أتردد أحيانا عند الكتابة في شأن المكفوفين خشية أن تُظن إصابتي بالبارانويا أو أني أرغب في استجداء مزيد من الاستعطاف، وأحسب أن لدى إخوتي الأسوياء من الاهتمامات ما قد يغنيهم ويشغلهم عن تتبُع همومنا؛ ولكن لولا أهمية شأن السطور المقبلة النابعة من معايشتي ومعايشة إخوتي في الإعاقة وشيء من مقارنة بالمجتمعات الأخرى ما عدْتُ إلى تناوُل شؤوننا علنا.
نحن أمة الدين القَيِم ذِي القِيَم المثلى، وأبرز علآمات هذا الدين التي جذبت الكثيرين ليدخلوا فيه هي إقامة الصلاة، والمكفوفون ليسوا مستثنين من حضور صلاة الجماعة في المساجد بنص الحديث المروي في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في شأن الأعمى طالب الترخص ليصلي في بيته بسبب إعاقته والعوائق في الطريق والذي جاء تحديده على أنه ابن أُم مكتوم -رضي الله عنه- في روايتَي أبي داود وابن ماجه إذ لم يرخص له النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه يسمع النداء، كيف يكون ذلك دليلا على سماحة الإسلام وكون النبي -عليه الصلاة والسلام- رحمة مصداقا لقول الله -تعالى- في الآية السابعة بعد المئة في سورة الأنبياء: [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ]؟!، أظن أن كُتب التفسير وأولئك المتخصصين في التربية كفلاء بتوضيح مكامن الرحمة في هذا الإلزام؛ ولكن لا بأس من ذِكر جوانب أحسبها مفيدة هنا؛ إذ ما أكثر ما عانى المعاقون في الملل والنِحَل الأخرى من تهميش أقرب إلى التهشيم، ولما تنادى العالم إلى ضرورة دمْجهم في مجتمع الأسوياء وجد ديننا الأسبق إلى ذلك؛ فأشكال الدمج قد تقتصر على فرصة عمل نادرة أو مبادرة اجتماعية موسمية أقرب إلى الشعارات البكائية بها يحقق راغبو التسلق على احتياجاتنا ما يشاءون، هنا الدمج ذو هدف ديني عُلْوي علني خمس مرات، في إلزام المكفوفين بالصلاة جماعة قوة لمجتمعنا المسلم الذي لا يخجل من إدماج المعاقين في شتى ممارساتهم حيث يصطفون سواسية بين الأسوياء، وربما كان في ذلك جذْب لغير المصلين؛ لعلهم يستحيون ممن هم أقل منهم قوة، في هذا الإلزام دعوة للمعنيين؛ حيث يُتَصَوَر اهتمامهم بتهيئة المساجد وغيرها والطرق الموصلة إليها لتتناسب مع احتياجات المعاقين، وليُسمح لي هنا بإضافة جانب مشرق آخر وهو أن في هذا الإلزام علاجا للمكفوفين، حدثني مَن لا أتهم قائلا: دار بيني وبين زوجي خلاف كبير؛ على إثره تضامن أولادي منها معها وقاطعوني، لم أجد أحدا أخرج معه ولم يفقدني جيراني فيتفقدوني؛ عندئذ كدت أموت في البيت لولا لُطف الله. الحمد لله؛ علمتُ أن الله عوضه خيرا!.
أحسب أني أطلت في المقدمة؛ ولكن لا بد منها بناء على أننا -بإعاقتنا- من العالمين ومشمولون بهذه الرحمة، وبناء على أن الله وصَفنا في مَثَل عرفه عنا اليهود وربما غيرهم في قوله -سبحانه- آخر سورة الفتح: [ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ]، ومع ذلك؛ فإن واقعنا أجمعين يحتاج إلى إعادة النظر في جوانبة مهمة، فلنتأملها متتبعين اللقطات من دخول المسجد حتى بعد الخروج منه، ولأبدأ بإخوتي المبصرين فهُم الأكثر والأقدر:
1- عند دخول الكفيف المسجد؛ إما أن يكون له قائد أو يكون وحده، فإن كان ذا قائد؛ فأحسب أنه لا حاجة له إلى أحد؛ ولكن لا داعي لسؤال القائد عن علاقته بالكفيف والدعاء له كِفاء ما أحسن إليه؛ ليكن الدعاء في الخفاء فهو يحقق المقصود، وإذا كان لا بد من توجيه القائد؛ فيُستحسَن أن يكون بالإشارة؛ لكي لا يشعر الكفيف بإثقاله على غيره، وإن كان وحده؛ فكل المطلوب منك مشكورا مأجورا أن توقفه في الصف موجها إياه إلى القبلة تماما لأنه سيبادر بتحية المسجد؛ فلا تجاهر بالحوقلة لأنه لم يجد قائدا، ولا بالحمدلة؛ لأن الله مَنَّ عليك بالنظر وأصابه بالعمى، ولا بالدعاء له بالشفاء؛ اجعل كل هذا الذكر الطَيب المبارك في سرِّك؛ فهو أبلغ في الإخلاص ومبعد عن أذى المصاب ومحقق للمقصود.
2- هَقَدْ أنهى الكفيف تحية المسجد؛ فالمتصوَّر أن يبادر بقراءة القرآن إما عن طريق المصحف المطبوع بخط برايل أو بواسطة السطر الإلكتروني ذي الأحرف النافرة؛ دعه يقرأ كغيره في سَكينة وتدبُر؛ لا تسأله عن هذا الخط في هذا المكان والزمان، إذا قابلته فيما بعد؛ فسله ما شئت وهو سيجيبك مسرورا، وبالمناسبة؛ أذكر أنني كنت أقرأ؛ فاحتج علَيَّ أحدهم في المسجد بسبب قراءتي القرآن من الشِمال إلى اليمين مشابها الإنجليز الكفار وِفْقَ ما أَفهَمَني!، مثل هذا بِمَ أرُدُّ عليه؟!.
3- أعلم أنك تريد الخير، وأعلم أن كثيرا من المتسولين إما معاقون أو يدعون الإعاقة ليستنفدوا الجيوب بسماحة القلوب؛ ولكن ليس كل معاق هو أهلاً للصدقة؛ سواء كان في المسجد أو غيره!، الحق أن كل ريال يمتد إلى معاق مستغنٍ؛ فهو طعنة نجلاء تهدر الكرامة وتجعل أحدنا يندم أنه أتى هذا المكان، وَطِّنْ نفْسك على إعطاء الصدقة مَن يستحقها في الخفاء، وتأكد أننا جئنا إلى المسجد طالبين رضا الله لا شحاذين، تَخَيّل كيف تكون صورتنا وقد لبسْنا أَفخَر الثياب ولبسنا أغلى أغطية الرأس وتوشحنا بأجود البشوت وبأزكى العطور؛ ومع ذلك ربما نسقط في عيون أزواجنا وأولادنا بسبب ريال لم يوضَع في مكانه، وكم حدث لي ذلك خاصة في المساجد الكبيرة كالحَرَمَين، ذنْبنا هنا فقط أننا معاقون!؛ فاتقوا الله فينا.
4- قرَنَ الله -تعالى- الصبر بالصلاة في موضعين من سورة البقرة؛ وعليه فقد يحدث من أخيك الكفيف تصرُّف يضايقك؛ تأكدْ أنه لم يجئ إلى هنا ليؤذي أحدا، إن لم يصبر بعضنا على بعض ويغفر بعضنا لبعض فأي أُخُوّة هذه؟!؛ كيف وقد قال ربنا -سبحانه- في آخر سورة آل عمران: [ اصْبِرُوا وَصابِرُوا ]؟!، أَذكُر أني مرةً دخلتُ مسجد حَيِّنا ولم يكن معي قائد فاصطدم طَرَف رِجلي وأنا أحاول الاستواء جهةَ القِبلة بفَخِذ جارٍ عزيزٍ عَلَيّ؛ فما كان منه إلا أن تَبَرَّم قائلا: "ليش تشوتني"؟!، لاعبو الكُرة يصفح بعضهم عن بعض، وهذا لم يصبر على لَمْس خفيف وحَوَله إلى شَوتة جعلتني أحس أني حصلت على بطاقة حمراء من قلبه!.
5- بعد الصلاة تدور الأحاديث الودية، وأكثر المعاقين يفرح كثيرا إذا أُشْرِكَ في الحديث؛ فلا يُسْخَر منه ولو على سبيل المزاح، إن المعاق -ولو اصطنع ضحكة-؛ فهو يقيناً يتألم من الداخل؛ ولكنه لا يريد أن يخسر صديقا أو جارا، وأحسب أن المسجد لا يليق به إلا الكلام الطيب وذِكر الله =تعالى- والتواصي بالحق والصبر والمرحمة.
6- ويحين موعد الخروج، الكفيف وحده يقف متلمسا طريقه إلى الباب؛ فلا تسأله إن كان أحد معه؛ وإلا لرأيته معه، المشكلة أن هذا السؤال يتكرر حتى عند باب الخروج من المسجد، ساعدْ -إنْ شئت- أخاك ليخرج من دون أن يصطدم بأي من مخلوقات الله، ولا تعلق على أنه ارتكب خطيئة عدم اصطحاب قائد؛ فلو وجد ما انتظر توجيهك الكريم.
وإكمالا للصورة وللإنصاف وليعلم غيرنا أننا عارفون بوضعنا؛ فإني أوصي نفسي وأخي في الإعاقة بما أظنه يجنبنا ردات الفعل السابقة ويخفف من آثار بعض التصرفات المذكورة آنفا، ومنها:
1- اعلم أنك ما أتيت المسجد إلا استجابة لأمر الله كما علمتَ أن مصابك بالعمى هو قضاء الله؛ فلا يوسوس الشيطان في صدرك خلافا لذلك، وتأكد أن الله -سبحانه وتعالى- لن يخذلك وسيمنحك القوة بل والفرح بهذا الأداء في أعلى صور الرضا الأكبر حتى من الصبر.
2- لا تجهد نفسك في البحث عن قائد ولا تنتظره، إن تَيَسَّر؛ فبها ونعمت، وإلا فأنت مأمور بالذهاب وسيعينك مَن أمرك، امض في سبيلك المبارك، لا تلتفت إلى تعليقات الآخرين غير المسؤولة، لا تتضجر من المارين قريبا منك ولا يمدون لك يد المساعدة، لا ترُدّ على أي أذى من طفل، معك عصاك التي تقيك -بإذن الله- غوائل غير البشر، والبشر يهديهم الله، تَذَكَّر دائما أنك في سبيل الله، وهذا يكفيك شرفا.
3- بَكِّرْ في الحضور إلى الصلاة؛ ففيه أجر أكبر، وهو يريحك كثيرا من تعليقات بعضهم غير المريحة ويُمَكِّنك من الصف الأول من دون الاصطدام بأحد أو الاحتياج إلى آخر، ومع ذلك؛ ادخل المسجد وارفع عصاك قليلا عن مستوى الأرض لتتحسس برفق وتمَهُّل وجود أي شخص ثم استَوِ على بركة الله، وإن حصل تأخُر منك قبل إقامة الصلاة؛ فكُن في طرف المسجد، صَلِّ تحيته، وستجد -بتوفيق الله- مَن يوقفك في الصف عند إقامة الصلاة، أما إنْ كنتَ مسبوقا وليس من داخِل معك؛ فلا محالة من البحث بنفسك مُتَرَفِقا ما وسِعك ذلك، وإذا رغبت في الخروج بعد انقضاء الصلاة وكنت وحدك؛ فلتتأخر ما أطقت؛ كي لا تُعنِت أحدا في إيصالك إلى الباب وكي لا تصطدم بأحد ربما كان يصلي أو يذكر الله أو يقرأ شيئا من القرآن، قد تتعطل بعض شؤونك الدنيوية بضع دقائق؛ لكن صلاتك التي هي صلتك بربك تستحق منك ومن غيرك أكثر، والله المستعان.
4- يجب عليك أن تكون هادئا في دخولك ومكوثك وخروجك؛ لا تُحْدِث جلبة ولا تُكْثِر من طلب مساعدة الآخرين ولا تنتقد أبدا؛ فصَدِقْني؛ ستكون أنت الملوم وقد تسمع ما لا يرضيك وستعطي فكرة غير جيدة لغيرنا عن عالمنا.
5-هَقَد اجتهدْتَ في أخْذ كل احتياطاتك متوكلا على الله سبحانه؛ ولكن ربما تجد ما لا يرضيك؛ فأَحسِن الظن بإخوانك، وتَذكَّرْ أن هؤلاء عُمار بيوت الله، عليهم -فيما نحسبهم- سِيْما الإيمان، يقول -تعالى- في سورة التوبة: [ إنما يعمُر مساجدَ الله مَنْ آمَنَ بالله ] ... الآية، تَذكَّرْ أنه قد يكون بينهم مَن سيظلهم الله في ظله يوم لا ظِل إلا ظله، ألم تسمع عن الرجُل المعلق قلبه بالمساجد؟!، ألا تريد ملاقاته ومرافقته حيث ذلك الظل؟!، هل تظن أن مِثل ذلك الرجل سيؤذيك، إن رجالا أتوا مسبِحين الله ل تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذِكر الله لن يضيعوا ما رجوه من أجور ليتعمدوا إيذاءك؛ بل هم سيجتهدون في نفعك لعل الله يقبلهم ويثَبِّتهم، ألا ترغب في مشاركتهم الأجر بالصبر عليهم والصفح عنهم؟!، إنها -يا أخي- رحلة الأجور المباركة الطَيِّبة خفيفة المؤونة مُثَقِلة للموازين، [ وَفِيْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُوْنَ ]!.
وبعد؛ فهذه خلجات رجوتَ في كل حرف منها أن تكون جديرة بالتأمل، ولعلها تكون وثيقة يؤسس عليها المتخصصون والمعنيون نشاطا منبريا أو كتابيا أسرع بلاغا وأَبْلَغ في التأثير؛ سائلا الله أن ينفع بها.
كتبها أبو الليث عَبْدُ العزيزِ بْنِ صالحٍ الحَسَنِيُّ الزَهْرانيّ.
صباح الخميس 20/4/1440 هـ، 27/12/2018 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق