المتابعون

الثلاثاء، 9 يونيو 2015

أب كفيف ... ؛ مواقف ، ووقفات


حدثني مَن لا أتهم - وهو أب #كفيف - قائلا :
  " كنت أعلِّم أولادي أن يسبّحوا الله إذا نزلوا ويكبّروه - تعالى - إذا صعِدوا ، فجاءني ولدي الصغير يسألني سؤالا كان أخوه الأكبر قد سأله إياه ، كان السؤال صادما وهو : ماذا لو سقط - يعني أباه الأعمى - في حفرة فهل سيسبّح الله ؟ ! "
  أضاف مَ ن لا أتهم قائلا :
  " لم أجد جوابا عن هذا الإيراد أو تخريجا مناسبا لمثل هذا الموقف ! "
  لن أقف طويلا عند هذا السؤال ؛ ولكن لعل مبعثه من السيناريو الذي وضعه ذلك الولد في مخيلته : رجل أعمى يمشي ويمشي ويمشي ... فجأة ؛ تحتضنه تلك الحفرة الغادرة ! ، من عادته أن يسبّح الله إذا نزل ؛ ولكن هنا هبوط ، انحدار شديد ، سقوط ، هَوِيّ ... سمِّه ما شئت ؛ هل ستَعقد المفاجأة لسانه عن التسبيح ؟ ! ، إن تذكّرَ ؛ فمتى سيسبّح ؛ هل أثناء الهوِيّ ، أم بعد الوصول إلى الأرض ؟ ! ، هل سيتوقف قليلا ليتألم أم أنه سيتحامل على نفسه ويسبّح ؟ !
  على أية حال ؛ سأفترض براءة الأطفال في هذا السؤال الغريب ولن ألوم الولد الأصغر على حيرته ؛ لكني أمام إشكال كبير يعاني منه بصمت واستحياء الآباء المكفوفون - ولا سيما الجدد منهم - وهو أن أكثرنا لم يسوِّق نفسه كما ينبغي عند أولاده ، لم يجعلهم يعيشونه حياة وحبا ومبعث فخر ! ، أسأل : أين المشكلة ؟ ، هل فينا نحن الآباء المكفوفين أم في أزواجنا أم في مجتمعنا ؟ ! ، أين بالضبط ؟ !
  يخبرني مَن لا أتهم أن أكثر من ولد له كان يأتيه من المدرسة فيخبره أن زملاءه يقولون له : " أبوك أعمى " ، وكان يردُّ عليهم بأن يتجاهلهم أحيانا ، وأحيانا يردُّ عليهم ردا يناسب عمره ومداركه فيقول : " عادي ، أصلا ربي يحبه وإنْ لا ما كان أعماه " !
  لكن لو سأله أحدهم : " يعني ربنا ما يحبنا فجعلنا مبصرين " ؟ ! ، هذا هو السؤال الأصعب !
  ماذا يراد منا نحن المكفوفين الآباء ؟ ! : هل لا بد أن نحتجب فلا نحضر ملتقيات أولادنا أو الأسابيع التمهيدية في مدارسهم ؛ كي لا نحرجهم مع زملائهم ، ولعل بعضهم يحس بشيء من النقص ؛ فآباء زملائه يأتون إليهم وهم يقودون سياراتهم ، وهذا يأتي المدرسة ومعه مَن يقوده ! ، وإذا قيل : " إن أكثر الناس يأتون بسائقين الآن " ، هذا صحيح ولكنهم يأتون بالسائق إما وجاهة أو تعويضا عن انشغالات الآباء ، أما نحن فاضطرارا .
  وأنتقل إلى الشارع لأسأل : " كم من الأسئلة التي يواجهها أولاد المكفوفين من أقرانهم ؟ ! ، وهل يعانون من صعوبة في انشغالهم بقيادة أبيهم الأعمى ؟ ! ، هل من السهل أن يتأثر الأولاد بتسويلات المنحرفين أو توهيمات الجهلاء ؟ ! " .
  لا أكتمكم سرا أني سمعت عن أحداث عقوق من أولاد آباؤهم عميان ! ، لا عجب هنا ؛ ففكرتنا عن الأب أنه متسلط وقوي ؛ لكن ما حيلة هذا الأب الأعمى بعد أن كبر أولاده ؛ فليس قادرا على مراقبة سلوكاتهم فضلا عن تقويمها كلاما بعيدا عن الضرب !
  يحضرني هنا سؤال سأله أحدهم لأبي العيناء - وكان أعمى - : " ما أشد ما يعانيه الأعمى " ، فقال : " أن تتحدث إلى أحدهم فيقوم عنك وأنت لا تدري " ! ، وهذا ما يفعله بعض الأولاد مع آبائهم المعاقين بصريا !
  السؤال الكبير هنا : أين دور الأم - وهي الأقرب إلى أولادها - ؛ ألا يفترَض أن تجسر الهوة بين مبصر مقبل على الحياة بقوة وبين زوج وأب يرغب في أن يواصل دوره أبا ناجحا ؟ ! ، نحن فقدنا الأمل في الإعلام الذي صورنا سوبرمانات نجترح العجائب أو شحاذين أو لا قيمة لنا أو أحيانا محتالين ، فقدنا الأمل من مجتمع لا يزال ينظر إلى المعاق وكأنه ينظر إلى كوكب مبهم العلائم فإما أن يخافه أو يشفق عليه أو يتجاهله ! ، أملنا بعد الله في أسرة عرفت المعاق عن قرب وعلمتْ أن مشكلته فقط أنه لا يرى ولكنه يفكر ويخطط ويشير برأي ربما كان الأصوب .
  ليست المشكلة في انطفاء نور العينين - على الرغم من أهميتها - ؛ ولكن المشكلة الكبرى التي تزيد من الألم هي انطفاء نور الفكر تجاهنا ، وانطفاء نور القلوب الطيبة التي تستوعبنا ، وانطفاء نور الأقلام التي كان الأوجب عليها أن تقربنا من غيرنا ، وانطفاء نور الأنظمة التي لم تُخرجنا من بعض عزلتنا لنكون أكثر فاعلية بين الآخرين ؛ فعلى سبيل المثال ؛ أليس للمكفوفين الصغار حظ في اللعب علنا ؟ ! ، أليس لنا - نحن الكبار - حظ في أن نزور المدارس لنعرفهم بنا ؟ ! ؛ فلا يجرؤ أحد أن يسأل أولاد المكفوفين مثل تلك الأسئلة البريئة أو أن ينظر إليه نظرة انتقاص وليمكن للمدرسة معاقبة مَن يتطاول عليهم ؛ كيف لا وقد عرفوا : مَن هو الأب الكفيف ؟ !
  إزاء ذلك كله لا أملك أنا وغيري إلا أن نردد بكل واقعية ورجاء : " ألا إن سلعة الله غالية ! ، ألا إن سلعة الله هي الجنة ! ، إنا لواثقون بضمان الله لنا [ إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب ] ، [ ربنا أفرغ علينا صبرا ] " .

      كتبه الأب الأعمى أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني

هناك تعليقان (2):

  1. اتوقع الآن بات الجيل الجديد يتفهم الأعمى

    ردحذف
  2. الله كريم، أتمنى يتفهمونه ويعذرونه وينصفونه، شكرا لاهتمامك وتعليقك الجميل أخي أحمد.

    ردحذف