قبل سبع سنوات ميلادية ونصف شهر كتبت ورقة عمل حول تجربتي مع الإعلام لعرضها في ملتقى المكفوفين الخليجي في قطر، ويسرني أن أقدمها لكم كاملة هنا متبوعة بخبر استقبالي في إذاعة قطر الذي نشرته صحيفة الراية القطرية:،
" بسم الله الرحمن الرحيم
تجربتي مع أي إعلام
"الكلمة عشق وقدر"
مقدمة:
هذه السطور لا يتصور أن تكون موجهة إلى المكفوفين فقط؛ ذلك أن التخطيط، والصبر، ولذة النجاح، ومرارة الإحباط، وطول النفس والتلذذ بذيوع الفكر الشخصي ليس حكرا على المكفوفين ولا مطلوبا منهم وحدهم بقدر ما هو واجب على الجميع معاقين أو أسوياء، كل بحسب قدرته.
من جانب آخر؛ أنا لا أطرح نفسي رجل الظاهرة بقدر ما أظن أن لدي شيئا يمكن أن يفيد منه عموم المطلعين، وذلك –في نظري—لن يتأتى إلا بعرض تحليلي موضوعي شامل لمزايا المراحل السنية التي مررت بها؛ مع الأخذ في الاعتبار الظروف التقنية ومستوى فكرة المجتمع عن الإعاقة البصرية آنذاك؛ بعيدا عن المديح الشخصي السمج.
وسأحاول أن أركز على انفعالي بالأحداث وفقا لوجهة نظري وقت حدوثها، وعلى حصر ما ربحته وما خسرته في تجربتي؛ لذلك أرى أن التركيز على المسميات، والأرقام، والأمكنة، والتواريخ لذاتها لا يفيد إلا إذا وظفت لفائدة الآخرين من الزملاء أصحاب العلاقة، أو أولياء أمور صغار السن منهم أو القائمين على شؤونهم أيا كان مركزهم، وربما يجد الباحثون فيما أقول إجابة عن أسئلة معينة حول سايكلوجية الكفيف؛ وإن بدت مساحة أقرب إلى البوح.
وتكفي للإشارة إلى أهمية ما أعرضه –بالنسبة لي على الأقل—أنني أتحدث عن متابعة امتدت أكثر من ثلث قرن وإسهام امتد أكثر من ربع قرن.
البدايات:
في ظل إمكانات تعنى بتسلية المكفوفين هي في حقيقتها –إن وجدت—بدائية، وفي ظل نظرة موغلة في الشفقة إلى كل معاق بعيد فضلا عن كون هذا المعاق هو أحد أفراد الأسرة، وفي ظل الاستغراب والاندهاش غير المحدود إذا ما قدم المعاق أي انفعال بأي مدرك فضلا عن كون المقدم إبداعا، في ظل ذلك كله وبمواكبة النصف الثاني من العقد الأول من حياتي؛ رأيت أن من الضروري أن أبحث لنفسي عن مصدر تسلية غير مكلف يمكنني من إدهاش من حولي إذا ما حاكيت أي شيء يقدم، فكان الراديو –على الرغم من كبر حجمه النسبي في تلك الآونة وقلة الإذاعات فيه—هو الحل الممكن.
إنني أتحدث الآن بفكر طفل صغير لم يتجاوز الخامسة من عمره، سمعت، واستمتعت، وحفظت، وقلدت، وأسمعت، وأدهشت، وأضفت وربما أزعجت.
كنت أحفظ حتى أرقام أطوال الموجات وذبذباتها وأماكن توجيهها، كنت أتلو كما يرتلون، وأقدم نشرات أخبار كما يقولون، وأغني كما يفعلون، وأمثل كما يحاكون، وأقدم كما يذيعون، كنت باختصار شديد إذاعة متكاملة على قدري.
أسر كثيرا إذا وجدت كرتونا يكبر الصوت أو غرفة فارغة بها صدى أسمع من خلالها صوتي فكأنني المذيع والمستمع أطرب، وأنقد وأقوّم.
ثم أتت مرحلة المسجلات؛ فكنت أسجل برامج وأغاني فأحاكي وأسجل صوتي وأعيد استماعي له مرارا وتكرارا، ولعل هذا ما جعلني أتلف عشرات الروادي والمسجلات.
وفي نهايات الربع الثالث من القرن الميلادي الماضي بدأت إذاعتنا التوسع بعض الشيء في مجال استقبال مشاركات المستمعين، كنت آنذاك في الثالثة عشرة من عمري، وكنت أتحرق شوقا للمشاركة؛ غير أن صغر سني وطفولة صوتي يمنعني من ذلك، فكنت ربما وضعت مناديل ورقية بيني وبين السماعة ليغلظ صوتي، فأحيانا أنجح أو يتجاوز عني مستقبل المشاركة ، وأحيانا وهي الأكثر يكلمني المستقبل بلهجة فيها استسخاف شديد لرغبتي.
ومع صعوبة الخطوط الهاتفية وندرتها وقلة البرامج المعتمدة على مشاركاتنا إلا أن البداية كانت، وتم وضع حجر الأساس للحلم الكبير.
خط السير:
قد يعجب الكثيرون إذا ما علموا أنني –وفي –أحيان كثيرة—وضعت لنفسي حلما كان لا ينفك يراودني صباح مساء، مع أنني في قرارة نفسي أعلم أن من المستحيل تحقيق هذا الحلم، إنني مع علمي اليقين بذلك إلا أن البدائل كانت جاهزة لتعزيتي عن ضياع ما أرجوه؛ لذلك لا يندهش أحد إذا علم أنني وضعت خط سير لي قريب المدى أقوّم فيه تصميمي على الهدف، وآخر بعيد المدى فيه الكثير من السلالم المحاطة بثمرات النجاح التي لا تخلو من مرارة كارهة، ولكم عجبت حين عدت بذاكرتي إلى الخلف واكتشفت أنني أفعل ذلك أحيانا بطريقة تلقائية غير متعمدة، ولعلها تندرج تحت الحيل الدفاعية التي يتحدث عنها علماء النفس.
كنت أعلم ولا زلت موقنا أنه لا مكان لنا –نحن المكفوفين—في الإعلام بشكل رسمي؛ لذلك قلت لنفسي منذ زمن بعيد: وما الذي يمنع أن تكون لي فقرة أعدها وأقدمها في برنامج ما مهما قلت مدتها؟، وهنا حرصت –وبكل صراحة—على المشاركة في البرامج ذات المساحات الحوارية أو التي تعتمد على المواهب؛ لأني تجاوزت –بحمد الله—مرحلة رغبتي الجامحة في إسماع الناس صوتي؛ فلا داعي للإيغال في برامج التهاني والمسابقات، والمهم الآن الانطلاق إلى أفق أرحب.
إن هذا ألأفق هو لا شك هدفي الكبير الذي صغته لنفسي، ومع رحابته؛ إلا أنه يكتنفه للتحليق فيه والبحث عن مكان مناسب لاعتلائه قدر من الصعوبة، يتمثل في محاولة استبطان القدرات الشخصية لاستخراج أفضل ما لديها؛ لعلها تكون جواز مرور مناسبا، وإقناع أكبر عدد ممكن من المذيعين، والمخرجين، ومهندسي الصوت وكل من أجده في طريقي أثناء اتصالي للمشاركة؛ وصولا إلى بناء ثقة بيني وبينهم، وتعريف جمهور المستمعين بما لدي؛ لعلهم يثنون علي عند صناع القرار.
وعودة إلى البداية المتسمة بتدريبات تأخذ شكل اللهو واللعب؛ إلى أن جاءت مرحلة المدرسة الصعبة المتسمة بغربتي الأهل والسن، فكان لزاما علي أن أعوض غياب أهلي وتعذر وجود أتراب لي بشيء يدهش معلمي ويبني لي مكانا عندهم، والواقع أنني فشلت فشلا ذريعا؛ ذلك أن المعلمين كانوا يقيسون التعامل مع التلاميذ آنذاك بالسن؛ فضلا عن تنفيري إياهم بإزعاجي المتكرر المتعدد الجوانب؛ في حين أن بقية زملائي كانوا هادئين بحكم السن، لكن الحلم الملح لم يتركني؛فاتجهت إلى بعض معلمي المصريين راجيا إياهم قبولي –ولو على سبيل التجربة—في الإذاعة المدرسية، وقد كان؛ إذ كنت عريف حفل المدرسة الختامي وأنا في السادسة الابتدائية، ومن وقتها كانت هذه هي مهمتي الإعلامية في المدرسة التي انطلقت منها إلى الإذاعة السعودية.
في تلك المرحلة اكتشفت مصادفة أن لدي قدرة على كتابة كلام مسجوع ربما يتحول إلى شعر،فكتبت، وكان ما كتبت أقرب إلى سجع الكهان الخالي من المضمون، لكني كتبت، وواصلت الكتابة، وعرضتها على بعض أساتذتي، فلم يردوني خائبا؛ بل عللوني بمديح لا أستحقه، بدأت وأنا في نهاية المرحلة المتوسطة أشارك في الإذاعة السعودية بما أكتب نثرا وشعرا، لكن أول قصيدة لي موزونة مقفاة ذات مضمون؛وإن كان باهتا، كانت للأسف هجائية ساخرة حول أوضاع المعهد، وكانت في50 بيتا، تدوولت سرا بين أيدي زملائي؛ ولكنها --ولله الحمد—لم يعرف بها المسؤولون، ثم عرضت على المسؤولين أنفسهم إلقاء قصيدة في الحفل الختامي للمدرسة، وقد كان لي ذلك وأنا في الثاني الثانوي، وهنا أضيف إلى مهمة عرافة الحفلات إلقاء القصائد؛ حتى عند زيارة أي وفد، وهكذا كان دأبي في الجامعة؛ إلا أن المختلف هو أننا نحن المكفوفين أقمنا حفلا في الجامعة فألقيت فيه قصيدة على لسان طفل بوسني، وكان الحفل برعاية مدير الجامعة ففاجأني بطلب نسخة من القصيدة.
ومواكبة لمرحلة اكتمال النضج السني؛ تأكدت أنه لا مجال لنا نحن المكفوفين في دراسة الإعلام دراسة أكاديمية؛ لذلك كان من الواجب البحث عن تخصص جامعي يقبل المكفوفين، ويكون على تماس مع إحدى مفردات الإعلام ويمكنني من مواصلة تفاعلي مع ما أريد بعدة جيدة تصقل ما لدي وتضيف عليه، فكانت اللغة العربية وتحديدا النحو والصرف؛مع أني تمنيت اللغة الإنجليزية؛ لمحبتي هذه اللغة تحدثا، واستماعا وأدبا، ولوجود أساس جيد من المعلومات اللغوية اكتسبتها من المرحلتين المتوسطة والثانوية ومما استفدته مم بثته البيبيسي وصوت أمريكا،ولرغبتي في التزود مما تبثه الإذاعات الناطقة بالإنجليزية من معلومات ومصطلحات، ولأن حاملي تخصص الإنجليزية تفتح لهم أبواب الإعلام بسهولة، ولأني أعلم –كما يعلم غيري بكل صراحة وأسى وأسف—أن الناطق بالإنجليزية مقدر ومحترم؛ وهذا ما يبحث عنه المكفوفون ولأن اللغة العربية مبذولة لكل من أحبها، وهنا بدأت أسخر إضافات اللغة الضئيلة في إصدار أول مطوية للمكفوفين في جامعة أم القرى لم يكتب لها الذيوع،واستعنت ببعض المقيمين لدخول المكتبة المركزية في الجامعة وجمع معلومات عن مواضيع كنت أنتجها بصوتي بعد غربلتها وإدخال المؤثرات الصوتية المناسبة عليها من خلال أساليب موغلة في البدائية باستخدام مسجلين متقابلين، والعجيب أنه لم يكن أحد يسمع كل هذا الجهد إلا أنا، وأجدني –على الرغم من ذلك—سعيدا جدا، وربما أعدت الاستماع أكثر من مرة؛ فبقدر ما أنتقد؛ أزداد سعادة.
لقد كانت أزمة الخليج عام 90 منعطفا كبيرا في مسيرة الحلم المعشوق؛ إذ كثفت الإذاعة السعودية برامجها المعتمدة على مشاركات المستمعين المسجلة، وهي تبحث عن قصائد وطنية، وحماسية ومتأثرة بالوضع المتأزم، وربما سمحت ببوح سياسي يتفاعل مع التطورات لا يخرج عن الثوابت، وهنا تدفق إنتاجي الأدبي؛ لكن الجديد هو المناقشات الحوارية في تطورات الساعة؛ ليكون لدي مجال إعلامي حيوي آخر هو الحوار؛ إلا أن للحوار عدته الخاصة من قراءة دائمة –وهي لم تكن متوفرة آنذاك--، واستماع لمختلف الإذاعات، ومتابعة دقيقة للمفردات المستخدمة، وتفاعل آني مع المتغيرات، ودراسة نفسية المذيع الذي قد يفاجئك بتصرف أو سؤال يخلط الأوراق وقبل ذلك وبعده قدرة على صنع الأفكار، وترتيبها، وعرضها، والدفاع عنها وتغييرها ؛ إن لزم الأمر، إضافة إلى أن إشكالية تسجيل الإذاعة للمشاركات يجعل مقص المنتاج يتدخل لحذف ما يشاء، وهو إن لم يؤد إلى إلغاء المشاركة فهو سيغيرها، وهنا تكمن الصعوبة في إيصال أفكارك إلى المتلقين، إن حدي هذا المقص جعلني حذرا جدا في كل حرف أنطقه؛ كي أصل بأقل خسائر كلامية إلى الآذان.
ثم جاءت مرحلة التلفزيون؛ إلا أن مباشرة المكالمات جعلت وقت الاتصال لا يتعدى الدقيقة في معظم الأحيان؛ على أن يعتمد الاتصال إما على تفاعل مع مناسبة أو سؤال يوجه إلى ضيف، ولإيماني أن التلفزيون أوسع انتشارا من الإذاعة وأعمق تأثيرا؛ فقد بذلت وسعي في ألا أترك فرصة تسنح للمشاركة إلا وأنتهزها؛ أيا كان الموضوع، وأن أبحث عن سؤال غريب لا يخرج عن الثوابت العامة يحمل في صياغته رأيا شخصيا لي، وأن أضغط مشاركاتي كلاما وزمنا؛ وإن أدى الأمر إلى حفظ ما أريد قوله وأن تكون لي طبعة لفظية يعرفني بها المشاهدون، وقد كان لي ما أردت –ولله الحمد--؛ إذ عرفني المشاهدون صوتا لا صورة؛ حتى بت القاسم المشترك لمعظم برامج التلفزيون المباشرة التي تسمح بمشاركة الرجال.
ويبدو أن من يدخل الإعلام مشاركا يصاب بهيام مزمن فلن يكتفي بمساحة انتشار مهما اتسعت، ولن يكتفي بمهارات معينة؛ بل سيدفعه هيامه إلى مهارات أكثر وعوالم أوسع، من هنا خرجت بصوتي إلى إذاعات خارج الوطن، لقد كان ذلك الخروج متأخرا بسبب ظروف مادية، كانت البداية بإذاعات القاهرة لافتتاني بما تقدمه ولأن القاهرة كانت محطة سفري الأولى في العقد الثاني من عمري، ثم انتقلت إلى إذاعات الكويت لسهولة التقاطها في مكة التي تواجه بسبب موقعها الجغرافي بين الجبال صعوبة في وصول الإذاعات إلى المقيمين فيها؛ إلا أن اقتنائي طبق الاستقبال الفضائي قضى على هذه الصعوبات تماما، فكثرت مشاركاتي في معظم إذاعات الخليج والمشرق العربي، والإذاعات الناطقة بالعربية، والتلفزيونات الخليجية والعربية، وأحيانا كنت أشارك بالإنجليزية على قدري في قناتنا الثانية الناطقة بتلك اللغة؛ غير أن الجديد في ذلك التواصل أنه كان مباشرا، وطويل المدة؛ إذ قد يصل الوقت الممنوح لي أو لغيري إلى خمس دقائق، وهو رقم فلكي في عرف إذاعتنا، كما أن الجديد هو قوة حواراتها والمزيد من الحرية فيها التي تجعلك عرضة لرد الآخرين عليك؛ مما يضطرك إلى الدفاع عن رأيك وإلا بدوت في موقف الأضعف؛ أدى ذلك كله إلى إعادة النظر في استراتيجية المشاركات في الإذاعات الأخرى؛ حيث بدأت أحاول ترتيب أفكاري والتحضير الجيد لما سأقوله، والمتابعة الدقيقة للأشخاص الذين لا هم لهم إلا إلغاء الآخرين للرد عليهم، وتأصيل ردي؛ معتمدا على مخزوني من المأثور الديني، والتراكيب الأقرب إلى الفصاحة،والمصطلحات الأجنبية، والتركيز على التجارب الشخصية وما أصل إليه من الأحداث ذات العلاقة، وقرآتي النتية السريعة في الصحف والمنتديات والتلوين الصوتي المؤثر.
ولا أريد مغادرة خط السير قبل الإشارة إلى حدث غاية في التأثير البالغ علي؛ إنه اقتحامي عالم الكمبيوتر والإنترنت، فقد أتاح لي البحث عن أي موضوع أريده للمشاركة به في البرامج التي تطرح المساحات المفتوحة للمستمعين؛ إذ ركزت على الإحصائيات المحددة، والأسماء الفاعلة، والمواضع الشاهدة، والتواريخ المؤكدة، والأدلة القاطعة والقصص الغريبة اللافتة؛ ذلك أننا في زمن لا يعبأ بالعواطف؛ بل يحتفل كثيرا بلغة المعلومة الدقيقة المحدثة، كما أني إذا سمعت إعلانا عن موضوع ستتم مناقشته ألجأ إلى النت ليغيثني بمعلومات حوله أتسلح بها إذا أتيحت لي فرصة المشاركة، وربما أستفيد منها فيما بعد إذا طُرح الموضوع فجأة، وبهذا قادني النت إلى مساواة قرنائي الأسوياء وربما مكنني أكثر من التحليل الشامل وتوظيف المعلومة.
العقبات:
بغير لغة البارانويا؛ لا بد من الإشارة إلى مجموعة من العقبات وقفت وتقف عائقا دون تحقق الحلم أو ربما تؤجل تحققه؛ لذلك لن أتوقف عند العقبات اللوجستية والمادية؛ بل المطلوب التركيز على كل ما للبشر فيه من تأثير؛ إذ المشكلة أن بعض هذه العقبات عام يواجه كل كفيف إذا ما رام شيئا وأصر عليه، وبعضها له علاقة بالإعلام وبعضها منقسم بين المحيطين وبين طبيعتي الذاتية، والمشكلة أيضا أنه إذا استعرضت العقبات بلغة تهويلية أدى ذلك إلى داء تيئيس الآخرين، وهذا ما لا رغبة لي فيه على الإطلاق، وإذا استعرضت بلغة حماسية تصادمية ستعني غرورا وتعاليا مني، وهذا ما أعوذ بالله منه؛ لذلك أظن أن الاختصار والهدوء والموضوعية هي المناسبة لتلافي أكبر قدر ممكن من انعكاسات استعراض العقبات على الصعيدين العام والخاص.
لعل أهم هذه العقبات بداية كان صغر سني وكأني ارتقيت مرتقى صعبا، ثم كان الاتهام الدائم الشائع على ألسنة الكثيرين، وهو محاولة الظهور وطلب الشهرة بأسلوب مبتذل، وكأنهم بذلك يطلبون منا أن نحكم على أنفسنا بالموت الاجتماعي، ثم كانت المقولة الشهيرة: كيف لهذا الأعمى أن يفكر وينطلق بالكلام؟، إنهم بذلك يظنون أن أي إعاقة تعني النهاية؛ لذلك فهي مقولة لا تستحق التوقف عندها، ثم جاءت مقولة أعظم تأثيرا عندي وهي: أنت أعمى فلا تدأب على إطلاق لسانك في كل مكان وزمان؛ كيلا يسخر منك الآخرون ويعيبوا عليك عدم التمسك بالدين، وكأن الأعمى ليس له في الدنيا من نصيب، وكأن الدين مفصول بالكلية عن القضايا الاجتماعية والثقافية، كل هذه العقبات هي مجرد آراء شخصية يمكن التغلب عليها بشيء من النقاش أو التجاهل وترك الوقت يثبت العكس؛ ما لم يكن للمعارض حق اتخاذ قرار منع –لا سمح الله--، وهذا ما لم يحدث حتى الآن –ولله الحمد--.
وعلى الصعيد الإعلامي؛ كانت المشكلة الأبرز إلى حد قريب اعتماد إذاعتنا على تسجيل المكالمات؛ مما يوقع المشارك في جحيم الانتظار؛ إن كانت مشاركته ستذاع أم ستلغى، وهم يعزون ذلك إلى خشيتهم من أن يتلفظ المتصل بأي كلمة تخالف الثوابت، ولا أدري إن كانوا محقين في ذلك أم لا؛ إذ إن تجارب الإذاعات حولنا تشي بخلاف ذلك، كما جوبهت بمن يحجب اتصالاتي بحجة تكرارها، وهي حجة محقة؛ إذ من غير المعقول أن أحتكر البرامج وحدي، ومما يسبب الحرج أحيانا عدم الإلمام الكامل بثوابت الدول التي أتطفل على إذاعاتها وتلفزيوناتها، ولا يقف الحرج هنا بل لا بد من الاطلاع على المتغيرات السياسية والثقافية؛ فقد أقول شيئا يخالف الرأي الجديد لهذه الدولة أو تلك ، ومن عجائب الإعلاميين وغيرهم؛ أنهم يتساءلون عن السبب الرئيس في تنوع التناول في أكثر من تخصص، وكأن القائل بهذا داع إلى ارتهان كل بشهادته منكرا للثقافة العامة، ولن أدع هذه الوقفة مع عقبات الإعلام الذاتية قبل أن أضع أكثر من علامة استفهام كبيرة أمام ما يمارسه بعض مقدمي البرامج الجدد في حق المتصلين من استخفاف ومحاولة إحراج بالتعليقات غير المسؤولة بحجة الاستظراف السمج، ولا أنكر أني كنت هدفا لمثل هذه الممارسات؛ ولكن في المحصلة؛ على الرغم من هذه العقبات الإعلامية؛ إلا أنها لذيذة وتضيف خبرة جديدة ربما بحثت لي عن مخرج لطيف لا يحرمني التواصل؛ بل ربما يعززه.
ولأن الإعلام الحقيقي المحترف لا يكون إعلاما إلا بمتلق ومشارك؛ فإن من الضروري أن تتباين الآراء حول ما أقدمه بين مادح وقادح، ويمكن التفريق في العقبات التي ينصبها المتلقون بين معتكفين عن المشاركات وبين مشارك فاعل أو غير فاعل، فالمعتكفون غالبا ما يرددون تلميحا أو تصريحا السؤال التالي: أي فائدة ترجوها من هذا القدر من اللقافة؟؛ ألم تخسر مالا وفيرا بسبب الاتصالات؟، ألم تتسبب في إملالنا بخروجك الدائم على الإذاعات والأقنية؟، ألم تعتبر من المواقف السخيفة التي لطالما أوقعك فيها مستقبلو مشاركاتك بين مستهجن وقاطع؟. إن هذا التساؤل محق؛لكن عند من لم يذق حلاوة الفضفضة فيسترخص في سبيلها وفي سبيل إطلاع الآخرين عليها المال والوقت وتصرفات بعض مستقبلي المشاركات غير المسؤولة؛ مع أن بعض هذه التصرفات محقة وهي توجه حتى أمام الشخصيات ذات المواقع المهمة اجتماعيا وسياسيا، وهنا يجب علي أن أتعلم من مثل هذا الدرس القاسي وألا ألجئ نفسي إلى موقف محرج كهذا.
وأما ما يتعلق بزملائي المشاركين؛ فالفاعلون منهم يتبعون خطوات تتمثل في: نقض الرأي المطروح من أساسه على طريقة "عنزة ولو طارت"؛ فإن كان الرأي سلبا جعلوه موجبا والعكس صحيح بحجة أو بغيرها، ثم يلجأون إلى استخدام تراكيب محفوظة ممجوجة من قبيل: هذا تعميم، هذه شعارات، هذا الكلام ليس دقيقا، هذا أمر معروف لا يحتاج إلى بيان، وغيرها كثير، وربما سخر بعضهم علاقاته لإحراجي وإخراجي. الواقع أنه إذا ما روجعت آراؤهم وُجِد أنها تتماهى في كثير من الأحيان مع ما طُرح، هذا التصرف لا يتكرر معي باضطراد إلا في حالة طرقي إذاعة جديدة فيها مشارك مميز متعال؛ فهو يجهد نفسه بعدة مستهلكة، ومثل هذا أجهد نفسي بكل هدوء في الرد عليه ابتداء كلما حاول الاقتراب عن غير حق مني؛ ولكني لا أعيد مهاجمته بعد الرد عليه على الإطلاق ؛ لأني أحاول الظفر بإبعاده عني فقط مع زيادة مكاسبي من المتلقين الموالين، وهي معادلة على الرغم من صعوبتها؛ إلا أنها ليست مستحيلة، القصة باختصار هي حرب إلغاء أثيرية، ولكم دخلتها فكنت أنتصر في معظمها؛ ولكن –بشفافية عميقة—إن هزيمة واحدة تنسيني زهو انتصاراتي، ولكم صليت بنارها؛ فأقاوم بضراوة، وقلما أستسلم فأترك البرنامج.
إنني –بصراحة شديدة—أستمتع كثيرا باللعب مع المشاركين الفاعلين؛ على الرغم من الإزعاج وطول النفس فيه؛ إلا أن المشكلة المضحكة وجود مشاركين غير فاعلين يمقتون بقاء مخالف لهم في أي برنامج، وهم فئتان: إما أشخاص هدفهم الرئيس إسماع صوتهم وسماعه فقط، وإما آخرون يريدون أن تكون البرامج المفتوحة الطرح سائرة على هواهم القشري، إنهم يتبعون إضافة إلى خطوات الفاعلين خطوة الموالاة العمياء لكل الناقدين في صورة بروبغندا ذات لوبي مؤثر، وهذا ما يصعب علي التعامل معه خصوصا إذا كان مستقبل المشاركات في صفهم، أنا أعترف أنني أحيانا ألجأ إلى إسماع صوتي فقط وأحاول التأثير في خط سير البرامج المفتوحة؛ لكني لا أذكر أنني كنت تبعا لأحد أو مجاهرا بالعداء له.
وكلما استعرضت العقبات أجدني أمام عقبة شاقة لا قدرة لي على مجاهدتها فضلا عن التغلب عليها، إنها تلك النفس العصية الجامحة الشامخة التي بين جنبيّ؛فلكم أغضت إغضاء لا مسوغ له، ولكم حرمتني من فرص ظهور ذهبية تحتاج إلى بعض التنازلات وعدم تحميل الأمور فوق ما تحتمل، إنني بسبب هذه النفس تجنبت أن يكون لي علاقة خاصة مع أي إعلامي؛ خشية أن يحسب أنني أريد منه شيئا، وبسببها ابتعدت نهائيا عن أي برنامج أُعامل فيه باستخفاف أو يقطع فيه الخط علي؛مهما قُدرت فيه، ومع هذه المنغصات التي تفتعلها نفسي؛ إلا أنني سعيد بها؛ فهي تصنع مني إنسانا واثقا وكفيفا عالي الهمة.
الثمرات:
لا يلزم من الثمرة أن تكون في آخر المشوار؛ بل ربما يحاط السائر بسلة متنوعة من الثمرات في طريقه ماشيا أو صاعدا تبلّغه في طول ترحاله، كما لا يلزم منها أن تكون حالية المذاق؛ بل ربما شابها شيء من مرارة؛ وهنا يكفي أن تعلم بمراراتها كيلا تعود إلى قطفها؛ إلا أن الجميل في كل ثمرة أن تصيب صاحبها بالهيام كي يطمع فيما هو أنفع، وأن تخلو من أي مخدر يبعث على الدعة وألا تتأخر كيلا يصيب متمنيها القنوط، إن من في حالي يقطف نوعين من الثمار: أحدهما في انفعال المتلقي بما أعرضه، والآخر أي شيء إيجابي مزمن في حياتي يقدم لي المزيد في هوايتي الإعلامية أو في غيرها، والواقع أنني أجد حرجا كبيرا وأنا أستعرض سلة الثمرات؛ خشية أن يظن ظان أني لم أقم بذلك إلا مدحا لنفسي وسعيا إلى حمد الآخرين إياي –أسأل الله العافية من هذين الداءين--؛ لذلك سأكتفي بالإيجاز؛ لعل لعاب المطلع على هذه السطور يسيل فيتحرق شوقا لتناول هذه الثمرات وغيرها.
لو لم يكن لي ككفيف مرتهن بفكر منغلق عن وضع المكفوفين ذي إمكانات مادية ومعنوية محدودة؛ إلا أن رُزقت بثمرة الثقة بالنفس، وبناء مكانة مناسبة بين المحيطين بي وأصبحت مثار تساؤل الكثيرين في حالة أقرب إلى لفت أنظارهم؛ لكفاني ذلك، إن هذه الثقة ألقت علي مسؤولية المواصلة إلى الأفضل كيلا أبدو أني ظهرت في لحظة حظ من المستحيل أن تعود، وهنا كانت الثمرة تزداد مواكبة كل خطوة حتى اعتدتها؛ أدى ذلك إلى ثمرة تابعة لا تقل أهمية عن الأولى، إنها تقدير الكثيرين اجتهادي على الرغم من الصعوبات؛ وإن اختلفوا معي، إنني أقولها بلا فخر: لقد أتاح لي هذا التواصل رصيدا مشتهرا عند الناس أسر به كثيرا.
إن هذا الاشتهار فتح لي مجالا أوسع وأعمق في النفاذ إلى عالم الأسوياء الذي لا أخفي سرا أنه كان مجهولا بالنسبة لي، وهنا انهار –ولله الحمد—الحاجز الحديدي الصفيق بيني وبين الناس، فلم أعد أخجل، أو أتلعثم، أو أتخوف من الحديث إليهم، أو الرد عليهم أو إبداء الرأي فيما أسمعه، ولم تعد تعنيني كثيرا النظرة المخطئة إلى طبيعة الإعاقة البصرية؛ لأنها قلت؛ بل وجدت من يتحدث عن هذه الإعاقة بإنصاف وإعجاب ربما اقترب من حد الإفراط، ولعل هذا الإعجاب الذي نجهد نحن المعاقين في تحصيله، والمحافظة عليه واستثماره مكنني بفض الله تعالى من تلمس أوجاع الناس وهمومهم؛ إذ أصبح بإمكاني الاستماع إليهم؛ بل ربما حرصوا هم على إسماعي، وهنا صرت أتحدث من واقع معاش بلغة صاحب العلاقة.
وغني عن البسط الإشارة العابرة إلى الكثير من المعلومات التي رزقنيها الله؛ متابعة لبرامج، ورصدا لمشاركات زملائي، وجمعا لمعلومات لعرضها في برنامج ما واستفادة من طريقة أداء؛ ولذلك لو لم يكن لي من هذه الثمرة إلا أنني إذا كنت بين جماعة يتحدثون في موضوع لا أعدم أن أفهم ولو شيئا يسيرا مما يقولونه فضلا عن انضمامي إليهم مستفسرا أو مدليا برأي.
لقد بلغ حد تقدير بعض المنضوين تحت لواء الإعلام ما لدي؛ أن اُستضفت في الإذاعة السعودية مرات عديدة، وهكذا الحال في تلفزيوننا وفي أقنية خاصة أخرى؛ بل إنني حين كنت في بيروت شاركت مرة بنص شعري عاطفي في إذاعة خاصة فاستضفت من قبلها، هذا إضافة إلى لقاءات صحفية وإن لم تكن كثيرة، كما أن هناك إعلاميين كثرا يطلبون مشاركتي في برامجهم، وهو محور ثقة أعتز به، وينتهي بهم المطاف خلال رمضان الفائت إلى أن رشحت لإعداد 8 حلقات في إذاعة جدة من برنامج "قصائد رمضانية"، فسبحان الله كنت أبحث عن فقرة في برنامج فجاءني برنامج كامل، والقادم أكثر وأجمل بحول الله تعالى.
ولأن لي بضاعة فكرية أعرضها؛ غلت أو رخصت؛ ولكن تبقى بضاعة خاضعة للتقييم، فقد كتبت أكثر من 100 قصيدة، وعشرات النصوص النثرية الذاتية، وعشرات المقالات الموضوعية التناول، وكتبت في فن المقامات، والمسرحية العامية، والشعر الممسرح وأكثر من 100 لغز منظوم، وأحييت أمسيات أدبية في أكثر من محفل، نتج عن ذلك قبولي في عضوية رابطة الأدب الإسلامي العالمية، ولدي النية في طباعة ديوان منتقى من إنتاجي؛ مع أن ما لدي يكفي ربما لثلاثة دواوين؛ إلا أن شعوري بأني هاو ولست محترفا إضافة إلى كسلي الشديد المخذل يعرقلان بقوة مشروع الإصدار.
ومما لا شك فيه أن البث كما يصل إلى أخي المواطن العادي الذي أراهن على علاقتي الطيبة معه؛ فإنه يصل أيضا إلى المسؤول المؤثر في اتخاذ القرار من أي مركز؛ لهذا وفي غير ما مرة يفاجئني أحيانا أحد المسؤولين باتصال بعد مشاركة ما معلقا وموجها، ولعل من أبرز ثمرات متابعة المسؤولين لي حضوري أكثر من ملتقى لكوني أحد منسوبي وزارة التربية داخل المملكة وخارجها، كل هذه الثمرات جاءت من كلمة؛ فما الحال لو كانت هذه الكلمة أفعالا؟، ألا يستحق الواقع أن نشد الهمم ونكون جميعا مؤثرين إيجابيين فيه؟
الخاتمة:
وبعد هذا التطواف المختصر في مراحل من عشقي الكلمة المبثوثة؛ لا بد من التأكيد أن هناك من التجارب والرؤى ما يفوق الذي أمتلكه؛ وإن قصرت مدة تلك التجارب أو اُختِصرت أحرف الرؤى؛ إلا أني على يقين أن المطلع على هذه السطور لن يعدم خبرة أو فائدة، وهنا أشير إلى أن كل لحظة قضيتها وأنا أصارع خطوط الهواتف كي أظفر بفتح الخط الموصل إلى أي نافذة أطل منها على المتلقين لها مكانة كبيرة، ولئن قست؛ فهي تظل جزءا من أرشيف يلذ لي الرجوع إليه.
وإن كان لي من وصية؛ فهي نداء إلى كل إنسان أن يضع لنفسه هدفا ينافح من أجله؛ على أن يكون الهدف متفقا ليس مع قدراته الحالية وقت التفكير فيه؛ بل مع ما يحلم بأن يتميز به، وعلى أن يكون الهدف كبيرا يستحق التضحية في سبيله، وعلى أن يكون نافعا لنفسه ولمن حوله يتلمس انعكاس مثابرته على كل ما له صلة به، إن الإنسان –معاقا أو غير معاق—لا يستحق وسام تكريم الآدمية إلا إذا فكر فيما ينفعه ولم يعجز وترك الأماني علامات على طريق يجب الركض فيه.
تمت، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
عبد العزيز بن صالح الزهراني
مكة المكرمة 11/10/1429ه
الموافق 11/10/2008م. "
https://docs.google.com/document/d/1ai3xu1_M-FZ4okuCxd0M5SoDM1gen5hafsPDvaLVC20/edit
" بسم الله الرحمن الرحيم
تجربتي مع أي إعلام
"الكلمة عشق وقدر"
مقدمة:
هذه السطور لا يتصور أن تكون موجهة إلى المكفوفين فقط؛ ذلك أن التخطيط، والصبر، ولذة النجاح، ومرارة الإحباط، وطول النفس والتلذذ بذيوع الفكر الشخصي ليس حكرا على المكفوفين ولا مطلوبا منهم وحدهم بقدر ما هو واجب على الجميع معاقين أو أسوياء، كل بحسب قدرته.
من جانب آخر؛ أنا لا أطرح نفسي رجل الظاهرة بقدر ما أظن أن لدي شيئا يمكن أن يفيد منه عموم المطلعين، وذلك –في نظري—لن يتأتى إلا بعرض تحليلي موضوعي شامل لمزايا المراحل السنية التي مررت بها؛ مع الأخذ في الاعتبار الظروف التقنية ومستوى فكرة المجتمع عن الإعاقة البصرية آنذاك؛ بعيدا عن المديح الشخصي السمج.
وسأحاول أن أركز على انفعالي بالأحداث وفقا لوجهة نظري وقت حدوثها، وعلى حصر ما ربحته وما خسرته في تجربتي؛ لذلك أرى أن التركيز على المسميات، والأرقام، والأمكنة، والتواريخ لذاتها لا يفيد إلا إذا وظفت لفائدة الآخرين من الزملاء أصحاب العلاقة، أو أولياء أمور صغار السن منهم أو القائمين على شؤونهم أيا كان مركزهم، وربما يجد الباحثون فيما أقول إجابة عن أسئلة معينة حول سايكلوجية الكفيف؛ وإن بدت مساحة أقرب إلى البوح.
وتكفي للإشارة إلى أهمية ما أعرضه –بالنسبة لي على الأقل—أنني أتحدث عن متابعة امتدت أكثر من ثلث قرن وإسهام امتد أكثر من ربع قرن.
البدايات:
في ظل إمكانات تعنى بتسلية المكفوفين هي في حقيقتها –إن وجدت—بدائية، وفي ظل نظرة موغلة في الشفقة إلى كل معاق بعيد فضلا عن كون هذا المعاق هو أحد أفراد الأسرة، وفي ظل الاستغراب والاندهاش غير المحدود إذا ما قدم المعاق أي انفعال بأي مدرك فضلا عن كون المقدم إبداعا، في ظل ذلك كله وبمواكبة النصف الثاني من العقد الأول من حياتي؛ رأيت أن من الضروري أن أبحث لنفسي عن مصدر تسلية غير مكلف يمكنني من إدهاش من حولي إذا ما حاكيت أي شيء يقدم، فكان الراديو –على الرغم من كبر حجمه النسبي في تلك الآونة وقلة الإذاعات فيه—هو الحل الممكن.
إنني أتحدث الآن بفكر طفل صغير لم يتجاوز الخامسة من عمره، سمعت، واستمتعت، وحفظت، وقلدت، وأسمعت، وأدهشت، وأضفت وربما أزعجت.
كنت أحفظ حتى أرقام أطوال الموجات وذبذباتها وأماكن توجيهها، كنت أتلو كما يرتلون، وأقدم نشرات أخبار كما يقولون، وأغني كما يفعلون، وأمثل كما يحاكون، وأقدم كما يذيعون، كنت باختصار شديد إذاعة متكاملة على قدري.
أسر كثيرا إذا وجدت كرتونا يكبر الصوت أو غرفة فارغة بها صدى أسمع من خلالها صوتي فكأنني المذيع والمستمع أطرب، وأنقد وأقوّم.
ثم أتت مرحلة المسجلات؛ فكنت أسجل برامج وأغاني فأحاكي وأسجل صوتي وأعيد استماعي له مرارا وتكرارا، ولعل هذا ما جعلني أتلف عشرات الروادي والمسجلات.
وفي نهايات الربع الثالث من القرن الميلادي الماضي بدأت إذاعتنا التوسع بعض الشيء في مجال استقبال مشاركات المستمعين، كنت آنذاك في الثالثة عشرة من عمري، وكنت أتحرق شوقا للمشاركة؛ غير أن صغر سني وطفولة صوتي يمنعني من ذلك، فكنت ربما وضعت مناديل ورقية بيني وبين السماعة ليغلظ صوتي، فأحيانا أنجح أو يتجاوز عني مستقبل المشاركة ، وأحيانا وهي الأكثر يكلمني المستقبل بلهجة فيها استسخاف شديد لرغبتي.
ومع صعوبة الخطوط الهاتفية وندرتها وقلة البرامج المعتمدة على مشاركاتنا إلا أن البداية كانت، وتم وضع حجر الأساس للحلم الكبير.
خط السير:
قد يعجب الكثيرون إذا ما علموا أنني –وفي –أحيان كثيرة—وضعت لنفسي حلما كان لا ينفك يراودني صباح مساء، مع أنني في قرارة نفسي أعلم أن من المستحيل تحقيق هذا الحلم، إنني مع علمي اليقين بذلك إلا أن البدائل كانت جاهزة لتعزيتي عن ضياع ما أرجوه؛ لذلك لا يندهش أحد إذا علم أنني وضعت خط سير لي قريب المدى أقوّم فيه تصميمي على الهدف، وآخر بعيد المدى فيه الكثير من السلالم المحاطة بثمرات النجاح التي لا تخلو من مرارة كارهة، ولكم عجبت حين عدت بذاكرتي إلى الخلف واكتشفت أنني أفعل ذلك أحيانا بطريقة تلقائية غير متعمدة، ولعلها تندرج تحت الحيل الدفاعية التي يتحدث عنها علماء النفس.
كنت أعلم ولا زلت موقنا أنه لا مكان لنا –نحن المكفوفين—في الإعلام بشكل رسمي؛ لذلك قلت لنفسي منذ زمن بعيد: وما الذي يمنع أن تكون لي فقرة أعدها وأقدمها في برنامج ما مهما قلت مدتها؟، وهنا حرصت –وبكل صراحة—على المشاركة في البرامج ذات المساحات الحوارية أو التي تعتمد على المواهب؛ لأني تجاوزت –بحمد الله—مرحلة رغبتي الجامحة في إسماع الناس صوتي؛ فلا داعي للإيغال في برامج التهاني والمسابقات، والمهم الآن الانطلاق إلى أفق أرحب.
إن هذا ألأفق هو لا شك هدفي الكبير الذي صغته لنفسي، ومع رحابته؛ إلا أنه يكتنفه للتحليق فيه والبحث عن مكان مناسب لاعتلائه قدر من الصعوبة، يتمثل في محاولة استبطان القدرات الشخصية لاستخراج أفضل ما لديها؛ لعلها تكون جواز مرور مناسبا، وإقناع أكبر عدد ممكن من المذيعين، والمخرجين، ومهندسي الصوت وكل من أجده في طريقي أثناء اتصالي للمشاركة؛ وصولا إلى بناء ثقة بيني وبينهم، وتعريف جمهور المستمعين بما لدي؛ لعلهم يثنون علي عند صناع القرار.
وعودة إلى البداية المتسمة بتدريبات تأخذ شكل اللهو واللعب؛ إلى أن جاءت مرحلة المدرسة الصعبة المتسمة بغربتي الأهل والسن، فكان لزاما علي أن أعوض غياب أهلي وتعذر وجود أتراب لي بشيء يدهش معلمي ويبني لي مكانا عندهم، والواقع أنني فشلت فشلا ذريعا؛ ذلك أن المعلمين كانوا يقيسون التعامل مع التلاميذ آنذاك بالسن؛ فضلا عن تنفيري إياهم بإزعاجي المتكرر المتعدد الجوانب؛ في حين أن بقية زملائي كانوا هادئين بحكم السن، لكن الحلم الملح لم يتركني؛فاتجهت إلى بعض معلمي المصريين راجيا إياهم قبولي –ولو على سبيل التجربة—في الإذاعة المدرسية، وقد كان؛ إذ كنت عريف حفل المدرسة الختامي وأنا في السادسة الابتدائية، ومن وقتها كانت هذه هي مهمتي الإعلامية في المدرسة التي انطلقت منها إلى الإذاعة السعودية.
في تلك المرحلة اكتشفت مصادفة أن لدي قدرة على كتابة كلام مسجوع ربما يتحول إلى شعر،فكتبت، وكان ما كتبت أقرب إلى سجع الكهان الخالي من المضمون، لكني كتبت، وواصلت الكتابة، وعرضتها على بعض أساتذتي، فلم يردوني خائبا؛ بل عللوني بمديح لا أستحقه، بدأت وأنا في نهاية المرحلة المتوسطة أشارك في الإذاعة السعودية بما أكتب نثرا وشعرا، لكن أول قصيدة لي موزونة مقفاة ذات مضمون؛وإن كان باهتا، كانت للأسف هجائية ساخرة حول أوضاع المعهد، وكانت في50 بيتا، تدوولت سرا بين أيدي زملائي؛ ولكنها --ولله الحمد—لم يعرف بها المسؤولون، ثم عرضت على المسؤولين أنفسهم إلقاء قصيدة في الحفل الختامي للمدرسة، وقد كان لي ذلك وأنا في الثاني الثانوي، وهنا أضيف إلى مهمة عرافة الحفلات إلقاء القصائد؛ حتى عند زيارة أي وفد، وهكذا كان دأبي في الجامعة؛ إلا أن المختلف هو أننا نحن المكفوفين أقمنا حفلا في الجامعة فألقيت فيه قصيدة على لسان طفل بوسني، وكان الحفل برعاية مدير الجامعة ففاجأني بطلب نسخة من القصيدة.
ومواكبة لمرحلة اكتمال النضج السني؛ تأكدت أنه لا مجال لنا نحن المكفوفين في دراسة الإعلام دراسة أكاديمية؛ لذلك كان من الواجب البحث عن تخصص جامعي يقبل المكفوفين، ويكون على تماس مع إحدى مفردات الإعلام ويمكنني من مواصلة تفاعلي مع ما أريد بعدة جيدة تصقل ما لدي وتضيف عليه، فكانت اللغة العربية وتحديدا النحو والصرف؛مع أني تمنيت اللغة الإنجليزية؛ لمحبتي هذه اللغة تحدثا، واستماعا وأدبا، ولوجود أساس جيد من المعلومات اللغوية اكتسبتها من المرحلتين المتوسطة والثانوية ومما استفدته مم بثته البيبيسي وصوت أمريكا،ولرغبتي في التزود مما تبثه الإذاعات الناطقة بالإنجليزية من معلومات ومصطلحات، ولأن حاملي تخصص الإنجليزية تفتح لهم أبواب الإعلام بسهولة، ولأني أعلم –كما يعلم غيري بكل صراحة وأسى وأسف—أن الناطق بالإنجليزية مقدر ومحترم؛ وهذا ما يبحث عنه المكفوفون ولأن اللغة العربية مبذولة لكل من أحبها، وهنا بدأت أسخر إضافات اللغة الضئيلة في إصدار أول مطوية للمكفوفين في جامعة أم القرى لم يكتب لها الذيوع،واستعنت ببعض المقيمين لدخول المكتبة المركزية في الجامعة وجمع معلومات عن مواضيع كنت أنتجها بصوتي بعد غربلتها وإدخال المؤثرات الصوتية المناسبة عليها من خلال أساليب موغلة في البدائية باستخدام مسجلين متقابلين، والعجيب أنه لم يكن أحد يسمع كل هذا الجهد إلا أنا، وأجدني –على الرغم من ذلك—سعيدا جدا، وربما أعدت الاستماع أكثر من مرة؛ فبقدر ما أنتقد؛ أزداد سعادة.
لقد كانت أزمة الخليج عام 90 منعطفا كبيرا في مسيرة الحلم المعشوق؛ إذ كثفت الإذاعة السعودية برامجها المعتمدة على مشاركات المستمعين المسجلة، وهي تبحث عن قصائد وطنية، وحماسية ومتأثرة بالوضع المتأزم، وربما سمحت ببوح سياسي يتفاعل مع التطورات لا يخرج عن الثوابت، وهنا تدفق إنتاجي الأدبي؛ لكن الجديد هو المناقشات الحوارية في تطورات الساعة؛ ليكون لدي مجال إعلامي حيوي آخر هو الحوار؛ إلا أن للحوار عدته الخاصة من قراءة دائمة –وهي لم تكن متوفرة آنذاك--، واستماع لمختلف الإذاعات، ومتابعة دقيقة للمفردات المستخدمة، وتفاعل آني مع المتغيرات، ودراسة نفسية المذيع الذي قد يفاجئك بتصرف أو سؤال يخلط الأوراق وقبل ذلك وبعده قدرة على صنع الأفكار، وترتيبها، وعرضها، والدفاع عنها وتغييرها ؛ إن لزم الأمر، إضافة إلى أن إشكالية تسجيل الإذاعة للمشاركات يجعل مقص المنتاج يتدخل لحذف ما يشاء، وهو إن لم يؤد إلى إلغاء المشاركة فهو سيغيرها، وهنا تكمن الصعوبة في إيصال أفكارك إلى المتلقين، إن حدي هذا المقص جعلني حذرا جدا في كل حرف أنطقه؛ كي أصل بأقل خسائر كلامية إلى الآذان.
ثم جاءت مرحلة التلفزيون؛ إلا أن مباشرة المكالمات جعلت وقت الاتصال لا يتعدى الدقيقة في معظم الأحيان؛ على أن يعتمد الاتصال إما على تفاعل مع مناسبة أو سؤال يوجه إلى ضيف، ولإيماني أن التلفزيون أوسع انتشارا من الإذاعة وأعمق تأثيرا؛ فقد بذلت وسعي في ألا أترك فرصة تسنح للمشاركة إلا وأنتهزها؛ أيا كان الموضوع، وأن أبحث عن سؤال غريب لا يخرج عن الثوابت العامة يحمل في صياغته رأيا شخصيا لي، وأن أضغط مشاركاتي كلاما وزمنا؛ وإن أدى الأمر إلى حفظ ما أريد قوله وأن تكون لي طبعة لفظية يعرفني بها المشاهدون، وقد كان لي ما أردت –ولله الحمد--؛ إذ عرفني المشاهدون صوتا لا صورة؛ حتى بت القاسم المشترك لمعظم برامج التلفزيون المباشرة التي تسمح بمشاركة الرجال.
ويبدو أن من يدخل الإعلام مشاركا يصاب بهيام مزمن فلن يكتفي بمساحة انتشار مهما اتسعت، ولن يكتفي بمهارات معينة؛ بل سيدفعه هيامه إلى مهارات أكثر وعوالم أوسع، من هنا خرجت بصوتي إلى إذاعات خارج الوطن، لقد كان ذلك الخروج متأخرا بسبب ظروف مادية، كانت البداية بإذاعات القاهرة لافتتاني بما تقدمه ولأن القاهرة كانت محطة سفري الأولى في العقد الثاني من عمري، ثم انتقلت إلى إذاعات الكويت لسهولة التقاطها في مكة التي تواجه بسبب موقعها الجغرافي بين الجبال صعوبة في وصول الإذاعات إلى المقيمين فيها؛ إلا أن اقتنائي طبق الاستقبال الفضائي قضى على هذه الصعوبات تماما، فكثرت مشاركاتي في معظم إذاعات الخليج والمشرق العربي، والإذاعات الناطقة بالعربية، والتلفزيونات الخليجية والعربية، وأحيانا كنت أشارك بالإنجليزية على قدري في قناتنا الثانية الناطقة بتلك اللغة؛ غير أن الجديد في ذلك التواصل أنه كان مباشرا، وطويل المدة؛ إذ قد يصل الوقت الممنوح لي أو لغيري إلى خمس دقائق، وهو رقم فلكي في عرف إذاعتنا، كما أن الجديد هو قوة حواراتها والمزيد من الحرية فيها التي تجعلك عرضة لرد الآخرين عليك؛ مما يضطرك إلى الدفاع عن رأيك وإلا بدوت في موقف الأضعف؛ أدى ذلك كله إلى إعادة النظر في استراتيجية المشاركات في الإذاعات الأخرى؛ حيث بدأت أحاول ترتيب أفكاري والتحضير الجيد لما سأقوله، والمتابعة الدقيقة للأشخاص الذين لا هم لهم إلا إلغاء الآخرين للرد عليهم، وتأصيل ردي؛ معتمدا على مخزوني من المأثور الديني، والتراكيب الأقرب إلى الفصاحة،والمصطلحات الأجنبية، والتركيز على التجارب الشخصية وما أصل إليه من الأحداث ذات العلاقة، وقرآتي النتية السريعة في الصحف والمنتديات والتلوين الصوتي المؤثر.
ولا أريد مغادرة خط السير قبل الإشارة إلى حدث غاية في التأثير البالغ علي؛ إنه اقتحامي عالم الكمبيوتر والإنترنت، فقد أتاح لي البحث عن أي موضوع أريده للمشاركة به في البرامج التي تطرح المساحات المفتوحة للمستمعين؛ إذ ركزت على الإحصائيات المحددة، والأسماء الفاعلة، والمواضع الشاهدة، والتواريخ المؤكدة، والأدلة القاطعة والقصص الغريبة اللافتة؛ ذلك أننا في زمن لا يعبأ بالعواطف؛ بل يحتفل كثيرا بلغة المعلومة الدقيقة المحدثة، كما أني إذا سمعت إعلانا عن موضوع ستتم مناقشته ألجأ إلى النت ليغيثني بمعلومات حوله أتسلح بها إذا أتيحت لي فرصة المشاركة، وربما أستفيد منها فيما بعد إذا طُرح الموضوع فجأة، وبهذا قادني النت إلى مساواة قرنائي الأسوياء وربما مكنني أكثر من التحليل الشامل وتوظيف المعلومة.
العقبات:
بغير لغة البارانويا؛ لا بد من الإشارة إلى مجموعة من العقبات وقفت وتقف عائقا دون تحقق الحلم أو ربما تؤجل تحققه؛ لذلك لن أتوقف عند العقبات اللوجستية والمادية؛ بل المطلوب التركيز على كل ما للبشر فيه من تأثير؛ إذ المشكلة أن بعض هذه العقبات عام يواجه كل كفيف إذا ما رام شيئا وأصر عليه، وبعضها له علاقة بالإعلام وبعضها منقسم بين المحيطين وبين طبيعتي الذاتية، والمشكلة أيضا أنه إذا استعرضت العقبات بلغة تهويلية أدى ذلك إلى داء تيئيس الآخرين، وهذا ما لا رغبة لي فيه على الإطلاق، وإذا استعرضت بلغة حماسية تصادمية ستعني غرورا وتعاليا مني، وهذا ما أعوذ بالله منه؛ لذلك أظن أن الاختصار والهدوء والموضوعية هي المناسبة لتلافي أكبر قدر ممكن من انعكاسات استعراض العقبات على الصعيدين العام والخاص.
لعل أهم هذه العقبات بداية كان صغر سني وكأني ارتقيت مرتقى صعبا، ثم كان الاتهام الدائم الشائع على ألسنة الكثيرين، وهو محاولة الظهور وطلب الشهرة بأسلوب مبتذل، وكأنهم بذلك يطلبون منا أن نحكم على أنفسنا بالموت الاجتماعي، ثم كانت المقولة الشهيرة: كيف لهذا الأعمى أن يفكر وينطلق بالكلام؟، إنهم بذلك يظنون أن أي إعاقة تعني النهاية؛ لذلك فهي مقولة لا تستحق التوقف عندها، ثم جاءت مقولة أعظم تأثيرا عندي وهي: أنت أعمى فلا تدأب على إطلاق لسانك في كل مكان وزمان؛ كيلا يسخر منك الآخرون ويعيبوا عليك عدم التمسك بالدين، وكأن الأعمى ليس له في الدنيا من نصيب، وكأن الدين مفصول بالكلية عن القضايا الاجتماعية والثقافية، كل هذه العقبات هي مجرد آراء شخصية يمكن التغلب عليها بشيء من النقاش أو التجاهل وترك الوقت يثبت العكس؛ ما لم يكن للمعارض حق اتخاذ قرار منع –لا سمح الله--، وهذا ما لم يحدث حتى الآن –ولله الحمد--.
وعلى الصعيد الإعلامي؛ كانت المشكلة الأبرز إلى حد قريب اعتماد إذاعتنا على تسجيل المكالمات؛ مما يوقع المشارك في جحيم الانتظار؛ إن كانت مشاركته ستذاع أم ستلغى، وهم يعزون ذلك إلى خشيتهم من أن يتلفظ المتصل بأي كلمة تخالف الثوابت، ولا أدري إن كانوا محقين في ذلك أم لا؛ إذ إن تجارب الإذاعات حولنا تشي بخلاف ذلك، كما جوبهت بمن يحجب اتصالاتي بحجة تكرارها، وهي حجة محقة؛ إذ من غير المعقول أن أحتكر البرامج وحدي، ومما يسبب الحرج أحيانا عدم الإلمام الكامل بثوابت الدول التي أتطفل على إذاعاتها وتلفزيوناتها، ولا يقف الحرج هنا بل لا بد من الاطلاع على المتغيرات السياسية والثقافية؛ فقد أقول شيئا يخالف الرأي الجديد لهذه الدولة أو تلك ، ومن عجائب الإعلاميين وغيرهم؛ أنهم يتساءلون عن السبب الرئيس في تنوع التناول في أكثر من تخصص، وكأن القائل بهذا داع إلى ارتهان كل بشهادته منكرا للثقافة العامة، ولن أدع هذه الوقفة مع عقبات الإعلام الذاتية قبل أن أضع أكثر من علامة استفهام كبيرة أمام ما يمارسه بعض مقدمي البرامج الجدد في حق المتصلين من استخفاف ومحاولة إحراج بالتعليقات غير المسؤولة بحجة الاستظراف السمج، ولا أنكر أني كنت هدفا لمثل هذه الممارسات؛ ولكن في المحصلة؛ على الرغم من هذه العقبات الإعلامية؛ إلا أنها لذيذة وتضيف خبرة جديدة ربما بحثت لي عن مخرج لطيف لا يحرمني التواصل؛ بل ربما يعززه.
ولأن الإعلام الحقيقي المحترف لا يكون إعلاما إلا بمتلق ومشارك؛ فإن من الضروري أن تتباين الآراء حول ما أقدمه بين مادح وقادح، ويمكن التفريق في العقبات التي ينصبها المتلقون بين معتكفين عن المشاركات وبين مشارك فاعل أو غير فاعل، فالمعتكفون غالبا ما يرددون تلميحا أو تصريحا السؤال التالي: أي فائدة ترجوها من هذا القدر من اللقافة؟؛ ألم تخسر مالا وفيرا بسبب الاتصالات؟، ألم تتسبب في إملالنا بخروجك الدائم على الإذاعات والأقنية؟، ألم تعتبر من المواقف السخيفة التي لطالما أوقعك فيها مستقبلو مشاركاتك بين مستهجن وقاطع؟. إن هذا التساؤل محق؛لكن عند من لم يذق حلاوة الفضفضة فيسترخص في سبيلها وفي سبيل إطلاع الآخرين عليها المال والوقت وتصرفات بعض مستقبلي المشاركات غير المسؤولة؛ مع أن بعض هذه التصرفات محقة وهي توجه حتى أمام الشخصيات ذات المواقع المهمة اجتماعيا وسياسيا، وهنا يجب علي أن أتعلم من مثل هذا الدرس القاسي وألا ألجئ نفسي إلى موقف محرج كهذا.
وأما ما يتعلق بزملائي المشاركين؛ فالفاعلون منهم يتبعون خطوات تتمثل في: نقض الرأي المطروح من أساسه على طريقة "عنزة ولو طارت"؛ فإن كان الرأي سلبا جعلوه موجبا والعكس صحيح بحجة أو بغيرها، ثم يلجأون إلى استخدام تراكيب محفوظة ممجوجة من قبيل: هذا تعميم، هذه شعارات، هذا الكلام ليس دقيقا، هذا أمر معروف لا يحتاج إلى بيان، وغيرها كثير، وربما سخر بعضهم علاقاته لإحراجي وإخراجي. الواقع أنه إذا ما روجعت آراؤهم وُجِد أنها تتماهى في كثير من الأحيان مع ما طُرح، هذا التصرف لا يتكرر معي باضطراد إلا في حالة طرقي إذاعة جديدة فيها مشارك مميز متعال؛ فهو يجهد نفسه بعدة مستهلكة، ومثل هذا أجهد نفسي بكل هدوء في الرد عليه ابتداء كلما حاول الاقتراب عن غير حق مني؛ ولكني لا أعيد مهاجمته بعد الرد عليه على الإطلاق ؛ لأني أحاول الظفر بإبعاده عني فقط مع زيادة مكاسبي من المتلقين الموالين، وهي معادلة على الرغم من صعوبتها؛ إلا أنها ليست مستحيلة، القصة باختصار هي حرب إلغاء أثيرية، ولكم دخلتها فكنت أنتصر في معظمها؛ ولكن –بشفافية عميقة—إن هزيمة واحدة تنسيني زهو انتصاراتي، ولكم صليت بنارها؛ فأقاوم بضراوة، وقلما أستسلم فأترك البرنامج.
إنني –بصراحة شديدة—أستمتع كثيرا باللعب مع المشاركين الفاعلين؛ على الرغم من الإزعاج وطول النفس فيه؛ إلا أن المشكلة المضحكة وجود مشاركين غير فاعلين يمقتون بقاء مخالف لهم في أي برنامج، وهم فئتان: إما أشخاص هدفهم الرئيس إسماع صوتهم وسماعه فقط، وإما آخرون يريدون أن تكون البرامج المفتوحة الطرح سائرة على هواهم القشري، إنهم يتبعون إضافة إلى خطوات الفاعلين خطوة الموالاة العمياء لكل الناقدين في صورة بروبغندا ذات لوبي مؤثر، وهذا ما يصعب علي التعامل معه خصوصا إذا كان مستقبل المشاركات في صفهم، أنا أعترف أنني أحيانا ألجأ إلى إسماع صوتي فقط وأحاول التأثير في خط سير البرامج المفتوحة؛ لكني لا أذكر أنني كنت تبعا لأحد أو مجاهرا بالعداء له.
وكلما استعرضت العقبات أجدني أمام عقبة شاقة لا قدرة لي على مجاهدتها فضلا عن التغلب عليها، إنها تلك النفس العصية الجامحة الشامخة التي بين جنبيّ؛فلكم أغضت إغضاء لا مسوغ له، ولكم حرمتني من فرص ظهور ذهبية تحتاج إلى بعض التنازلات وعدم تحميل الأمور فوق ما تحتمل، إنني بسبب هذه النفس تجنبت أن يكون لي علاقة خاصة مع أي إعلامي؛ خشية أن يحسب أنني أريد منه شيئا، وبسببها ابتعدت نهائيا عن أي برنامج أُعامل فيه باستخفاف أو يقطع فيه الخط علي؛مهما قُدرت فيه، ومع هذه المنغصات التي تفتعلها نفسي؛ إلا أنني سعيد بها؛ فهي تصنع مني إنسانا واثقا وكفيفا عالي الهمة.
الثمرات:
لا يلزم من الثمرة أن تكون في آخر المشوار؛ بل ربما يحاط السائر بسلة متنوعة من الثمرات في طريقه ماشيا أو صاعدا تبلّغه في طول ترحاله، كما لا يلزم منها أن تكون حالية المذاق؛ بل ربما شابها شيء من مرارة؛ وهنا يكفي أن تعلم بمراراتها كيلا تعود إلى قطفها؛ إلا أن الجميل في كل ثمرة أن تصيب صاحبها بالهيام كي يطمع فيما هو أنفع، وأن تخلو من أي مخدر يبعث على الدعة وألا تتأخر كيلا يصيب متمنيها القنوط، إن من في حالي يقطف نوعين من الثمار: أحدهما في انفعال المتلقي بما أعرضه، والآخر أي شيء إيجابي مزمن في حياتي يقدم لي المزيد في هوايتي الإعلامية أو في غيرها، والواقع أنني أجد حرجا كبيرا وأنا أستعرض سلة الثمرات؛ خشية أن يظن ظان أني لم أقم بذلك إلا مدحا لنفسي وسعيا إلى حمد الآخرين إياي –أسأل الله العافية من هذين الداءين--؛ لذلك سأكتفي بالإيجاز؛ لعل لعاب المطلع على هذه السطور يسيل فيتحرق شوقا لتناول هذه الثمرات وغيرها.
لو لم يكن لي ككفيف مرتهن بفكر منغلق عن وضع المكفوفين ذي إمكانات مادية ومعنوية محدودة؛ إلا أن رُزقت بثمرة الثقة بالنفس، وبناء مكانة مناسبة بين المحيطين بي وأصبحت مثار تساؤل الكثيرين في حالة أقرب إلى لفت أنظارهم؛ لكفاني ذلك، إن هذه الثقة ألقت علي مسؤولية المواصلة إلى الأفضل كيلا أبدو أني ظهرت في لحظة حظ من المستحيل أن تعود، وهنا كانت الثمرة تزداد مواكبة كل خطوة حتى اعتدتها؛ أدى ذلك إلى ثمرة تابعة لا تقل أهمية عن الأولى، إنها تقدير الكثيرين اجتهادي على الرغم من الصعوبات؛ وإن اختلفوا معي، إنني أقولها بلا فخر: لقد أتاح لي هذا التواصل رصيدا مشتهرا عند الناس أسر به كثيرا.
إن هذا الاشتهار فتح لي مجالا أوسع وأعمق في النفاذ إلى عالم الأسوياء الذي لا أخفي سرا أنه كان مجهولا بالنسبة لي، وهنا انهار –ولله الحمد—الحاجز الحديدي الصفيق بيني وبين الناس، فلم أعد أخجل، أو أتلعثم، أو أتخوف من الحديث إليهم، أو الرد عليهم أو إبداء الرأي فيما أسمعه، ولم تعد تعنيني كثيرا النظرة المخطئة إلى طبيعة الإعاقة البصرية؛ لأنها قلت؛ بل وجدت من يتحدث عن هذه الإعاقة بإنصاف وإعجاب ربما اقترب من حد الإفراط، ولعل هذا الإعجاب الذي نجهد نحن المعاقين في تحصيله، والمحافظة عليه واستثماره مكنني بفض الله تعالى من تلمس أوجاع الناس وهمومهم؛ إذ أصبح بإمكاني الاستماع إليهم؛ بل ربما حرصوا هم على إسماعي، وهنا صرت أتحدث من واقع معاش بلغة صاحب العلاقة.
وغني عن البسط الإشارة العابرة إلى الكثير من المعلومات التي رزقنيها الله؛ متابعة لبرامج، ورصدا لمشاركات زملائي، وجمعا لمعلومات لعرضها في برنامج ما واستفادة من طريقة أداء؛ ولذلك لو لم يكن لي من هذه الثمرة إلا أنني إذا كنت بين جماعة يتحدثون في موضوع لا أعدم أن أفهم ولو شيئا يسيرا مما يقولونه فضلا عن انضمامي إليهم مستفسرا أو مدليا برأي.
لقد بلغ حد تقدير بعض المنضوين تحت لواء الإعلام ما لدي؛ أن اُستضفت في الإذاعة السعودية مرات عديدة، وهكذا الحال في تلفزيوننا وفي أقنية خاصة أخرى؛ بل إنني حين كنت في بيروت شاركت مرة بنص شعري عاطفي في إذاعة خاصة فاستضفت من قبلها، هذا إضافة إلى لقاءات صحفية وإن لم تكن كثيرة، كما أن هناك إعلاميين كثرا يطلبون مشاركتي في برامجهم، وهو محور ثقة أعتز به، وينتهي بهم المطاف خلال رمضان الفائت إلى أن رشحت لإعداد 8 حلقات في إذاعة جدة من برنامج "قصائد رمضانية"، فسبحان الله كنت أبحث عن فقرة في برنامج فجاءني برنامج كامل، والقادم أكثر وأجمل بحول الله تعالى.
ولأن لي بضاعة فكرية أعرضها؛ غلت أو رخصت؛ ولكن تبقى بضاعة خاضعة للتقييم، فقد كتبت أكثر من 100 قصيدة، وعشرات النصوص النثرية الذاتية، وعشرات المقالات الموضوعية التناول، وكتبت في فن المقامات، والمسرحية العامية، والشعر الممسرح وأكثر من 100 لغز منظوم، وأحييت أمسيات أدبية في أكثر من محفل، نتج عن ذلك قبولي في عضوية رابطة الأدب الإسلامي العالمية، ولدي النية في طباعة ديوان منتقى من إنتاجي؛ مع أن ما لدي يكفي ربما لثلاثة دواوين؛ إلا أن شعوري بأني هاو ولست محترفا إضافة إلى كسلي الشديد المخذل يعرقلان بقوة مشروع الإصدار.
ومما لا شك فيه أن البث كما يصل إلى أخي المواطن العادي الذي أراهن على علاقتي الطيبة معه؛ فإنه يصل أيضا إلى المسؤول المؤثر في اتخاذ القرار من أي مركز؛ لهذا وفي غير ما مرة يفاجئني أحيانا أحد المسؤولين باتصال بعد مشاركة ما معلقا وموجها، ولعل من أبرز ثمرات متابعة المسؤولين لي حضوري أكثر من ملتقى لكوني أحد منسوبي وزارة التربية داخل المملكة وخارجها، كل هذه الثمرات جاءت من كلمة؛ فما الحال لو كانت هذه الكلمة أفعالا؟، ألا يستحق الواقع أن نشد الهمم ونكون جميعا مؤثرين إيجابيين فيه؟
الخاتمة:
وبعد هذا التطواف المختصر في مراحل من عشقي الكلمة المبثوثة؛ لا بد من التأكيد أن هناك من التجارب والرؤى ما يفوق الذي أمتلكه؛ وإن قصرت مدة تلك التجارب أو اُختِصرت أحرف الرؤى؛ إلا أني على يقين أن المطلع على هذه السطور لن يعدم خبرة أو فائدة، وهنا أشير إلى أن كل لحظة قضيتها وأنا أصارع خطوط الهواتف كي أظفر بفتح الخط الموصل إلى أي نافذة أطل منها على المتلقين لها مكانة كبيرة، ولئن قست؛ فهي تظل جزءا من أرشيف يلذ لي الرجوع إليه.
وإن كان لي من وصية؛ فهي نداء إلى كل إنسان أن يضع لنفسه هدفا ينافح من أجله؛ على أن يكون الهدف متفقا ليس مع قدراته الحالية وقت التفكير فيه؛ بل مع ما يحلم بأن يتميز به، وعلى أن يكون الهدف كبيرا يستحق التضحية في سبيله، وعلى أن يكون نافعا لنفسه ولمن حوله يتلمس انعكاس مثابرته على كل ما له صلة به، إن الإنسان –معاقا أو غير معاق—لا يستحق وسام تكريم الآدمية إلا إذا فكر فيما ينفعه ولم يعجز وترك الأماني علامات على طريق يجب الركض فيه.
تمت، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
عبد العزيز بن صالح الزهراني
مكة المكرمة 11/10/1429ه
الموافق 11/10/2008م. "
https://docs.google.com/document/d/1ai3xu1_M-FZ4okuCxd0M5SoDM1gen5hafsPDvaLVC20/edit
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق