المتابعون

الجمعة، 24 مارس 2017

خلف عبد الناصر

     جاء عهد عبد الناصر في بداية النصف الآخِر من القرن العشرين ليغير على 
كثير من الثوابت #العربية ويُغَيِرها بدءا بتدخله المباشر عسكريا مرورا 
بالخطابات الرنانة وانتهاء بالتأييد الصارخ !.
   عبد الناصر تَدَخَّل في اليمن وأزال حكم الإمام، وكانت له يد في إزالة 
الملكية في #ليبيا و #تونس وحاصر الأشراف لينتزع منهم العراق ويحصرهم في 
الضفة الشرقية من نهر الأردن فيما بات يعرَف بالمملكة الأردنية الهاشمية، 
وحاول زعزعة حكم آل سعود في الجزيرة العربية.
   لم تكن أنظمة المَلَكية العربية هي العدو الأوحد لعبدِ الناصر ؛ ولكن أيضا 
علاقة المَلَكية بشعوبها، وهي أن طاعة الرعية لأولياء أمورهم واجب ديني فرضه 
الله عليهم ؛ إذن الدين عدو عبد الناصر ، ولكَم اتهم الملوك باستعباد الشعوب 
واتهم الشعوب المحبة لهم بأنهم عبيد، وكان شعاره "انتهى زمن العبودية 
والتبعية"؛ لكنه حاول أن يكون إلها لمصر وحتى سوريا طيلة فترة الوحدة، وهنا 
التناقض الأول؛ هل يكره المَلَكية لذاتها؟، هل يكره الدِين الآمر بطاعة ولي 
الأمر؟، أَم أنه يريد صياغة ربوبية أكثر من الملَكية تجمع له المُلك والدين!؟.
   اتهم عبد الناصر الدول المارقة عن فِكره بالتبعية لبريطانيا الاستعمارية 
ثم لأمريكا، وحاول مخادعة الشارع العربي بما يسمى منظمة "عدم الانحياز" 
التي شارك فيها "ديزمون تيتو" زعيم يوغسلافيا الاشتراكي المتطرف، وأتى 
بالخبراء السوفييت العسكريين، ونادى بالاشتراكية وتأميم كل شيء للدولة، وهو 
ما يتماهى مع الفكر الشيوعي مع أنه قام بسَجن مجموعة من المفكرين الشيوعيين؛ 
ليس لشيوعيتهم؛ ولكن لأنهم حاولوا قول كلمة "لا" على استحياء، وهنا التناقض 
الثاني؛ مَن التابع الذليل للسوفييت حتى عسكريا!؟.
   ومما نادى به عبد الناصر الوحدة العربية؛ لكنه أرادها على مقاس رغباته، 
وحدة تقوم على المؤامرة وتقويض أنظمة الحكم وتمويل حركات التخريب، من فضل 
الله علينا أن حكم عبد الناصر بدأ بعد تدشين جامعة الدول العربية؛ وإلا 
لصدع الناصريون رؤوسنا بأنه هو عَرّاب الجامعة؛ لكن من حقنا أن نسأل: أين عبد 
الناصر من فصْل السودان عن مصر بعد ثورة يوليو؟، ولماذا ماتت الجمهورية 
العربية المتحدة بعد ثلاث سنوات؟، ولماذا لم ينتفض بعد فصْل غزة بالقوة عام 
67؟، ولماذا سكت عن احتلال الكيان الصهيوني لِ "أم الرشراش"؟، ولماذا لم 
يصنع شيئا لتوحيد اليمنين؟، ولماذا لم نسمع له شيئا عن احتلال إيران 
لعربستان؟، يا له من تناقض؛ إنها وحدة ناصرية لا علاقة لها بالجغرافيا ولا 
التأريخ ولا الدم ولا القِيَم!.
   ويأتي النفط ليُحْدِث نقلة تنموية قوية لأبناء الخليج وينتفض عبد الناصر 
متهما شعوب هناك بالقشرية وأنهم عُباد الشهوات وأنهم قوم أعراب بدو جُهّال 
أتتهم نعمة لا يحسنون استغلالها!، العجيب أن هذه الفكرة استمرت حتى الآن 
بعد مرور ما يقرب من نصف قرن منذ وفاته!، كل منجز يحدث هناك هو بالمال وليس 
بالفكر، وأساسه أبناء عبد الناصر الذين أخرجوا الخليج من الظلمات إلى 
النور!، إلا أن ذلك الزعيم أتى مصر وهي في القمة اقتصاديا بل وكانت تقرض 
دولا أوروبية، وتركها في حالة اقتصادية هزيلة؛ شأنها في ذلك شأن الدول 
الاشتراكية الأقرب إلى الشيوعية؛ فماذا لو كان النفط في يد عبد الناصر ؟، 
أحسب أن مصر لن تكون أحسن حالا من فانزويلا وإيران الخميني وليبيا القذافي 
الغنية بالنفط!، فأي فكر اقتصادي هذا؟!.
   ويموت عبد الناصر؛ لكن  بين وقت وآخر يخرج أيتام ناصريون من جحورهم 
متخبطين خاصة بعد ما يسمى "الربيع العربي"؛ ففي سوريا مثلا؛ يدعمون نظام 
الأسد ضد رافضي التبعية والعبودية ليناقضوا فِكر زعيمهم!، وفي مصر يوالون 
النظام متعدد الولاءات ذا النظرية الرأسمالية الذي زاد معاناة الشعب 
ويحاولون أداء الكومبارس الفاشل في الانتخابات مهشمين طموحات عبد الناصر!، 
وفي اليمن يدعمون الحوثي والحراك الجنوبي الانفصالي مناقضين نظرية زعيمهم 
الوحدوي!، وفي لبنان والعراق بل والبحرين يناصرون الفِكر الفارسي على حساب 
العروبة وكأنهم لم يسمعو "صوت العرب" الذي أطلقه زعيمهم!، ناهيك عن خسائر 
التأييد بالجملة في الشارع العربي حتى في مصر معقل الناصرية لم يحصلوا إلا 
على الفتات بعد كَومة التنازلات وتَوَسُل التحالفات، ولن يكون آخرها في لبنان 
حيث خسارة انتخابات صيدا أمام رسملة الحريري في عز سيطرة نظام الأسد موالي 
عبد الناصر على كامل لبنان!.
   لا يملك أي متأمل هنا إلا أن يخاطب عبد الناصر شامتا: "مُت أيها الزعيم؛ 
لأان مَن خَلَّف مات"!.


كتَبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
في مكة شرَّفها الله.
ليلة السبت 26/6/1438 هـ، الموافق 25/3/2017.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق