المتابعون

الخميس، 19 نوفمبر 2015

حاسدي


    حاسدي: إن كنت كذلك؛ فاعلم أنك تلميذ إبليس الحاسدُ على التكريم آدم، والحاسدُ على التقوى والقبولِ الأشبهُ بأسوأ ابنَي آدم، ثم اعلم -هداني الله وإياك وجعلنا من المكرمين المتقين المقبولين- أن المستكبر مَن ظن أنه اكتفى؛ فليس في حاجة أن يسأل مَن خزائنه لا تنفد، واعلم أن من أعظم الحمق عمى الناظر عما ينفعه وعما تبقى لديه من مثل ما تأمل وتنقيبَه المتخبط في خير غيره، واعلم أن الشحيح مَن منع حقا فضُل في ماله على مستحق، واعلم أن الناقم مَن بادر سريعا وداوم مضاعِفا الاشتفاء ممن يظن أنه قد يروم النيل منه، واعلم أن الظلم الكبير قصر شخص العدل المطلق في الدنيا على نفسه؛ لكن ألا تَعلم أنك بفعلك هذا قد جمعت إليك هذه المساوئ كلها وزدت عليها مرارة الاستمراء؛ فيكفي أن تتنبه أنك أبعد ما يكون عن سؤال ربك؛ لأنك لم تنشغل بنفسك عن غيرك، ومع هذا فأنت لا تبخل من فضلك على الناس؛ بل تشح من فضل غيرك على من لا شأن لك في استحقاقه إياه لحكمة غابت عنك وإن عرفتها، وليت أن بينك وبين ذلك المستحق سابق عداوة؛ إنما ذكا أوارها حين فطنت إليه ممتعا بنعمة الله عليه موهما نفسك أنك لن تشتفي منه حتى تراه على ما تكره في نفسك؛ فلِمَ تنقم؟، وممن؟، لكأني بك تنفي العدل عمن حرم الظلم على نفسه!؛ فأي مصايب أنت فيها؟، إنها لا تجتمع إلا فيك متبوعة بعيش دنيوي ومآل أخروي منغصَين لن يحسدك عليهما أحد.
  حاسدي: أتدري كيف أفدتني؟؛ لقد علمتني بحسدك إياي عظم نعمة الله علَي؛ لأن كل ذي نعمة محسود، ولكم حاولتَ الإيقاع بي والغض من شأني بين الناس حتى فطن الكون إلي، فأبصر وسمع، وكان لي ما لم أنله في سنين طوال بحسدة واحدة منك، تنبه الآخرون سائلين: مَن هذا الذي ملأ قلبه وشغل فكره ولسانه؟، تذكر: كم لهجت باسمي شفتاك أمام خاصتك، وكم شهرت بي في المحافل مستشهدا بحروفي لاويا أعناق المعاني، وأنا أعلم أن مَن أحب شيئا أكثر من ذكره؛ لتعرف أن عملي أهل لاستحسان حتى مَن كرهني!؛ فكيف بمن يرغب في حبي؟!، تذكر؛ كم حاولت الولوج علَي من أكثر من باب حتى بالغض من شأن مَن جاهر أنه من الأحباب، فلم تفلح؛ بل علمتني وأنت غير راض أن أسُدَّ كل ثلمة ينْفُذ منها فِكر أمثالك، هكذا أصبحْتُ غير هياب؛ ولكنني حذِر، ولقد بينت لي نقائص بعضها اجتهدْتُ في ستْرها ماضيا مع قصر همتي في سبيل إقصائها، وبعضها لا أستحيي منها؛ فهي أفضال منحنيها الله -تعالى- ليس مثلي مَن ينكرها، ولئن عرَفْتَ عيوبا إخرى قصرت ضغائنك عن أن تتحسس غيرها؛ فليس أحد منا بمنأى عنها، ثم إن إصرارك في جهرك وإسرارك على صيدها وقيدها يذكِّرني بقول القائل: "كفى المرء نُبلا أن تُعَدَّ معايبُه"، ومع كل هذه الإفادات؛ إلا أنك تزيدني منك نفورا ولن أكون لك شكورا؛ فشُكر البشر لا يُمنح إلا لمن أفاد ورضي بما عمِل؛ علم أو لم يعلم، نعم، أنت أجدت وما أردت حين أفدت، ولو استطعت أن تنفع نفسك خالصة وتمحض غيرك الضر؛ لَما انتظرت لحظة واحدة.
  حاسدي: خذ الميزان وأمعن النظر قليلا ستجد أنك قلبته رأسا على عقب: فأنا أعجز عن تصنيفك: هل أعدك قريبا مصداقا لقوله -تعالى-: "إنما المؤمنون إخوة"؛ فأين آصرة واحدة تحجزك عن إرادة الشر لي؟، هل أعدك صديقا؟ فكيف آمن لك ناصحا وكيف أنتظر منك مشورة؟، كيف أبثك هما أو أصف لك غما وأنا جازم أنك تجمعها لتنشبها عما قريب خناجر في خاصرتي؟، هل أعدك زميل عمل؟؛ أليس من شأن العامل إن لم يعن بزملائه عني برعاية المصلحة العامة؟؛ فأين الرغبة في علو همة الأمة؟، هل أعدك شخصا ألقاه عرضا في طريقي؟؛ فكيف فطنتَ لي؟ ولمَ تعلم مني ما لم أعلمه أنا من نفسي فضلا عن الآخرين الذين تكفلت أبواقك بإبلاغهم؟، أجدني مضطرا أن أصورك كائنا مؤذيا من غير البشر يجب تجنبه لا خوفا منه بل راحة من تصرفات كراهيته المزمنة. وفي الذنب؛ استدعيت لنفسك العذاب قبل الوقوع فيه، الغريب أنك توهم نفسك بعدم الاعتراف به ذنبا؛ لكنك تجد فيه من ألم نفس لائمة مستترة ما يستفز كبرياءك المتمادي للإيقاع بغيرك؛ فأنت ترى نفسك معذبة؛ ولِمَ ينعم غيرك؟؛ بل المضحك حقا أنك تصنع لمحسوديك ذنوبا لم يأتوها أو يعرفوا عن كنهها شيئا وتقرر لهم عقوبات من تخرصات أهوائك. ثم إن علاقتك بمن حولك المكرّمين بحسدك تشكل مع الحب تركيبة عجيبة؛ ذلك أن الحدب عليك لا يسعده ما يسوؤك في حالك، والناقم عليك يسعده إذا انقلب حال ما يسعدك فيه عليك، إنك في كِلا الحالين لا يسوؤك إلا ما يسعدهما!، ثم هل تحب حقا نفسك؟؛ إن كنت كذلك؛ فلمَ تعذبها؟؛ والإنسان ربما فر من عقوبة إن أتى جرما. لو سألتك عن سبب حسدك إياي؛ لأجبت أن ليس من العدل أن تكون وأكون؛ فليكن ذلك جدلا؛ أمن العدل أن تناصب مَن لم يؤذك في شخصك عداء؟، أمن أن توجد له آثاما من عدم؟، وماذا لو كان لك إنفاذ الرأي في مباهج الناس؟؛ هل من العدل أن تستأثر بكل شيء وتدع غيرك؟، أؤكد لك أنه حتى لو عشت وحدك لما وجدت بدا من حسد نفسك حتى تموت ويبقى حسدك شاهدا عليك، ثم ماذا تقول لحاسد لك كُتِب عليه أمدٌ ذو عيشٍ تعِسٍ في جوارك؟؛ فكيف ترضى لغيرك ما لا ترضاه لنفسك!؟، أكاد أجزم أني لست أنا الأوحد المُعَرَّض لحسدك؛ فما أكثرهم!، أكلّهم لا يستحقون وأنت وحدك المظلوم!؟، وانظر إلى ميزان العمل فيما تقوم به؛ كل عمل مخلص يهدف إلى فائدة وإن كان هدما؛ أما أنت؛ فللتدمير العشوائي فقط، كل عمل وإن كان غير شريف يريد منه صاحبه مردودا ولو قصره على نفسه؛ أما عملك؛ فأين مردوده المحسن إليك!؟، كل عمل يحتاج صاحبه إلى راحة يسترد فيها أنفاسه؛ أما أنت؛ فقل لي: متى ترتاح!؟؛ إلا إذا تاب الله عليك.
  حاسدي: لا تفرح؛ فلستَ أول حاسدِيَّ؛ فتقنع مرغما بسبق الخيبة، ولا آخرهم؛ فتَعتبِر بمصارع سابقيك الكثر، ولا وسطا ذا خير، انظر إلى أعلى؛ لتعرف مكانك، وإلى أسفل فلن تتبين إلا نفسك، واعلم أنه لا يَغبِط أو يُغبَط إلا مَن لم يُصَبْ بمصابك!؛ ذلك أن داخلك متلظية لا تُنضِج أو تدفئ، سهل إطفاءها، كم  جهدْتَ كيلا تزكم الأنوف رائحتها؛ لكن أكْلها إياك ونزقك جعلاها تَظهر للعيان، ويحك!؛ ألا تخشى من نار أخرى تحدق بك لا قدرة لك على إطفائها!؟، أدري أن عدتك دمعة قهر متعطشة لم تر شيئا مما تمنته، حبسْتها فظهرت في كل جسدك وعجزتْ عن كَبت استطالةِ نارك، ليت هذه الدمعة السخينة تسيل نادمة تزيل ما علق بك من درن وتروي رغبة في توبة نصوح توقد مصباح إيمان يملأ جوانحك نورا وحبا لا يهديانك إلا إلى خير، عندئذ؛ وبنعمة الله -تعالى- لن نكون في الدنيا إلا كأهل الجنة نزع الله مِن صدورهم الغل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق