛ فيا له من شرف!، يسأل أحد الذكرين جاره الذكر الآخر عن سبب سفره، فيجيبه أنه يرغب في الزواج وأنه اختار عروسه ولم يبق إلا أن يدخل بها، تسأل إحدى البنتين صاحبتها في همس عن عمر العروس، فينطلق صوت الأخرى مجلجلا بالسؤال ليأتي جواب ذلك الذكر: ٢٨ سنة. هنا اتفق رأي البنتين صراحة على أن من الصعب تَصَوُر فتاة عمرها ٢٨ سنة وتبقى بِكرا؛ لَمَّحَتا أنها لا بد أن تكون قد أتت عملا مشينا أفقدها عذريتها!، هنا تدَخل أحد الذكرين مستعرضا معلوماته قائلا: هن يستخدمن أعشابا تعيدهن شبه عذارى!؛ فهل كانت هذه هي دعاية مُثلى؟!، وهل هذه هي المواطَنة؟!.
ويأتي ذَكَرٌ ثالث هو آية في السذاجة!؛ حاول التحدث مع إحداهما فقالت له بصوت مسموع مع شيء من فحيح: أنت وجه إجرام، ليرد عليها بكل تذلل: أنا أستاذ البراءة، فتعاجله واصفة إياه: حيوان متخلف، ليرد مزهوا بمعلومة قديمة هزيلة: أنا حيوان ناطق!، ربما يُسَر الذَكر بمخرفنته؛ أما أن يتوسل التخرفن في ابتداء تعارف عابر طائر في أغلب أنه يطير عند هبوط الناقل؛ فيا له من تَخَرْفُن عصري يسرع الذَكَر بسكينه إلى جازره؛ كأن كرامته أثقلت جسده ولا بد من إهدارها في مجاري شهوة وهمية!.
ومع سذاجة هذا الذَكر الذي تمنى علنا أن يكون عِلكاً لإحداهما عندما بحثت عن عِلك يغير رائحة الفم بعد وصولها ؛ إلا أنه أبدع في إحراج ذلك الذَكر المتدخل في تصنيف العذارى سابقا، عرض المتدخل على إحداهما إيصالها إلى سكنها الذي يبعد عن المطار أكثر من مئتي كيلا، فقال ذلك الساذج عاشق التخرفن: وَصِّلْني أنا. فلم يُجبه، باختصار: طَنَّشَه، يا لها من أُخُوّة ليست في الدين ولا في الدم ولا في الجوار ولا حتى في المصلحة؛ لكن لعلها في ... !.
وما نزال مع الذكور المتشابهين الأعمال وربما النية والمختلفي الجنسيتين؛ لتأتي اللقطة الأهم وهي الاستعراض بالفلوس!؛ قال أحدهم إنه جاء ليُحَصِّل قِيَم إيجارات وحدات سكنية يمتلكها أبوه مُلَمِّحا أنه مليونير ومُخرِجا إكسسوارات يريها البنتين مغاليا في ثمنها قائلا إنه اشتراها على عجل؛ ولو كان لديه وقت لاشترى الأغلى، كان يريد إبهار شتّامته التي ما زالت تشتمه حتى بعد الإبهار إن كان إبهار!. أما الآخر فقال إن لديه مزرعة وإنه متزوج من جنسية البنتين نفسها وهو لشدة حبه إياها اشترى لها بيتا بأكثر من أربعة ملايين دولار، قد لا يكون أفلح في إبهارهما ولكنه ربما اكتسب صِفَتَي الإخلاص والتضحية في نظريهما!. لم يشترك ثالث الذكَرين في معرض الأموال هذا؛ لكن إحدى البنتين سألته متهكمة: وأنت عندك فلوس؟؛ فيجيبها باقتضاب الدبلماسيين: فيه؛ الحمد لله، فتزداد تهكما وتقول: أعطني مئة ألْف!. وفي فلَك الفلوس؛ عودة إلى الذَكَرين السابقين ليَلُوح سؤال ويُلح: إذا كانا حقا بهذا الثراء؛ فما الذي جاء بهما إلى درجة العاديين الاقتصادية!؟، لعلهما يخشيان الحسد؛ مع أن هذه الخشية تبددت بإفصاحهما عن مركزيهما المالي!؛ على أية حال؛ ما أجمل التواضع وأخواته ولو في وضع الطيران!.
وعلى مقربة من مهبط القلم؛ يقع اللوم على ناقل جوي أَخفق في خدمة دافعي الأموال الواثقين به ولم يُجِد تدريب كوادره على حُسن التعامل مع المواقف وشخوصها!، يقع اللوم على جمْع أخفقوا في تسويق قيمهم الوطنية فضلا عن الدينية ثم القومية!؛ ليس هذا فحسب؛ بل قام كل ذِي جنسية بتأكيد ما يشاع عنه؛ ليتأكد المثَل المصري المشهور: "اللي يؤول على مراته: يا عوره؛ ما يزعلش لو لعبوا بيها الكوره"!، وفي سباق اللومات؛ فلا أستبعد لومة من هنا أو هناك بسبب عدم تحديد هوية الناقل أو الجنسيات؛ ولكن الخوف وشيئا من أدب يحولان دون ذلك، ولا أظن أحدا إلا تنبأ باسم الناقل والجنسيات ليلمس جانبا أكبر من الصحة؛ وإلا؛ فسيقع عليه اللوم هو أيضا!.
من أسفار ذاكرة الأسفار كَتبه: أبو الليث عَبْدُ العزيز بن صالحٍ الحَسَنيُّ الزهراني.
مساء الثلاثاء ١١/٤/١٤٤٠ هـ ، ١٨/١٢/٢٠١٨ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق