المتابعون

السبت، 18 مارس 2017

بسبب حرف !!!

قبل اثنتين وثلاثين سنة كنا في الصف الأول الثانوي، وفي حصة اللغة الإنجليزية وصلنا إلى موضوع عن قارات العالم، طلب مني أستاذ المادة - رحمه الله أن أقرأ، وكان أستاذا معروفا بالظرف، وبالتأكيد؛ فإن أول ما يطالعنا من القارات هو آسيا التي تُكتَب هكذا : " Asia " ، ولكنني ولأن الكلمة جديدة علَيَّ لم أنطقها جيدا فسقط مني حرف ال " I " ، فكرر الأستاذ الكلمة من بعدي بالطريقة الخاطئة التي نطقتها وأردف بقوله : " هذي في بيتكم ". 

ضحكْتُ كغيري من الطلاب حين يمالحه ويمازحه أستاذه ، ضحكة روتينية بروتكولية ! ، أما زملائي فيبدو أنهم لم يتنبهوا لخطئي ولا لرده ، فمرت القفشة كأن لم تكن ، كنتُ أسأل نفسي عن الصلة بين خطئي في نطق الكلمة وبين رد الأستاذ ! ، ما الذي جعل أستاذي يوصلني إلى بيتي ونحن نطوف بقارات العالم ؟ ! .

ما زال هذا السؤال في ذهني أفكر فيه إلى بعد خمس وعشرين سنة ، سموه حقدا ، سموه فضولا ، سموه فضاوة ، سموه تأملاً ... ، سموه ما تشاءون ، بعد ربع قرن ؛ أكتشفت أن ذلك الأستاذ - رحِمه الله - كان يتهكم علَي ، نعم ، وعندي الدليل ؛ فهو لاحظ خطئي في إسقاط حرف ال " I " من كلمة " Asia " ، فصارت صوتيا هكذا : " aaesha " ، يعني بالعربية اسم : "عائشة " أو "عيشة " كما ينطقها بعض أهل الحجاز ، أي أن هناك من قريباتي ؛ أمي أو إحدى أخواتي اسمها عائشة .

الحق أنه لا أمي ولا أي من أخواتي أو عماتي أو خالاتي أو جداتي اسمها عائشة ، أذكر أن جارة لنا في شارع 25 في حي الشهداء الشمالية بالطائف ونحن صغار كان اسمها عائشة وهي من قرية أُخرى ! ، فهل كان أستاذنا بحدسه القوي يقصدها ؟ ! ، وحين كان يتهكم علَي ويقول إنها في بيتنا ؛ هل كانت حقا في بيتنا تزور أمي ؟ ! ، أما هذه ؛ فلا لأننا انتقلنا من ذلك البيت ، ثم إن جارتنا عائشة ماتت بعد انتقالنا وقبل حادثة التهكم رحمها الله .

السؤال الكبير : ماذا لو فهمت مقصد أستاذنا ؛ هل سأُقسِم له أَيمانا مُغَلَّظةً أنه لا أنثى من أهلي اسمها عائشة ؟ ! ، وهل لو فعلتُها سيصدقني ، أَم سيغرق في الضحك والسخرية بالاشتراك مع زملائي ؟ ! ، وماذا ستكون ردة فِعل الزملاء بعد انتهاء الحصة خاصة أنهم يترقبون - كأي شباب - لحظة تندر وسخرية ؟ ! ، والسؤال الأصغر منه : أَيُّ تغفيل ذلك الذي جعلني لا أكتشف هذا التهكم إلا بعد ربع قرن ؟ ! ، ولو فتشت في ذاكرتي ؛ كم من الزمن سأستغرقه لأفَسِّر كلمات المحبين قبل الكارهين ؟ ! .

قد يُظَن بي أنني أتجنى على أستاذي أو أتنكر له أو أتهمه بعد موته رحمه الله ؛ معاذ الله الحق أن أستاذنا الذي عرفناه سنين عديدة ودرسَنا ثلاث سنين عُرِف بهذا النوع من القفشات ، هذه المرة كنتُ أنا هدفا لتصويبه الدقيق ، ثم إنه - رحمه الله - كان يتقبل ردة فِعلنا بحب وبقلب كبير كما لو كان أخا لنا ، وهذا ما يشهد به تلاميذه قبل زملاء مهنته ، ثم إنني أجزم أنه لو قرأ المقال الآن لضحك كثيرا ولاتهمني بالحقد ولقال متفكهاً : " أنت متأكد أن ما فيه واحدة هنا أو هنا اسمها عائشة " ؟ ! .

عودة إلى التهكم ؛ لأسأل : ما الذي جعل ذهن أستاذنا - رحمه الله - ينصرف تلقائيا بسبب خطأ تلميذ في لغة غير لغته إلى العنصر الأنثوي ؟ ، ولماذا أَعلَنها هكذا ؟ ، وهل كان يتوقع ردة فِعل مني ؟ ، مع أنني أؤمن أن هذا التصرف لا علاقة له بالتعليم ولا سيما في الدخول إلى خصوصيات الشباب في عمرنا آنذاك إلا أنني اؤمن أيضا أنه أحيانا يكون التغفيل نعمة ؛ فالحمد لله ! . 

 

 

كتَبَه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني .

في مكة شرَّفها الله .

ليلة الأحد العشرين من جمادى الآخِرة من عام ثمانية وثلاثين وأربعمئة وألف الهجري ، الموافق للتاسع عشر من مارس آذار عام سبعةَ عشَر وألفَين الإِفرنجي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق