المتابعون

السبت، 22 أغسطس 2015

الأستاذ طلعت

   جميلٌ أن تستعيد الذكريات فتبرق كأنها مرآة تعيد عرْض لقطات من الزمن الأجمل في حياتك ولكن بالألوان موشاة بترجمة فورية تعكس مفاعيلها على واقعك أيا كان لونه؛ لعلنا ننُخْرج مشهدا جديدا في حياتنا بالطريقة التي نرتضيها!
 سأعود بذاكرتي معكم إلى خمس وثلاثين سنة حينما كنت في الصف الخامس الابتدائي، كنتُ في السكن الداخلي، وكان النظام ينص على تقسيم الطلاب المقيمين في السكن على المشرفين مع الأخذ في الاعتبار المرحلة السنية؛ فالسكن كان يضم طلابا من ست سنوات إلى سِنٍّ قريبٍ من الأربعين؛ لأن بعض المكفوفين لم تتهيأ لهم فرص الدراسة مبكرا بسبب عدم افتتاح السكن!
كان عمري آنذاك اثنتي عشرة سنة، وقد أشرف علينا تلك السنة وللسنة الثانية على التوالي الأستاذ طلعت وهو أزهري، هذا الأستاذ أول مَن أنشأ حلقة لتحفيظ القرآن في السكن عام ألف وأربعمئة الهجري محتسبا بجهود شخصية، كان يجمعنا في مصلى السكن ويُقرئنا، هو أول مَن أخذ طلاب السكن إلى الحرم المكي الشريف حيث كان المسؤولون هناك يقيمون كل جمعة نشاطا أَشْبَهَ بمقرأة للاستماع إلى نماذج من التلاوات في الدور الثاني من الحرم، وأذكر أني تلوت هناك سورة المرسلات بحضور الشيخ الدكتور محمد الغزالي يرحمه الله.
 ولا زلت مع الأستاذ طلعت الذي كان سريع الغضب إلا في تدريس القرآن فكان يتحملنا كثيرا.
 أذكر أنه دائما ما كان يمازحنا إذا عطسنا فيقول عند تشميتنا -على طريقة الأزهريين الذين يحبون السجع الفصيح-: "يرحمك الذي عَطَّسَك ولو شاء لَفَطَّسَك"، كنا مرة نشرب الشاي كدأب نظام السكن عصر كل يوم، عطس الأستاذ طلعت فشمّته كل زملائي بقولهم المسنون المعروف: "يرحمك الله"؛ إلا أنا فقد قلت له مقتديا به: "يرحمك الذي عَطَّسَك ولو شاء لَفَطَّسَك"، غضب الأستاذ طلعت علي فهوى على رأسي وصدري ضاربا دون أن يبدي سببا لغضبه، وزملائي ساكتون، وأنا -في تلك الفترة- لا أدري ما سبب غضبه المفاجئ!، كنت أظن أني أتيت بما لم تستطعه الأوائل، كنت أنتظر منه أن يبتسم كما كنا نبتسم إذا رددها في أسماعنا!، على أية حال؛ كان زملائي أكبر مني سنا ويبدو أنهم يعرفون معنى كلمة "فَطَّسَك" وهو "أماتك"، أهي مصيبة أن تُذَكِّرَ كبيرا بقدرة الله على إماتته!؟، لكن إن كانت هذه مصيبة أو قلة احترام؛ فلماذا كان يقولها لنا!؟
 هذا جزاء مَن يستبدل بسُنّة النبي -صلى الله عليه وسلم- سُنّة شخص آخر ولو كان أستاذا له، ولكن مهلا، لا تقُلْ لأولادك أو طلابك -ولا سيما الصغار المقتدين بك في أقوالك وأفعالك- كلمة لا تحب أن تسمعها منهم، ولا تعاقب أحدا على ذنب ما لم تخبره بذنبه.
 مرت السنون، وقبل أربع سنوات تقريبا اتصلت بالأستاذ طلعت في بيته بمركز ديروط محافظة أسيوط في صعيد مصر بعد ثلاثين سنة من افتراقنا، أنا أحفظ اسمه الثلاثي فطلبت رقمه من استعلامات الدليل المصري، بالتأكيد لم يعرفني لتغير صوتي وطريقة كلامي المتعقلة بعد ذلك البَلَه والتسرُّع الصبيانيين، عرَّفْتُه بنفسي وذكَّرتُه بأيامنا، فتذَكَّرَني ولكنه قال مُدَلِّلا على تذَكُّره إياي: "القصير؟"، وذلك لأني كنت قصيرا ونحيفا يتأرجح وزني في العشرينات، الغريب أن الأستاذ طلعت لم يجد شيئا يتذكرني به إلا أني كنت قصيرا!، الحمد لله أنه لم يتذكرني بشيء مسيء.
 يظل الأستاذ طلعت -حفظه الله- نجما لامعا في مرحلة تَغَرُّبي أحالتها إلى ذهبية لامعة بالقرآن الكريم والصلاة في المسجد الحرام التي كانت حُلُما لنا على الرغم من وجودنا في مكة!

     صفحة من الذكرى أطلعكم عليها أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.


         صباح الثلاثاء 10/2/1436 هـ، الموافق 2/12/2014 مـ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق