قبل اثنتين وثلاثين سنة كنا في الصف الأول الثانوي، وفي حصة اللغة الإنجليزية وصلنا إلى موضوع عن قارات العالم، طلب مني أستاذ المادة - رحمه الله أن أقرأ، وكان أستاذا معروفا بالظرف، وبالتأكيد؛ فإن أول ما يطالعنا من القارات هو آسيا التي تُكتَب هكذا : " Asia " ، ولكنني ولأن الكلمة جديدة علَيَّ لم أنطقها جيدا فسقط مني حرف ال " I " ، فكرر الأستاذ الكلمة من بعدي بالطريقة الخاطئة التي نطقتها وأردف بقوله : " هذي في بيتكم ".
ضحكْتُ كغيري من الطلاب حين يمالحه ويمازحه أستاذه ، ضحكة روتينية بروتكولية ! ، أما زملائي فيبدو أنهم لم يتنبهوا لخطئي ولا لرده ، فمرت القفشة كأن لم تكن ، كنتُ أسأل نفسي عن الصلة بين خطئي في نطق الكلمة وبين رد الأستاذ ! ، ما الذي جعل أستاذي يوصلني إلى بيتي ونحن نطوف بقارات العالم ؟ ! .
ما زال هذا السؤال في ذهني أفكر فيه إلى بعد خمس وعشرين سنة ، سموه حقدا ، سموه فضولا ، سموه فضاوة ، سموه تأملاً ... ، سموه ما تشاءون ، بعد ربع قرن ؛ أكتشفت أن ذلك الأستاذ - رحِمه الله - كان يتهكم علَي ، نعم ، وعندي الدليل ؛ فهو لاحظ خطئي في إسقاط حرف ال " I " من كلمة " Asia " ، فصارت صوتيا هكذا : " aaesha " ، يعني بالعربية اسم : "عائشة " أو "عيشة " كما ينطقها بعض أهل الحجاز ، أي أن هناك من قريباتي ؛ أمي أو إحدى أخواتي اسمها عائشة .
الحق أنه لا أمي ولا أي من أخواتي أو عماتي أو خالاتي أو جداتي اسمها عائشة ، أذكر أن جارة لنا في شارع 25 في حي الشهداء الشمالية بالطائف ونحن صغار كان اسمها عائشة وهي من قرية أُخرى ! ، فهل كان أستاذنا بحدسه القوي يقصدها ؟ ! ، وحين كان يتهكم علَي ويقول إنها في بيتنا ؛ هل كانت حقا في بيتنا تزور أمي ؟ ! ، أما هذه ؛ فلا لأننا انتقلنا من ذلك البيت ، ثم إن جارتنا عائشة ماتت بعد انتقالنا وقبل حادثة التهكم رحمها الله .
السؤال الكبير : ماذا لو فهمت مقصد أستاذنا ؛ هل سأُقسِم له أَيمانا مُغَلَّظةً أنه لا أنثى من أهلي اسمها عائشة ؟ ! ، وهل لو فعلتُها سيصدقني ، أَم سيغرق في الضحك والسخرية بالاشتراك مع زملائي ؟ ! ، وماذا ستكون ردة فِعل الزملاء بعد انتهاء الحصة خاصة أنهم يترقبون - كأي شباب - لحظة تندر وسخرية ؟ ! ، والسؤال الأصغر منه : أَيُّ تغفيل ذلك الذي جعلني لا أكتشف هذا التهكم إلا بعد ربع قرن ؟ ! ، ولو فتشت في ذاكرتي ؛ كم من الزمن سأستغرقه لأفَسِّر كلمات المحبين قبل الكارهين ؟ ! .
قد يُظَن بي أنني أتجنى على أستاذي أو أتنكر له أو أتهمه بعد موته رحمه الله ؛ معاذ الله الحق أن أستاذنا الذي عرفناه سنين عديدة ودرسَنا ثلاث سنين عُرِف بهذا النوع من القفشات ، هذه المرة كنتُ أنا هدفا لتصويبه الدقيق ، ثم إنه - رحمه الله - كان يتقبل ردة فِعلنا بحب وبقلب كبير كما لو كان أخا لنا ، وهذا ما يشهد به تلاميذه قبل زملاء مهنته ، ثم إنني أجزم أنه لو قرأ المقال الآن لضحك كثيرا ولاتهمني بالحقد ولقال متفكهاً : " أنت متأكد أن ما فيه واحدة هنا أو هنا اسمها عائشة " ؟ ! .
عودة إلى التهكم ؛ لأسأل : ما الذي جعل ذهن أستاذنا - رحمه الله - ينصرف تلقائيا بسبب خطأ تلميذ في لغة غير لغته إلى العنصر الأنثوي ؟ ، ولماذا أَعلَنها هكذا ؟ ، وهل كان يتوقع ردة فِعل مني ؟ ، مع أنني أؤمن أن هذا التصرف لا علاقة له بالتعليم ولا سيما في الدخول إلى خصوصيات الشباب في عمرنا آنذاك إلا أنني اؤمن أيضا أنه أحيانا يكون التغفيل نعمة ؛ فالحمد لله ! .
كتَبَه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني .
في مكة شرَّفها الله .
ليلة الأحد العشرين من جمادى الآخِرة من عام ثمانية وثلاثين وأربعمئة وألف الهجري ، الموافق للتاسع عشر من مارس آذار عام سبعةَ عشَر وألفَين الإِفرنجي .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق