حدث أمس أن بعث مقرب إلي برسالة تحمل خبرا مفاده أن شابا من أبناء قبيلتي وجد حقيبة تزدحم بالسبائك والأوراق النقدية كسرتْ قيمتها حاجز العشرة ملايين ! ، ما كان من هذا الشاب إلا أن سلمها للسُلُطات كاملة ! ، ذُيَّل الخبر بأن الجهات المسؤولة ستقوم بتكريم هذا الملتقِط في قاعة تم تحديدها كما تم تحديد مكان اللقطة في الطائف !
ترددت قبل نشر هذه الرسالة الواتسابية بين المضافين عندي ؛فكأني قد مرت بي رسالة مشابهة مع اختلاف المدينة والقبيلة لكن المبلغ واحد ؛ إلا أنني لثقتي بالمرسل ولعلمي بجديته في الاختيارات ولتأكدي من أنه لا يحب المزاح كثيرا ؛ نشرتها البارحة ! ، وليتني لم أفعل !
فقد جاءتني رسائل تشير إلى أن الخبر متكرر وتستحثني على التأمل ، ولأن المقرب إلي وصلته نسخة من الرسالة المعادة من قِبلي فقد باغتني برسالة مشابهة لشخص من حفر الباطن وجد نفس الحقيبة ، ونصحني ألا أصدق مثل هذه الأخبار !
ومع أني مؤمن تمام الإيمان بالحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : [ كفا بالمرء كذبا أن يُحَدِّث بكل ما سمع ] ، ومع أني أحفظ منذ زمن عجُز البيت الذي قاله المتنبي وهو : " وما آفة الأخبار إلا رواتها " ، ومع أني تريثت ، ومع أن ذاكرتي أبدت قدْرا من التشكك ؛ إلا أني أرسلتها معترفا بغلبة نزعة الفخر بالقبيلة !
إذا كان تأصيل مبدأ مثل التثبت من الخبر قبل إرساله يكون بمبدأ خاطئ فهي مصيبة ! ، كيف أُعَلِّم جاهلا منقبة بخطؤئة ! ؟ ، أمِن المعقول أن أُحَذِر صغيرا غير مميز من النار بإحراقه بها ! ؟ ، كيف يكون المرض دواء ! ؟ ، ما سمعتُ بكذب أصَّل حقيقة !
وإن كان على سبيل المزاح ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ضمن بيتا في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحا فقال : [ أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحا ] ، هذا حديث حسن أخرجه أبو داود عن أبي أمامة ، والمنذري عن معاذ بن جبل ، والطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين .
أمِن المعقول أن أزهد ببيت في وسط الجنة ضمنه لي الصادق المصدوق - عليه الصلاة والسلام - بمزحة سمجة تفيض كذِبا ! ؟ ، أمِن المعقول أن أضحك ساخرا الآن زاهدا في استبشار وضحِك بعطاء الله - تعالى - بعد الموت حيث الفوز الكبير : [ يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضِيع أجر المؤمنين ] " آل عمران ، الآية ١٧١ " !
وهنا سؤال كبير : ما سر تشابه اللقطة مع اختلاف مكانها وهوية الملتقط ؟ !
ألأن الأمانة قلَّتْ بين الناس فبتنا نحوك قصصا من خيالاتنا تحكي شيئا أقرب إلى الانقراض ؟
ألأن أكثرنا لم يجد ما يفاخر به بين الناس بقبيلته إلا هذه الطريقة ؟ ! ، يبدو أننا عجزنا عن اقتناء المزايين والمغاتير والمجاهيم فلجأنا إلى الواتساب وأشباهه مع تمليك مَن نريد السبائك والبانكنوت !
أم لأن نازع الأُخُوّة في الله - تعالى - والانتماء إلى الوطن الواحد انخفض منسوبه فعدنا نبحث عن النسب والمدينة ولو بصور مفبركة ؛ لعلنا نرضي غرور أنفسنا ولو ضحك منا الآخرون ؟ !
أم لأن أفلام الآكشن وتجنيحات المسلسلات جعلتنا نكف عن الحوار ونصنع سيناريو في بلاتوه وهمي يكون البطل واحدا منا وتكون البطلة تِلكم الحقيبة الفاتنة ؟ !
آه منا ! نصطحب الكذب ليعلمنا التثبت ! ، نصطحبه ليؤكد انتماء عجزنا أن نخلص له ونصدق في التشرف بحمل اسمه ! ، نصطحبه ليرسم ابتسامة بيننا في زمن ربما غابت فيه الابتسامة الصادقة ! .
كتبه المضحوك عليه والمغفل لفترة : " أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني "
إيميل :
حسابي على تويتر :
@mr_abulaith
قناتي على يوتيوب :
MrAziz361
حسابي على سكايب:
makka1mokar
بيبي إم
76A8A221
رابط المقال على فيسبوك :

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق