لا يكاد يمر يوم إلا وتصافح الأنظار نصا مكتوبا قبل أن تستقبله الأعين محتوى ماثلا يترجمها ! ، تصدرت كافة مواقع التواصل الاجتماعي ! ، اكتسحت وتوجت مواقع الرفع على النت ! ، تداولها الملايين ! ،، حرص على أن يكتبها ويترجمها صورا حية متحركة الآلاف إن لم يكن أكثر ! ، كانت عروس مسامرات المجالس ولا زالت وأظنها ستظل ! ، بحثت عنها الأفكار قبل الأنظار على الشبكات لتشبع فضول الشبكيات ! .
إنها فعل أمر بصيغة الترغيب وإن كان محتواها فيه شيء من التقريع والتهديد والتنفير والترهيب ! ، إنها فعل أمر يحفز عواطفك المتمردة لاكتشاف عوالم أخرى والتسلل إلى انفعالات الآخرين وكأنها أمر إلزامي ؛ فلا خيار للمتلقي !، فعل أمر يجعلك تمتثل راغما راغبا متشوقا قبل أن تقرأه العينان ! ، فعل أمر لذيذ ؛ ولفرط لذته لا تملك نفسك أمام صولة الإيثار فتشارك غيرك معك في الامتثال قبل الائتمار ! ، فعل أمر لطالما بحثنا عنه قبل أن يبحث عنا الآمرون بل ربما رجوناه وأَلْحَحنا عليه أن يتخذنا منفذين مستأمَنين منقادين لفخامته ! ، أربعة أحرف تحتل حجرات القلب الأربع ! ، تحيط به من جهاته الأربع ! ، تزيده حرفا رابعا على كلمة " قلب " ؛ كأنها تردد : [ أنا خير منه ] ! .
إنها فعل أمر ممدود يبعث في النفس رغبة في الامتداد بامتداده !، كلمة " شـاهـد " ، نعم " شـاهـد " ! ، نلمحها فتتعطش جوارحنا وعروقنا ومشاعرنا وأفكارنا إلى أعماق وآفاق وجوانب وحواف وتفاصيل ما بعد الحبيبة الأثيرة " شـاهـد " ! .
القصة تبدأ بموقف يضخم كثيرا! ؛ حادث سيارة ؛ رجل يتشحط في دمه ... بتر أعضاء ... صياح ... علامات فاجعة مصيبة الموت ... تكسير مُتَعَمَّد ... إيذاء وتطاول ... !!! ، وقُل مثل ذلك في حوادث الغرق والاحتراق وموت الفجأة وإِنفاْذ الحدود ... ! ، ، تُستدعى الكاميرا قبل المسعفين ! ، يُحرص على بشاعة المنظر قبل سلامة المتضرر ! ، القلوب تتمنى مزيدا من الإثارة ؛ شخص يَخرُج سالما من حادث ـ أيا كان ـ أمر طَبَعي ، أما أن يتألم أو يتقطع أو يموت بطريقة مختلفة فهو المراد ! ، يصوَّر المقطع ثم تؤلَّف جملة قصيرة عنوانا له تتصدره : " شـاهـد " ! .
من اللطبعي انتهاك خصوصيات الآخرين ! ، ومن الطبعي ربما تأليف الكذبة تلو الكذبة لزيادة الإثارة ! ، ومن الطبعي إقحام المصطلحات الدينية وشعارات القيم الاجتماعية التي لطالما بعُد عنها أكثرنا ؛ فقط لزيادة كميات المشاهدة ! ، أكثرنا أصبح مخرِجا ومصورا وكاتب سيناريو وربما مونتيرا ! ، لم نعد نكتفي بالخدع السينمائية فأصبحت الخدعة والبهتان ولفضح بحجة نشر الفضائل - كل ذلك - أصبح مكونا بارزا في شخصياتنا ! ، كأننا لسنا بعيدين من أن نكون أبطالا لمشهد مماثل يفبركه أحد زائري بلاتوهات الحياة المتناثرة في كل مكان ! ، وكلمة " شـاهـد " تنتظرنا لتبعثر ما تبقى لدينا من كرامة ! .
بكلمة " شـاهـد " نسعى - ولو ظاهريا - إلى تطهير المجتمع من أدران الاستئثار والغفلة ، ما سمعنا بطهارة ينتجها الحديث المستمر عن مَواطن الاتساخ إن وُجدَت ! ، ما سمعنا بطهارة لا يملك الداعي إليها أيسر مقوماتها ؛ أين النجدة والفزعة ؟! أين الستر ؟ ! أين الاتعاظ أولا قبل التجرؤ على إمساك الكاميرا والعمل الدؤوب على توضيح الصورة ؟ ! أين الخوف من الله قبل افتراء الكذبة بتركيب الصور أو بكتابة تعليق يحرف المنظر عن حقيقته ؟ ! أين وأين ... ، الشيء الأوحد الموجود دائما هو " شـاهـد " ! .
وإذا كان مُدَّعو الطهارة أو الإثارة مدينين ؛ فإن ممتلكي المشاهدات وواضعي اللايكات والشيرات مدينون أيضا ! ، إنهم متَوَلّو الكبْر ؛ ليتهم قاطعوا وبرئوا إلى الله - تعالى - من مجرد الحديث عنها فضلا عن النشر والإعجاب والمشاركة ! ، لو لم يكن لأعضاء حزب " شـاهـد " هذا مطَبِّلون لانتهوا عن غيهم ولعرفوا أن الطهارة لا تنبع منهم ؛ فهم مياه آسنة خُلطت بسُم ! ، ولعرفوا أن أبناء الإسلام لا يستثارون بمنظر فاضح لأي شخصية كانت ؛ فهم شُغلوا بإصلاح أنفسهم أولا !
ليتنا عندما نفكر في إنشاء " شـاهـد " أو البحث عنها نشاهد نواينا ، نشاهد قلوبنا ، نفكر في رضا ربنا الأعلم بنوايانا ، نفكر في قدرة رب قلوبنا ورب " شـاهـد " ، نستحضر مشاهد يوم القيامة ؛ حيث تشهد الجوارح على ما اقترفنا ، ولِم لا فَلنضع أنفسنا في مكان كأننا نشاهد الله تعالى ! ، نعم ، أولم يُعَرِّف النبي -صلى الله عليه وسلم- الإحسان في حديث جبريل قائلا : [ أن تعبد الله كأنك تراه ؛ فإن لم تكن تراه ؛ فإنه يراك ] .
إِذَن ، لا لِ " شـاهـد " كما يريدها متولو كِبْرها ، نعم لِ " شـاهـد " إن شاهدنا أنفسنا في مرآة الإسلام !
اللهم اجعلنا جميعا ممن يُقال له عند موته وفي قبره : " شـاهـد " حيث الدار الكرامة في الفردوس الأعلى من الجنة ، فنقول مستبشرين : " رَبِّ : أقم الساعة " ، ولسان حالنا يقول لمن خلفنا : " " شـاهـد يا عبد الله مآلنا عند ربنا واعمل عمَلنا " .
كتبه الشاهد غير المُشاهد أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق