#مقال نشرتُه منذ ستة أشهر حول #حدث أظنه أهم أحداث العام الهجري الماضي:
"يوفق الله عبدَه إلى اختيار الصالح من الأسماء والأفعال، وقد تتدلى خيوط نور من جهات مختلفة سرعان ما تجتمع لتكون نجما عاليا يعز على الآخرين بلوغه، نجما غاليا يعز على أهل الدثور شِراْءه أو اكتراء مثيله، نجما مضيئا تشرئب له الأعناق وتشتاق إليه الأفئدة، نجما حارقا نصال أيدي العابثين ومحاجر الحاسدين، نجما مائسا في فضاء الإبداع يُهدي المتأمل المفكر متعة وأملا.
نعم، كان التوفيق الإلهي حليف اسم "عاصفة الحزم" بكل معطياته وما رافقه من عوامل زمانية ومكانية وحالية وآلية، إنه اسم -وإن أشْبه "عاصفة الصحراء" في أزمة الخليج قبل ربع قرن من الآن-؛ إلا أنه تفَرَّدَ بما يجعله جامعا بين المدلول العسكري الأساس والواقعي الملموس والدرامي ذي الأوجه المتعددة ! ، لا أظن أن واضع الاسم كان لديه الوقت الكافي للتفكير في مزايا الاسم أو تنظيم مسابقة لأفضل اسم وجلْب مُحَكِّمين وصياغة معايير للتسمية وفَرْز الأسماء المقترحة؛ لكنه -وأعيد التكرار- توفيق إلهي، ولله الحمد والمنة .
أنا لا أطرح مقالي هذا دفاعا عن الاسم أو مديحا له -مع أن هذا واجبي وأفاخر به-؛ ولكن مع تَتَبُّع هذه التأملات سنكتشف سويا عجائب هذا التعبير الأثير، ولا يعنيني مَن يقول إنني ألوي النصوص وأطوِّع المعاني؛ فلغتنا هي التي تسحرنا ونحن لا نملك إلا السياحة مشدوهين في خمائلها؛ فما الشأن إذا تحالفت اللغة مع التأريخ والجغرافيا وأشياء أخرى ؟ !
العاصفة: -كما هو معلوم-: هي الريح الشديد وهو غالبا ما يسير في اتجاه واحد ليكون أكثر تدميرا؛ بعكس الرياح المُبَشِّرة الهابة من أكثر من اتجاه، ولشدة العاصفة -إن هبَّت- فإن اليوم إذا شهدها وُصِف بها، يقول الله تعالى في الآية الثامنة عشرة من سورة إبراهيم : [مَثَلُ الذين كفروا أعمالُهم كرمادٍ اشتَدَّتْ به الريحُ في يومٍ عاصف ... ] الآية ، العاصفة غالبا ما تأتي فجأة؛ تقلب الخيام وتكفأ القدور وتثير غبارا يُعمي السادرين في غيهم عن تَلَمُّس طريق النجاة، العاصفة تَحَرُّكٌ جوي كثيف يُزَلْزِلُ الأرض تحت أقدام البغاة ، العاصفة تجعل نفَس الضد يرتَدُّ عليه وربما يخنقه، العاصفة -إن هبت نهارا- غطت بأتربتها وهبائها وغبارها عين الشمس ؛ فكيف حال أولئك وهي تفاجئهم ليلا؟ ! ، العاصفة قد تُلجئ المتضرر ليتعلق ولو بجذع شجرة ؛ ولكن هيهات هيهات ؛ كل شيء يتحرك بين مبتور ميت خوفا قبل الإصابة ومُنكَفئ باحث عن جحر يرضع من زواياه السلامة المشوبة بالذُلّ ، العاصفة لا علامات لبداياتها كما أنه لا بشائر لانحسارها ؛ قد يظن ظانٌّ أنها توَقَفتْ فلا تلبث حتى تعود في نسخة أكثر إيلاما ، العاصفة خفيفة لا جِرمَ مقبوضا لها فيتمكن العدو من المقاومة ولو قاوم لامتنع عنه النفَس فهو ميت ميت ! ، إنها عاصفة تُبَدِّد #تومان #إيران فَيَتَشَظّى بين قرن الشيطان و #ملالي #طهران .
أما الحزم فهو الشدة ، اتفقت الكلمتان على الشدة، اتفقتا على أن ثمة أمرا لا يُصْلحه لِيْن ، ونبقى في الحزم لنكتشف أن من معانيه الأرض الغليظة المرتفعة وهو أعلى من "الحَزْن" ، ولعل انطباق الشفتين بحرف الميم يعطي شعورا بأن الأمر قُضيَ ؛ فقد فاق الحزم الحَزْن ولا مجال لمراجعة ، وبالنظر إلى طبيعة #اليمن الجغرافية نجد معظمها جبالا ، بل حتى الجزء الصحراوي يحوي هضابا ، والشريط الساحلي لا يخلو من مرتفعات ، حتى الصحراء تصل بعض مرتفعاتها إلى ألف متر فوق سطح البحر، عودة إلى جبالها وهي أكثر تضاريسها اتساعا ؛ إذ تمتد من أقصى الشمال الغربي فيها إلى أقصى الجنوب الشرقي، ويبلغ مُعَدّل ارتفاعها أَلْفَيْ متر وتصل إلى خمسمئة وثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، وأعلى قممها قمة "النبي شُعَيْب" التي تُعَدُّ ثاني أعلى قمة في #الوطن #العربي بعد قمة جبل "توبقال" في #المغرب إضافة إلى إقليم الأحواض الجبلية الممتد عابرا العاصمة #صنعاء متجها إلى #صعدة ف #عمران حيث الحدود مع #السعودية وهي الأطول إذ تبلغ الحدود المشتركة ثمانيةً وخمسين وأربعمئة وألف كيلو متر ، إنها أعلى من الحزوم وتَتَطَلَّبُ نوعا خاصا من العواصف يتعامل مع هضابها ووهادها وتلالها وحزونها وحزومها وجبالها وأطوادها ، عواصف تُلَيِّن قلوبا تَحَجَّرَتْ على أبناء جلدتها وطارت زهوا لتقترب من أرض #الحرمين ، عواصف تقتحم جحور وأوكار التفكير المنتكس المرتكس فإما أن تغيره أو تدمره .
جاءت عاصفة الحزم هذه في وقتها المناسب وهو بعد بداية الاعتدال الربيعي بخمسة أيام ، ولعل من أهم أمراض هذا الاعتدال "الرمد الربيعي"، وهو مرض يصيب ملتحمة العين أو الجفن بسبب غبار حبوب اللقاح وارتفاع درجة الحرارة ، وغالبا ما يصيب الصغار والشباب فيلجأ المصاب إلى فرْك عينه مع نزول دموع منها وتَحَسُّس جلدي، نعم، جاءت هذه العاصفة لتثير غبارا يُعمي هؤلاء الأغرار المُغَرَّر بهم، صغار الأسنان والأحلام ، ماذا يفعلون الآن غير تقليب الكفوف وفرْك العيون الدامعة، هل يجهلون العلاج أم أنهم وُعِدوا بمُسَكِّنات لا تلبث حتى تكون جرعات قاتلة ، المصاب بهذا الرمد يجب عليه الابتعاد عن الحرارة والغبار ، وهذا ما هو مطلوب من العدو ، فليبتعد عن حرارة المنطقة وغبارها وليلبس نظارة شمسية لعلها تُبَصِره بما يُصْلحه ويصلح مَن حوله ، وإلا فإن الجراحة القاتلة لا زالت مستمرة ، ولعله يكون هو الربيع العربي الإسلامي الحق .
عودة إلى اشتقاقات مادة " عَ صَ ف " ؛ لنجد أن "العصف" المذكور في سورتَيْ الرحمن والفيل معناه ورق الحنطة وما يعلو السنابل وما لا يأكله الآدميون من النبات والتِبْن وما تأكله البهائم ثم تروثه أي يصير رَوْثا ، وهنا نتذكر أن شعوبية الأحباش القادمين من اليمن على غير رضا من أهلها، شعوبية الأحباش الذين أرادو تدمير #الكعبة جلبتْ لنفسها غضَب الله - تعالى - وعذابَه فكانت الطيرُ الأبابيل وصاروا كعصف مأكول ، هل يريد شرذمة من أبناء اليمن أن يكونوا عَبِيدا لشعوبية الفُرس لزعزعة أرض الحرمين ؟ ! ، لا والله ، إن أنفاسنا وأنفُسَنا نحن ومَن يشهد شهادة الحق قادرة بحزم وقوة مستعينة بالله القوي العزيز أن تكون عاصفة تُحَوِل المعتدي إلى عَصف مأكول أو آكلا للعَصف ، فهل من سامع وعاقل ومتدبر حروفنا العاصفة الحازمة ؟ !"
صَبِيحة الجمعة السابع من جمادى الآخرة لعام ستة وثلاثين وأربعمئة وألف الهجري ، الموافق للسابع والعشرين من مارس آذار لعام خمسة عشر وألفَين الإفرنجي .
رابط المقال على فيسبوك:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق