المتابعون

الجمعة، 24 فبراير 2017

أُخُوّة !

   عن أَبِيْ هُرَيْرةَ - رضيَ اللهُ عنه - أن رسولَ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - قال : [ المسلمُ أَخو المسلمِ ، لا يظلِمُهُ ولا يخذلُهُ ولا يحقرُهُ ، وحسْبُ امرئٍ منَ الشَّرِّ أن يحقرَ أخاهُ المُسْلِمَ ]].
رواه أحمد في مُسنَْدِه برقم 15239 ، وإسناده صحيح بحسب أحمد شاكر ..
 في الحديث الشريف :
1 - حرصه -صلى الله عليه وسلم- على ما ينفع المسلم حال كونه فرداً أو مع جماعة المسلمين.
2 - الرابط الأعظم بين كل مسلم ومسلم هو رابط الأُخُوّة.
3 - أُخُوّة الإسلام تتقاصر عندها كل علاقة بما فيها الأخُوة النَسَبية؛ إذ إن مصدرها الدين المَرْضي عند الله -تعالى- -وحسبك به مصدرا-: [ ورضيتُ لكم الإسلامَ دِينا].
4 - لم تكتفِ علاقة الأُخوة هذه بحسْن المصدر بل تعدته إلى حسن المآل حيث الجنة -وحسبك به مَآالا-: [إخوانا على سرر متقابلين].
5 - هذه الأُخوة أُخوة إسلام وانتهى الأمر؛ فهي لا تعترف بماض مهما كان سيئا، ولا بمميزات مهما تفاوتت؛ فالمشركون إذا أسلموا قال لنا الله -تعالى- عنهم: [فإخوانكم في الدين]، واليتامى الضعفاء الفقراء قال لنا الله سبحانه عنهم: [وإن تخالطوهم فإخوانكم]، ومجهولو النسب قال لنا ربنا عنهم: [فإخوانكم في الدين ومواليكم].
6 - أخُوة الإسلام أعظم من أُخوة النَسب؛ فلا موالاة لكافر ولو كان شقيقك ولا توارث بينهما بسبب اختلاف الدين.
7 - لعظم هذه العلاقة المباركة نص عليها القرآن الكريم؛ حيث قال تعالى: [إنما المؤمنون إخوة] ... الآية، وكذلك أكد عليها  نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في غير ما موضع وفي أكثر من مشهد حتى في خطبة الوداع، بل وابتدأ -عليه الصلاة والسلام- بالمآخاة بين المهاجرين والأنصار عند وصوله المدينة! .
8 - وإذا كانت هذه الأُخُوّة لا تعترف بمكان فهي -أيضا- لا تعترف بزمان، هَهو الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُؤَطِّرُ العلاقة بينه وبين مَن يأتي بعده في إطار الأُخوة؛ أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: [وددت أنّا قد رأينا إخواننا] ثم قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث نفسه: [وإخواننا الذين لم يأتوا بعد].
9 - اختار الله -تعالى- لنا علاقة الأُخوة جامعة بيننا ليعرف كل منا مدى علاقته بأخيه إن كان صغيرا رحمه، وإن كان كبيرا عرف له قدره.
10 - قوله -صلى الله عليه وسلم-: [المسلم أخو المسلم] جملة ابتدائية خالية من التأكيد، غرضها البلاغي اعتياد هذه الحقيقة ومضيها عُرفاً بين المسلمين وأساسا لا تقوم الأمة إلا عليه؛ وبناءً عليه؛ فالجملة لا تحتاج إلى أي توكيد.
11 - في اختياره -عليه الصلاة والسلام- لكلمة مسلم مرتين تتوسطها كلمة [أخو] إعجاز فني راسم بالكلمات وُفِق إليه عليه الصلاة والسلام.
12 - معلوم أن كلمتي الإيمان والإسلام بتصرفات كليهما إذا اجتمعتا لفظا افترقتا معنى، وإذا انفردت إحداهما تضمنت معنى الأخرى؛ ولكن اختياره -صلى الله عليه وسلم- لفظ [المسلم] يشير إلى أنه ليس بوسعنا استجلاء النوايا فما دام يشهد شهادة التوحيد بمقتضياتها فهو أخونا، له ما لنا وعليه ما علينا.
13 - الرسول -صلى الله عليه وسلم- لَمّا أَطَّرَ علاقة المسلمين في دائرة الأُخوة المباركة أتانا بإعجاز آخَر في علمه بالنفسية البشرية؛ فقد ركَّز على النَّواهي وكأنه يشير إلى أن المرء تتنازعه شياطين الجن والإنس موسوسة ومُحَرِّشة، وتنازعه نفسه إلى سوء الظن بأخيه؛ فالنهي عن الخضوع لهذه الصوارف عن مقتضى الأُخوة والامتثال المبادر لهذا النهي يُيسِّران القيام بالواجبات الأخوية، والنهي هنا يقتضي التحريم.
14 - في التفصيل بعد قاعدة [المسلم أخو المسلم] ترغيب وترهيب؛ فكأنه عليه الصلاة والسلام- يقول لنا مرغبا: هل تريد الانضمام إلى المسلمين المتآخين حقا؟ . وكأنه يقول مرهبا: إن كنت من الراغبين فإياك أن تفعل...
15 - الظلم آفة الآفات، ولا يقف عند الظلم المالي بين الناس؛ بل يتعداه إلى كل ما يؤذيهم؛ فالتحريش بينهم ظلم، واغتيابهم كذلك، وتتَبُّع عوراتهم...
16 - ابتداء الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالظلم يشير إلى أن مرجع كل مخالفة مقصودة تضر المسلم إلى الظلم.
17 - وإذا كانت الأُخوة تعني المساواة في أخْذ الحقوق والقيام بالواجبات وفقاً لما أمر به الله -تعالى- ورسوله -عليه الصلاة والسلام- فإن الظلم بانتهاكه الحقوق وانتقاصها والصد عن أداء الواجبات هو هادم هذه الأخُوة ! .
18 - الخذلان نكوص عن أداء ما لأخيك عليك من حق؛ المسلم ليس شخصية سلبية لا يهمه مَن حوله؛ بل هو إيجابي مبادر فعال.
19 - ترْك مناصحة أخيك خذلان له، وهكذا ترْك نصرته بما يدفع البلاء عنه ونجدته مالا وجاها...
20 - لا يشابه عدم الخذلان التدخل فيما لا يعني المرء؛ فالتدخل إرضاء فضول نفس أَمّارة بكشف ما لا حق لها في كشفه وما لا يعود بفائدة على المسلم، وغالبا ما يكون المتدخل مكتفيا بمعرفة الزلات والهنات وينكص عند سد الخلة والحاجات.
21 - يتميز ترْك الخذلان عن النهيين السابق واللاحق بأنه يعني فعْل أكثر من شيء لنفع المسلمين، والنهيان الآخران نهيان صريحان.
22 - في النهي عن الخذلان إشارة إلى أن التعاون على البر والتقوى واجب وأن المسلم بل الناس عامتهم لا يستغني بعضهم عن بعض.
23 - حقران المسلم ازدراؤه وكأنه ليس أهلا لتربطه بالمحتقِر علاقة أُخوة! .
24 - الحقران ينبئ عن نفس مستكبرة كارهة لهذه الأخوة فهو نتيجة حتمية للتكبر، أعوذ بالله منه ! .
25 - ليس شرطاً أن يُظهر المحتقِر احتقاره لأخيه بل مجرد الاستنكاف عن الوقوف جواره في الصلاة مثلا لكونه فقيرا احتقار له.
26 - قد يبدو المحتقِر مبادرا إلى نجدة أخيه؛ ولكن إن أعطاه بتعالٍ فقد احتقره، وإن مَنَّ عليه فقد احتقره، وإن تلذذ بإِلجائه إلى ذُل السؤال وهو يعرف حاله فقد احتقره... ! .
27 - قد يؤدي اعتياد الحقران إلى السخرية والاستهزاء حتى ولو كان على سبيل المزاح والإضحاك ! ، فقد تحب أخاك لكنك تَسْخَر منه ولا تدري أن فِعلك يترك أثراً في نفسه ويجعل غيْرك يستمرئ فِعلك؛ لذا فليُعلَم أن الاحتقار قنطرة السخرية، أعوذ بالله منهما ! .
28 - الحاقر خاسر لفضائل هذه الأُخوة؛ فهو متشبه بإِبليس في استكباره، تعدى درجة التكبر إلى الولوغ في امتهان الآخرين، ولا يوجد امرؤ سوي يرضى أن يكون مُهانا أو يرضى أن يكون أخوه كذلك.
29 - الحقران يتضمن النهيين السابقين؛ فهو ظُلم للمحتقَر وكفى به خذلانا له !.
30 - انتهى النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذِكر نواقض الأُخوة الثلاثة ليركز على آخرها؛ إذ الظلم والخذلان لا يجهل أكثر مضارهما مسلم ولا كافر.
31 - ذكره -عليه الصلاة والسلام- لفظ [وحسب امرئ من الشر] إشارة إلى أن الاحتقار يكفي علامة على شرور المرء فهو لا يحتاج بعدها إلى دليل مُبَيِّن لسوئه.
32 - الحقران هو شرارة الشر إذ هو يورث العداوة من المحتقَر تجاه مَن يحتقره وقد يودي به ذلك إلى ردة فعل غير محمودة العواقب؛ ناهيك عن الحسد والبغضاء والفُرقة، وكفى بها شرورا! .
33 - الحقران -بنص الحديث- شر يعود على المحتقر أيضا وسيُجزى عليه؛ إذ سمى الله -تعالى- السيئات التي يقترفها المرء شرا في قوله سبحانه: [ومَن يعمل مثقال ذَرّة شراً يَرَه].
34 - الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: [وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم] يعيد التأكيد بكلمة: [أخاه] على أُخُوة المسلمين بعضهم لبعض فهو -عليه الصلاة والسلام- يُذَكِّر المحتقر بواجب الأخ نحو أخيه ويلَيِّن قلبه بالأُخوة المقتضية للرحمة واللُّحْمة.
35 - الأُخوة تتعدى كونها شعارا يُرفع إلى حياةٍ مَعِيشة مُسْتَمتَعٍ بها؛ فصلاح الأمة وقوتها ومنعتها وعزها ورفعتها كلها لا تبدأ إلا من داخلها باستشعار أعضائها معنى الأُخوة وبُعدهم عن نواقضها؛ فإذا تَنافَع المسلمون وأمِن المسلم غائلة أخيه تفرغوا جميعا للبناء ونشر النور الذي آتاهم الله إياه.
 أسأل الله -جلت قدرته- أن يبقينا متآخين وأن يجمعنا إخوانا في الجنة وألا يجعل في قلب أحدنا غِلاً على أخيه.

   التعليقات على الحديث الشريف لأخيكم أبي الليث عبد العزيز بن صالح الحَسَني الزهراني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق