قبل ما يزيد على عشرين عاما - ونحن في الجامعة - حدثني أحد زملائي ممن لا أتهمه نقلا عن أحد أساتذتنا وهو ينقل بِدَوره عن أحد تلاميذه الذي صار أستاذا لنا أي زميلا للأستاذ المتحدث إلى زميلي الطالب، أعلم أنها أحجية أَشبه بلعبة الدويخا؛ ولكن ستتبين أطراف هذه الحكاية تماما بعد قليل، والآن عودة إلى حديث زميلي - آنذاك - عن الأستاذ المتحدث عن أستاذ آخر كان متتلمذا عليه، قال زميلي:
إنه لما كان في قاعة المحاضرة أخبرهم أستاذهم عن زميله الذي كان تلميذا له بأن هذا التلميذ الذي تحول إلى أستاذ اعترف له أنه غش في الاختبار عنده .
هنا انتهت الحكاية، وأقفل المقال على وقفات جديرة بالتأمل:
1 - لا أستطيع أبدا أن أنعت أستاذي المتحدث أو تلميذه المعترف بالعفوية أو سلامة المقصد؛ وهذا ليس قلة أدب مني؛ ولكنها تأملات في نفس الإنسان التي تبقى نفسا مَهما علا صاحبها علما وجاها ومنصبا أو دنا، المعَوَّل عليه هو ترويض هذه النفس. أظن أن تلميذ الأستاذ الكبير المعترِف له كان متضايقا من شدة ذلك الأستاذ أثناء المحاضرات ومن صعوبة أسئلة الاختبار، وربما كان بينهما موقف ما، ليس جديدا أن يغش تلميذ عند أستاذه؛ ولكن الجديد أن يجد من نفسه جرأة فيعترف بغشه بعد أن بات زميلا له!، لعلها شهوة النَيل - ولا أرغب في استخدام تعابير أُخرى -، ثم إن هناك رسالة خفية أراد إيصالها إلى أستاذه فحواها أنك مهما اجتهدت في مراقبتنا أثناء الاختبار ومهما حاولت تعقيدنا وربما عرقلتنا فإن لدينا من الحيل ما يعطل ذلك كله.
أما الأستاذ الكبير الذي تلقى اعتراف تلميذه؛ فلعله رغب في تحطيم أسطورة هذا الأستاذ الآخر الذي كان يوما ما تلميذا عنده، وهو يريد أن يقول لتلاميذه - الذي كان زميلي من بينهم -: إن أستاذكم فلان كان تلميذا عندي وقد استخدم الغش!. هنا حوَّل الأستاذ الكبير اعتراف تلميذه الذي قصد منه النَيل حوَّله إلى وصمة تظل تلاحقه من خلال نظرة أي تلميذ يتتلمذ على يده، وبالتالي فإن أي تلميذ عنده سيقتدي به في الغش ولعله سيعترف له حين يصير زميلا له في الأستاذية!، كما تدين تدان، أسلوب جديد في الرد يعتمد المقولة البريطانية المعروفة " بطيء ولكن أكيد المفعول "!.
2 - الطالب يظل طالبا مَهما كبرت سنه، وهو يقتات كثيرا في مجلسه مع زملائه على السخرية من الأساتذة واغتيابهم؛ فما الحال عندما ينال كل أستاذ من زميله - ولو كان تلميذا له يوما ما -؟!، إنها وجبة ساخنة لا أظنها تبرد بل وستظل طازجة تلوكها ألسنة وأفكار التلاميذ، زد على ذلك أن الطالب يرى أستاذه أعلى منه قيمة وهامة ومكانة، هنا وفي مثل هكذا مواقف لأسباب مشبوهة تتحطم هذه المكانة، بأي وجه يدخل الأستاذ الغاش على تلاميذه؟!، وكيف سينظرون إليه؟!، وما المُثُل التي ستترسخ منه في أذهان تلاميذه؟!، لقد أشعل هذا المعترف بغشه نارا اصطلى بها بعد أن لسعت قليلا كبرياء أستاذه الأول!، والمستمتعون بالطاقة التي أنتجتها النار هم التلاميذ فقط!.
3 - لتسير عجلة التعليم أيا كان مستواها أو محتواها فإني أقترح على المسؤولين في سياسة التعليم العليا هنا وفي كل العالم أن يحرصوا على ألا تُعَيِّن أستاذا في مدرسة أو كلية فيها أستاذ سابق له؛ فالتلميذ - في أكثر الأحيان - ستنازعه نفسه بعد استحضار أسوأ ما كان بينه وبين أستاذه إلى النَيل منه، كل بحسب قدرته. ولعل وجود تقانة المكننة ستمكنهم من معرفة أين درس هذا وأين يُدرِّس ذاك. فإن أراد تلميذ ما النَيل من أستاذه فهناك طرق أخرى بعيدا عن الصرح الأكاديمي، ولن يعدم حيلة، فما أكثر ما ضُرب أستاذ خارج وداخل مدرسته أو كليته ربما حتى الموت!. كما أقترح على المسؤولين ألا تسقط جريمة الغش بالتقادم، وهنا الاعتراف سيد الأدلة، ماذا لو اعترف طبيب أمام أستاذه بالغش؟!، وما الذي يضمن ألا يكون قد احترف الغش في أكثر من مادة؟!، وقُل مثل ذلك في القضاء والهندسة الإنشائية وكل ما له علاقة بسلامة البشر وأمنهم. كما أقترح أخيرا أن يُمنع تماما الحديث عن أي أستاذ بما ينال من شرف أستاذيته أمام التلاميذ حرصا على مكانة المعلم كمعلم بعيدا عن الأسماء.
وختما؛ فإن العملية التعليمية سلسلة من ذهب تعمل على رفع مستوى البشرية إلى الأمة الخيِّرة؛ ولا يجوز تحت أي طائل قطْع هذه السلسلة أو إضعاف جزء منها.
كتبه التلميذ أبو الليثِ عبد العزيزِ بن صالحٍ الحَسَنيُ الزَهراني .
إنه لما كان في قاعة المحاضرة أخبرهم أستاذهم عن زميله الذي كان تلميذا له بأن هذا التلميذ الذي تحول إلى أستاذ اعترف له أنه غش في الاختبار عنده .
هنا انتهت الحكاية، وأقفل المقال على وقفات جديرة بالتأمل:
1 - لا أستطيع أبدا أن أنعت أستاذي المتحدث أو تلميذه المعترف بالعفوية أو سلامة المقصد؛ وهذا ليس قلة أدب مني؛ ولكنها تأملات في نفس الإنسان التي تبقى نفسا مَهما علا صاحبها علما وجاها ومنصبا أو دنا، المعَوَّل عليه هو ترويض هذه النفس. أظن أن تلميذ الأستاذ الكبير المعترِف له كان متضايقا من شدة ذلك الأستاذ أثناء المحاضرات ومن صعوبة أسئلة الاختبار، وربما كان بينهما موقف ما، ليس جديدا أن يغش تلميذ عند أستاذه؛ ولكن الجديد أن يجد من نفسه جرأة فيعترف بغشه بعد أن بات زميلا له!، لعلها شهوة النَيل - ولا أرغب في استخدام تعابير أُخرى -، ثم إن هناك رسالة خفية أراد إيصالها إلى أستاذه فحواها أنك مهما اجتهدت في مراقبتنا أثناء الاختبار ومهما حاولت تعقيدنا وربما عرقلتنا فإن لدينا من الحيل ما يعطل ذلك كله.
أما الأستاذ الكبير الذي تلقى اعتراف تلميذه؛ فلعله رغب في تحطيم أسطورة هذا الأستاذ الآخر الذي كان يوما ما تلميذا عنده، وهو يريد أن يقول لتلاميذه - الذي كان زميلي من بينهم -: إن أستاذكم فلان كان تلميذا عندي وقد استخدم الغش!. هنا حوَّل الأستاذ الكبير اعتراف تلميذه الذي قصد منه النَيل حوَّله إلى وصمة تظل تلاحقه من خلال نظرة أي تلميذ يتتلمذ على يده، وبالتالي فإن أي تلميذ عنده سيقتدي به في الغش ولعله سيعترف له حين يصير زميلا له في الأستاذية!، كما تدين تدان، أسلوب جديد في الرد يعتمد المقولة البريطانية المعروفة " بطيء ولكن أكيد المفعول "!.
2 - الطالب يظل طالبا مَهما كبرت سنه، وهو يقتات كثيرا في مجلسه مع زملائه على السخرية من الأساتذة واغتيابهم؛ فما الحال عندما ينال كل أستاذ من زميله - ولو كان تلميذا له يوما ما -؟!، إنها وجبة ساخنة لا أظنها تبرد بل وستظل طازجة تلوكها ألسنة وأفكار التلاميذ، زد على ذلك أن الطالب يرى أستاذه أعلى منه قيمة وهامة ومكانة، هنا وفي مثل هكذا مواقف لأسباب مشبوهة تتحطم هذه المكانة، بأي وجه يدخل الأستاذ الغاش على تلاميذه؟!، وكيف سينظرون إليه؟!، وما المُثُل التي ستترسخ منه في أذهان تلاميذه؟!، لقد أشعل هذا المعترف بغشه نارا اصطلى بها بعد أن لسعت قليلا كبرياء أستاذه الأول!، والمستمتعون بالطاقة التي أنتجتها النار هم التلاميذ فقط!.
3 - لتسير عجلة التعليم أيا كان مستواها أو محتواها فإني أقترح على المسؤولين في سياسة التعليم العليا هنا وفي كل العالم أن يحرصوا على ألا تُعَيِّن أستاذا في مدرسة أو كلية فيها أستاذ سابق له؛ فالتلميذ - في أكثر الأحيان - ستنازعه نفسه بعد استحضار أسوأ ما كان بينه وبين أستاذه إلى النَيل منه، كل بحسب قدرته. ولعل وجود تقانة المكننة ستمكنهم من معرفة أين درس هذا وأين يُدرِّس ذاك. فإن أراد تلميذ ما النَيل من أستاذه فهناك طرق أخرى بعيدا عن الصرح الأكاديمي، ولن يعدم حيلة، فما أكثر ما ضُرب أستاذ خارج وداخل مدرسته أو كليته ربما حتى الموت!. كما أقترح على المسؤولين ألا تسقط جريمة الغش بالتقادم، وهنا الاعتراف سيد الأدلة، ماذا لو اعترف طبيب أمام أستاذه بالغش؟!، وما الذي يضمن ألا يكون قد احترف الغش في أكثر من مادة؟!، وقُل مثل ذلك في القضاء والهندسة الإنشائية وكل ما له علاقة بسلامة البشر وأمنهم. كما أقترح أخيرا أن يُمنع تماما الحديث عن أي أستاذ بما ينال من شرف أستاذيته أمام التلاميذ حرصا على مكانة المعلم كمعلم بعيدا عن الأسماء.
وختما؛ فإن العملية التعليمية سلسلة من ذهب تعمل على رفع مستوى البشرية إلى الأمة الخيِّرة؛ ولا يجوز تحت أي طائل قطْع هذه السلسلة أو إضعاف جزء منها.
كتبه التلميذ أبو الليثِ عبد العزيزِ بن صالحٍ الحَسَنيُ الزَهراني .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق