المتابعون

السبت، 28 يناير 2017

وَخِّرْ لِحْيَتْك !

     لا يُقَصِّر الطريق ويقهر شدتَه مِثلُ طول المُءانَسة ولِيْنِها .
   وذلك ما كنتُ أحرص عليه قبل ثمانٍ وعشرين سنة ؛ يومَ أنْ كنتُ في الجامعة ، وليس عندي سيارة آنذاك ، وكنتُ متزوجا حديثا ، وكان لزاما عَلَيَّ أنْ أطوي الطريق من مكة إلى الطائف حيث مُسْتَقَرُّ أهلي وأعود حيث الدراسة ، كل أسبوع أَلْقَى أكثر من شخصيتَيْن أسمع منها أكثر مما أُحَدِّثها ؛ لكون خبرتي في الحياة ليست بتلك . 
   ولأن أَكْثَرَ السائقين ينحدرون من قبائل تسكن في مكة والطائف كعتيبة وحرب وثقيف وقبائل غَيْرها جنوب مكة ؛ فقد كان حديثهم يدور حول أمجاد قبائلهم ولا سيما قبل الحكم السعودي الحديث . 
   روى لي أحدهم حكاية عجيبة يكشف مضمونها عن قوة قبيلتهم وحرْصها على الثأر لبنِيْها وابتداع طرُق في الثأر ، فكان مما حكاه : 
   لما تَمَكَّنَ زعيمهم من غريمه ، كان قد أقسم أن يشرب من دمه ؛ لأنه قتَل ابنه ، ولم يسعه البَرُّ بقَسَمه إلا أن يذبح غريمه ذبْحَ الشياه ، أَوثقوا الرجل ، ولما استل ذلك الزعيم سِكينَه ليباشر التذكية ؛ بكى الموثوق ، فقال له الذابح بلهجته وتماما كما رواها صاحبها : " انت وِرْع تَبْكِيْ من الموت ؟ ! ، وَخِّرْ لِحْيَتك عن الدم " . 
   سأفترض صحة هذه الحكاية ؛ ليستوقفني أولا مبدأُ البكاء عند السابقين ؛ فهُم يوقنون أن الموت لا يكسر الرجال ، ربما يكاد ينخلع قلبه فَرَقاً ؛ ولكنه لا يُظهر خوفا أو استعطافا فضلاً عن البكاء ، دموع الرجال لا تستخرجها إلا الخشية من الله - تعالى - ، أو الرحمة ، أو التشوق للمحبوب ؛ لذلك ؛ حُقَّ للذابح أن يَعْجَب ! ، في المقابل ؛ لا يَسَعُنا أنْ نحاكم ردة فِعل الموثوق ؛ لأن الله - سبحانه - سمى الموت مصيبة ، ولم نكن في ضميره لنعرف السبب الرئيس لبكائه ؛ فلَعَلَّه حزنا على عياله الذين سيَفْجَعُهم مصيرُه ، أو قهراً أنْ لم يكن أحدث فيهم مقتلة أكبر ، أو أنه تمنى أنْ يُقتَل في ساحات النزال ... ، الله أَعْلَم بالحال . 
   ثم إن هناك سؤالا مُلِحّاً : لماذا ركَّزَ الذابح على اللحية ؟ ! ، هنا يترجح الخوف من الموت ؛ لأن الموثوق ربما شدَّ عظم ذقنه على أعلى صدره لما رأى الذابح يحاول مُسْتَعْجِلاً وضْع السكين حيث الحلقوم ؛ ليخرج الدم المسفوح غزيرا ويَتَمَكَّنَ الذابح من شرب الدم . 
   أعود إلى اللحية ؛ فقد خاطب الذابح أَنَفةَ الموثوق ؛ فكأنه يوحي إليه أنه لم يَبْقَ لديك من كرامتك إلا أن تحفظ لحيتك من دمك ! ، ليس شيء أَعَزُّ على الرجل من وجهه ولا سيما لحيته ، كأني بالذابح يقتل الموثوق نفسيا عشَراتِ المرات قبل قتْله بسكينه مرة واحدة ؛ فهو يثير في ذهن الموثوق صُوَراً ذهنية ؛ أنك ستتألم أكثر وستتضرج بالدم لحيتك التي لطالما كرمتها ، ثم إنك بكيت أو لم تَبْكِ ميتٌ ميتٌ ! . 
   إن لحية تجعل الذابح يخشى عليها من الدم وتجعل الموثوق ربما يكف عن البكاء ويواجه قَدَره بشجاعة الرجال لتبكي ألْفَ ألْفِ مرة على قوم جعلوها تموت تحت الأقدام مغادِرةً الوجوه إلى النفايات ! . 


كَتَبَه أبو الليثِ عبدُ العزيزِ بْنُ صالحٍ الحَسَنِيُّ الزَّهْرانِيّ . 

الواحدة وخمساً وثلاثينَ دقيقةً من لَيْلِ الأحَدِ غُرّةِ جُمادَى الأُولى من العام الثامنِ والثلاثينَ والأربعِمئة والألْفِ الهجري ، الموافق للتاسع والعشرينَ من يناير من العام السابعَ عَشَرَ والأَلْفَيْنِ الأِفْرَنْجِيّ . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق