من غير المعقول اعتبار خط برايل في حياة الكفيف ترفا أو حتى من الكماليات؛ ولا سيما لدَى الكفيف صغير السن؛ ذلك أنه يرى إخوته وأترابه في حيه وزملاءَه إن كان في فصول الدمج لا يستخدمون الطريقة التي يستخدمها هو. وهنا دعوني أقلها بصراحة إن طريقة برايل ليست مبعث فخر ولا متعة لدَى الطفل الكفيف! وهذا ما أحسست به وأنا صغير؛ إذ إنني كنت أطالب بمرسمة ومساحة وبراية ودفتر مثل بقية إخوتي, وكنت أستاء كثيرا من استغراب إخوتي حين يشاهدون القلم المسماري والمسطرة التي كأنها املقط - حجم كبير- واللوحة الخشبية والورق المقوى الذي ربما استفادوا منه في الرسم. لأنني عشت هذه المرحلة الصعبة من بداياتيالتعليمية في عالم برايل؛ فوجوب التماسي عذرا لمن يمر بمثلها متحتم. إن هذا الجيل الجديد من الأطفال المكفوفين ظروفهم تختلف عما عايشناه قبل ما يزيد عن ثلث قرن؛ لعدة أسباب:
أحدها انتشار برامج الدمج التي تمكنه منالدراسة قريبا من بيته في بيئة ملأى بالطلبة العاديين؛ بخلافنا نحن الذين كنا في إسكانات داخلية من عصر الجمعة إلى عصر الأربعاء ندرس في فصول حكر على المكفوفين وربما درسَنا مكفوفون.
الثاني توفُّر الصوارف الكثيرة لدَى الطفل الكفيف اليوم من وجوده داخل أسرته وفضائيات الأطفال الناطقة بالعربية والكمبيوترات مختلفة الأحجام التي ربما استخدمها إخوته واستطاع سماع شيء يسرّهم؛ بخلافنا نحن الذين لا نعرف طيلة خمسة أيام من الأسبوع إلا مجموعة من زملاء إعاقتنا ولا نعرف إلا قناء تلفزيونية واحدة تأتينا بأفلام كارتون غير مدبلجة, والكمبيوتر لا نكاد نسمع به حتى في الدوائر الحكومية.
الثالث ربما كان هذا الكفيف الصغير وحيدا في برنامج الدمج فلا تتحقق بذلك المنافسة؛ بخلاف المَعاهد التي قد يصل عدد طلاب الفصل الواحد إلى عشرة.
الرابع عزوف الطلاب بشكل عام عاديهم وكفيفهم عن القراءة؛ فتحقُق التواصل مع الخط البارز شبه منعدمة.
الخامس بيئة المَعاهد "برايل في برايل"؛ ففيها كتب بارزة متناثرة وصحف حائطية ودوريات شهرية وفصلية تأتي مكتبات المَعاهد من داخل المملكة وخارجها؛ أما هذا الكفيف اليوم؛ فليس أمامه في غير حصص الدمج إلا السبورة وطرق العرض البصرية التي تبقيه في عزلة عن واقعه.
السادس بقاء الكفيف في أسرته لا يهيئ له استرجاع ما تعلمه لاختلاف وسيلة التلقي؛ إذ إن الإسكانات الداخلية البادئة في الانقراض هيأت للكفيف قديما استرجاع المعلومات وإمكانية مساعدة الآخرين له.
وقبل مواصلة الحديث عن هذا الموضوع الغاية في الأهمية لا بد من تصحيح مفهومين قد يتبادران إلى الذهن هما: أن التعليم قديما أفضل, وأن الدمج تجربة فاشلة!.
أنا أقولها -بصراحة مُرة-: لو توفرتْ لنا من الإمكانات ما يتوفر لزملاء إعاقتنا الآن؛ لكان أداؤنا أفضل وأسرع وأبقى, وبصراحة أكثر مرارة أقول: جربتُ الغربة فكنتُ لا أنام الليل, وعانيت من تجاوزات المشرفين في حقي ولم يكن لديّ جهة تنصفني سريعا؛ لذلك بات الدمج حلُما أشبه بطوق النجاة.
وعودة إلى برايل الآن لنعترف أن قارئات الشاشة سحبت البساط من تحت أقدام الخط البارز؛ ولا سيما لدَى المكفوفين ذوي الذاكرات السمعية. كما أسهم قرار التربية الخاصة باعتماد الاختبارات الشفوية للطلاب الذين يتعذر عليهم لظروف قاهرة قراءة الخط البارز أسهم في عدم اهتمام أركان العملية التعليمية حتى المَعاهد بإجادة الطفل الكفيف للخط البارز, إضافة إلى عدم خدمة الخط إعلاميا ليعرف أولياء الأمور أهمية هذا الخط كما هو الحادث في لغة الإشارة.
أنا لا أستغرب الدراسات التي تؤكد أن الخط البارز "برايل" لا يحظى باستخدام كثير من المكفوفين في أمريكا مثلا؛ لكن برايل في حياة الكفيف المسلم مهم جدا؛ إذ كيف له أن يقرأ المصحف الذي تعَدّ تلاوته عبادة, إضافة إلى أن برايل سيعين من شاء منهم أن يكون خطيبا مصقعا؛ لذلك لا مناص لمن أراد أن يقترب من ربه ثم مجتمعه -إن امتلك أدواته الحسية- من إتقان برايل, وهنا يكمن التحدي الذي يبدأ بمرحلته الصعبة جدا منذ الصغر.
بناء على ذلك -ومن واقع تجربتي في تعليم صغار المكفوفين وكبارهم أقترح مجموعة حلول لا يغْني أحدها عن الآخر ومن السهل جدا تطبيقها, وهي:
أولا: لا يجوز تطبيق أي من برامج الدمج للمكفوفين إلا بعد خضوع مدير المدرسة وأحد الوكلاء والمرشد الطلابي وأمين المكتبة لدورة في إجادة خط برايل مع إقامة اختبارات سنوية مقننة لضمان استمرارية برنامج الدمج في المدرسة؛ كي يجد المعلم من يراقبه داخليا, وليمكن للكفيف الصغير من الحصول على مزيد من تقدير الذات عندما يرى أداءَه المدير أو أي من مسؤولي المدرسة الذين يتقاضون بدل التربية الخاصة شهريا, وليتمكن أمين المكتبة من إنشاء جناح جيد فيه بعض الكتب والوسائل البارزة, ويقدّمها للطفل متى احتاج إليها.
ثانيا: يجب إعطاء أولياء الأمور دورات في مبادئ الخط البارز, كما هو منتشر في شأن لغة الإشارة؛ ليجد الطفل من يعتني به في البيت, ولكي لا ينسى الطريقة إبان الإجازات الطويلة, وهذا ما يعانيه معلمو الفصول الأولية, ويمكن إقامة دورات نسائية, وهذا أنفع للطفل الكفيف القريب إلى أمه أكثر.
ثالثا: من غير المعقول إذا لم يُجِد الطفل الكفيف مبادئ برايل بعد أسبوعين أو حتى شهرين أن نحكم عليه بأنه لن يجيد برايل أبدا؛ ولكن لا بد من استحداث لجنة متخصصة تكشف على الطفل وتقَيِّم حاسة اللمس لديه وتجري له اختبارات الذكاء الملائمة, ثم تصدر حكمها الملزم, وليتحملْ كلٌّ مسؤوليته.
رابعا: من الأعاجيب الكبرى أنه يُمنع الطفل الكفيف من تسلُّم آلة بيركينز تعينه على أداء واجباته؛ إذ كيف له أن يتعلم القراءة في المدرسة ويراجعها في البيت ويكتفي بالكتابة في الفصل فقط, نَعم, إن كلفة الآلة مرتفعة جدا ويُخشَى عليها من عبَث الطفل أو عبَث إخوته؛ ولكن يمكن أخذ التعهدات الملزمة لولي الأمر أثناء إقامة دورات برايل السالفة الذِكر بضرورة الحفاظ عليها والتعويض عنها حال تلفها.
خامسا: تفتقر مكتبتنا المحلية البارزة إلى إنتاج كتب ذات جمل مسلية قصيرة من وحي الأشخاص الكارتونية التي يتابعها الطفل الكفيف بأذنه ويتخيلها فيها رسومات نافرة توضيحية -كما هو موجود في مصر مثلا-, تقرّب الطريقة إلى قلب الطفل الصغير وتمكّن الأسرة من مشاركته الاستمتاع بها, ولكن اسمحوا لي أن أقول: إذا كانت التربية الخاصة تعجز عن طباعة الكتب المنهجية؛ فكيف لها تحقيق هذا المطلب مع يسرِه؟!.
إنه ما لم يُلتفت بطريقة علمية إلى واقع أبنائِنا المكفوفين مع برايل؛ فلا ننتظر من برايل أن يقترب منهم, سيبطن الطفل الكفيف سخطا على واقعه ومحيطه, وسيعاني كل من لديه ذاكرات غير سمعية من صعوبات في الحصول على الدرجات التي يستحقها, وسيتحول الفصل إلى كتاتيب قديمة مع غياب الحنابل, وستصبح برامج الدمج مقبرة للمواهب, وسيعيش مباشرو عملية تعليم المكفوفين الصغار زمن بيات وظفي ربما طاااااااال حتى يصير هو الأصل -عياذا بالله-.
أحدها انتشار برامج الدمج التي تمكنه منالدراسة قريبا من بيته في بيئة ملأى بالطلبة العاديين؛ بخلافنا نحن الذين كنا في إسكانات داخلية من عصر الجمعة إلى عصر الأربعاء ندرس في فصول حكر على المكفوفين وربما درسَنا مكفوفون.
الثاني توفُّر الصوارف الكثيرة لدَى الطفل الكفيف اليوم من وجوده داخل أسرته وفضائيات الأطفال الناطقة بالعربية والكمبيوترات مختلفة الأحجام التي ربما استخدمها إخوته واستطاع سماع شيء يسرّهم؛ بخلافنا نحن الذين لا نعرف طيلة خمسة أيام من الأسبوع إلا مجموعة من زملاء إعاقتنا ولا نعرف إلا قناء تلفزيونية واحدة تأتينا بأفلام كارتون غير مدبلجة, والكمبيوتر لا نكاد نسمع به حتى في الدوائر الحكومية.
الثالث ربما كان هذا الكفيف الصغير وحيدا في برنامج الدمج فلا تتحقق بذلك المنافسة؛ بخلاف المَعاهد التي قد يصل عدد طلاب الفصل الواحد إلى عشرة.
الرابع عزوف الطلاب بشكل عام عاديهم وكفيفهم عن القراءة؛ فتحقُق التواصل مع الخط البارز شبه منعدمة.
الخامس بيئة المَعاهد "برايل في برايل"؛ ففيها كتب بارزة متناثرة وصحف حائطية ودوريات شهرية وفصلية تأتي مكتبات المَعاهد من داخل المملكة وخارجها؛ أما هذا الكفيف اليوم؛ فليس أمامه في غير حصص الدمج إلا السبورة وطرق العرض البصرية التي تبقيه في عزلة عن واقعه.
السادس بقاء الكفيف في أسرته لا يهيئ له استرجاع ما تعلمه لاختلاف وسيلة التلقي؛ إذ إن الإسكانات الداخلية البادئة في الانقراض هيأت للكفيف قديما استرجاع المعلومات وإمكانية مساعدة الآخرين له.
وقبل مواصلة الحديث عن هذا الموضوع الغاية في الأهمية لا بد من تصحيح مفهومين قد يتبادران إلى الذهن هما: أن التعليم قديما أفضل, وأن الدمج تجربة فاشلة!.
أنا أقولها -بصراحة مُرة-: لو توفرتْ لنا من الإمكانات ما يتوفر لزملاء إعاقتنا الآن؛ لكان أداؤنا أفضل وأسرع وأبقى, وبصراحة أكثر مرارة أقول: جربتُ الغربة فكنتُ لا أنام الليل, وعانيت من تجاوزات المشرفين في حقي ولم يكن لديّ جهة تنصفني سريعا؛ لذلك بات الدمج حلُما أشبه بطوق النجاة.
وعودة إلى برايل الآن لنعترف أن قارئات الشاشة سحبت البساط من تحت أقدام الخط البارز؛ ولا سيما لدَى المكفوفين ذوي الذاكرات السمعية. كما أسهم قرار التربية الخاصة باعتماد الاختبارات الشفوية للطلاب الذين يتعذر عليهم لظروف قاهرة قراءة الخط البارز أسهم في عدم اهتمام أركان العملية التعليمية حتى المَعاهد بإجادة الطفل الكفيف للخط البارز, إضافة إلى عدم خدمة الخط إعلاميا ليعرف أولياء الأمور أهمية هذا الخط كما هو الحادث في لغة الإشارة.
أنا لا أستغرب الدراسات التي تؤكد أن الخط البارز "برايل" لا يحظى باستخدام كثير من المكفوفين في أمريكا مثلا؛ لكن برايل في حياة الكفيف المسلم مهم جدا؛ إذ كيف له أن يقرأ المصحف الذي تعَدّ تلاوته عبادة, إضافة إلى أن برايل سيعين من شاء منهم أن يكون خطيبا مصقعا؛ لذلك لا مناص لمن أراد أن يقترب من ربه ثم مجتمعه -إن امتلك أدواته الحسية- من إتقان برايل, وهنا يكمن التحدي الذي يبدأ بمرحلته الصعبة جدا منذ الصغر.
بناء على ذلك -ومن واقع تجربتي في تعليم صغار المكفوفين وكبارهم أقترح مجموعة حلول لا يغْني أحدها عن الآخر ومن السهل جدا تطبيقها, وهي:
أولا: لا يجوز تطبيق أي من برامج الدمج للمكفوفين إلا بعد خضوع مدير المدرسة وأحد الوكلاء والمرشد الطلابي وأمين المكتبة لدورة في إجادة خط برايل مع إقامة اختبارات سنوية مقننة لضمان استمرارية برنامج الدمج في المدرسة؛ كي يجد المعلم من يراقبه داخليا, وليمكن للكفيف الصغير من الحصول على مزيد من تقدير الذات عندما يرى أداءَه المدير أو أي من مسؤولي المدرسة الذين يتقاضون بدل التربية الخاصة شهريا, وليتمكن أمين المكتبة من إنشاء جناح جيد فيه بعض الكتب والوسائل البارزة, ويقدّمها للطفل متى احتاج إليها.
ثانيا: يجب إعطاء أولياء الأمور دورات في مبادئ الخط البارز, كما هو منتشر في شأن لغة الإشارة؛ ليجد الطفل من يعتني به في البيت, ولكي لا ينسى الطريقة إبان الإجازات الطويلة, وهذا ما يعانيه معلمو الفصول الأولية, ويمكن إقامة دورات نسائية, وهذا أنفع للطفل الكفيف القريب إلى أمه أكثر.
ثالثا: من غير المعقول إذا لم يُجِد الطفل الكفيف مبادئ برايل بعد أسبوعين أو حتى شهرين أن نحكم عليه بأنه لن يجيد برايل أبدا؛ ولكن لا بد من استحداث لجنة متخصصة تكشف على الطفل وتقَيِّم حاسة اللمس لديه وتجري له اختبارات الذكاء الملائمة, ثم تصدر حكمها الملزم, وليتحملْ كلٌّ مسؤوليته.
رابعا: من الأعاجيب الكبرى أنه يُمنع الطفل الكفيف من تسلُّم آلة بيركينز تعينه على أداء واجباته؛ إذ كيف له أن يتعلم القراءة في المدرسة ويراجعها في البيت ويكتفي بالكتابة في الفصل فقط, نَعم, إن كلفة الآلة مرتفعة جدا ويُخشَى عليها من عبَث الطفل أو عبَث إخوته؛ ولكن يمكن أخذ التعهدات الملزمة لولي الأمر أثناء إقامة دورات برايل السالفة الذِكر بضرورة الحفاظ عليها والتعويض عنها حال تلفها.
خامسا: تفتقر مكتبتنا المحلية البارزة إلى إنتاج كتب ذات جمل مسلية قصيرة من وحي الأشخاص الكارتونية التي يتابعها الطفل الكفيف بأذنه ويتخيلها فيها رسومات نافرة توضيحية -كما هو موجود في مصر مثلا-, تقرّب الطريقة إلى قلب الطفل الصغير وتمكّن الأسرة من مشاركته الاستمتاع بها, ولكن اسمحوا لي أن أقول: إذا كانت التربية الخاصة تعجز عن طباعة الكتب المنهجية؛ فكيف لها تحقيق هذا المطلب مع يسرِه؟!.
إنه ما لم يُلتفت بطريقة علمية إلى واقع أبنائِنا المكفوفين مع برايل؛ فلا ننتظر من برايل أن يقترب منهم, سيبطن الطفل الكفيف سخطا على واقعه ومحيطه, وسيعاني كل من لديه ذاكرات غير سمعية من صعوبات في الحصول على الدرجات التي يستحقها, وسيتحول الفصل إلى كتاتيب قديمة مع غياب الحنابل, وستصبح برامج الدمج مقبرة للمواهب, وسيعيش مباشرو عملية تعليم المكفوفين الصغار زمن بيات وظفي ربما طاااااااال حتى يصير هو الأصل -عياذا بالله-.
تستحق النشر
ردحذفأشكر لك أخي أحمد اطلاعك وإشادتك الجميلة
ردحذف