قبل ثلاث سنوات تقريبا نشرتُ هذا المقال ، ولأن الحدث قد تكرر الآن فهأنا أنشره هنا أيضا :
في مشهد يتكرر دوريا ؛ انطلق مجموعة من الصبية خارج أسوار المدرسة وفي وضَح النهار حاملين كتُبا لطالما أتعبت عيونهم في التدقيق وتوصيل الخانات والبحث عن الصور المتشابهة ! ، قام هؤلاء الصبية الأشاوس - في بلد تمنع التظاهرات والاحتجاجات العلنية - بإقامة حفلة انتقام علنية ليس على الورق - كما دأب بعض الناس - ؛ ولكن من الورق !، إنهم نمور ؛ ولكن ليسوا من ورق ، ولا على الورق ؛ بل بالورق !
مُزقتْ الكتب ! ، هذه الأيدي الصغيرة التي كانت تتعامل مع الصفحات برفق وهي تقلبها وتكاد تقبّلها ؛ انتفضت عليها وراحت تمارس معها أبشع علامات العنف الورقي ! . تلك الألسنة التي لطالما رددت حفظا أو فهما ما احتوته السطور ؛ هي الآن تكشف عما في صغار الصدور وتُخرج ألفاظا نابية نائية عن فحوى السطور ! ، تكلمْت الكتب كثيرا ؛ لكن جاء دور مَن يتكلم أخيرا ! ، هذه الأقدام التي قطعَت المسافات إلى مقاعد الدراسة نالت حظا وافرا من حملة المجزرة الجماعية الورقية ؛ إنها لم تحمل جسدا صغيرا يحمل الكتب ؛ بل جعلتْ تلك الأوراق الرقيقة تحملها وتحمل الأجساد المشحونة غضبا !، حفلة من هوَس الدوس !
خروج عن النص في مشهد متكرر لا يُعرف له مخرِج ولا كاتب سيناريو ؛ لقد اختار ممثلو تلفزيون الواقع الأرض لتكون خشبة صلْب الكُتب في تراجيديا تؤكد أن لا مكان للعِشرة عند أبطال المشهد ! ، لم يُنقل هذا العمل غير الفني على الهواء ؛ ولكن نقل الهواء بقايا من أشلاء السطور المغلوبة على أمرها ! ، التصوير بات عبثيا وعشوائيا كما هو الحال في كل شيء لدى متولي الإبادة بأسلحة هي الأكثر بياضا وطهارة ! ، هو نهار أبيض ؛ لكنه تَلوّن بألوان الكتب الجاذبة التي ماتت موت فجأة ! ، تلونت بقسمات الوجوه الصغيرة الغاضبة على واقع امتد أشهُرا شدادا ! ، تلونت بغبار غطى على غرر الحروف المجندلة !
لماذا يتكرر هذا المشهد السخيف الممل ؟ ! ، ولماذا يُفرض علينا أن يكون قضية رأي عام ؟ ! ، هل باتت أكثر الأشياء روتينا مملا في حياتنا أشبه بمسلسلات يجترها ذلك التلفزيون ليعيدها علينا بين الفترة والأخرى ؟ ! ، لماذا نحن عاجزون عن البحث في أسباب هذا الحدث ، هل عقمت أفكارنا ، أم أن هناك مَن يقمعها فنُضطَر إلى تطييرها محاكية تلك الأوراق ؟ ! ، لقد قررتُ أن أكشف عن بعض الأسباب في هذه الحروف التي لن تطير ؛ فهي ليست في أوراق ؛ بل عصمها الله - تعالى - في كوكب النت ! ، أما الأسباب فإليكموها :
أولا : هذه المناهج العجيبة المليئة بما لا يحتاجه الصغار في PlayStation ! ، نعم ، ، هل سمعتم بلعبة تؤكد بشكل أكثر تشويقا أحكاما عقَدية وَفقهية وتمنحهم مجالا لاستجلاء معاني القرآن وطرائق تلاوته ؟ ! ، فلماذا هذه المواد الكثيرة ؟ ! ، هل سمعتم بلعبة ترسم للصغير طريقا للتعامل مع لغته العربية القديمة المتعبة ؟ ! ، فلماذا نزيد من تعَبه ؟ ! ، هل سمعتم بلعبة تتحدث عن أمجاد الأجداد وفتوحاتهم ؟ ! ، فلماذا هذا التاريخ المثقل ؟ ، يجب النظر في ذلك كله واختصارها في كبسولات من قبيل : " أنا أحب كل شيء ؛ لأني أعيش مع كل شيء وأتعامل مع كل شيء بما يحبه كل شيء " !
ثانيا : هذا الذي يُسمى معلّما ؛ أما كفاه استبدادا ؟ ! ، لا يكفي أن يُضرب المعلم - مع أن الضرب ممنوع ؛ ولكنه في حق الطالب أما المعلم ... - ، ولا يكفي أن يسيل دمه وتصعد نفسه مع بقايا الأوراق ؛ بل عليه الاعتراف بمسؤوليته عن كل شيء وعليه عدم الاعتراض وإلا فالفصل من الفصل ! ، لكأن الأسلم هو الاستغناء عن المعلم الذي يستنزف قَدرا كبيرا من ميزانية الدولة ؟ ! ، الصينيون حاضرون لإنتاج لُعب روبوتية مشوقة تحكي ألعاب الكمبيوتر تقوم بدَور المعلم بكفاءة أعلى !
ثالثا : الوالدان اللذان أرهقا الطلاب الصغار بكومة من الأوامر العسكرية ؛ من قبيل : " استذكر جيدا ، نم مبكرا ، تناول الحليب كل صباح ، احترم والديك ومعلميك ومَن هو أكبر منك ، صل رحمك ... " ، ما هذا التعقيد ؟ ! ، لا بد من صياغة أنظمة تكبح جموح سيطرة كبار الأسرة على الصغار ! ، أقترح أن يُعطى الطلاب دورات مكثفة في المطالبة بالحقوق - الحقوق وليس العقوق - ! ، وفيها يتعودون على إيقاف تغوّل الوالدين ولو بالقوة من خلال ألعاب الدفاع عن النفس مع إجبار الوالدين على دفْع قيمة هذه الدورات وشراء الملابس والأدوات المناسبة لها !
هذه الأوراق الممزقة التي كتبت تاريخا أقرب إلى الأساطير مقارَنة بواقعنا ؛ إن لم تُنصف فإنها ستكتب عن نشء طار من أيدينا مع تلك الحروف غير عابئ بوطن وغير مطيع لولي أمر وغير نافع لمجتمع ، وسلموا لي على المتشدقين الحاملين شهادات هي أيضا أوراق .
كتب هذه الحروف أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
الأحد 19/7/1435 هـ ،18/5/2014 م.
رابط المقال على صفحتي في فيسبوك:
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=702585616471073&id=100001589237614
في مشهد يتكرر دوريا ؛ انطلق مجموعة من الصبية خارج أسوار المدرسة وفي وضَح النهار حاملين كتُبا لطالما أتعبت عيونهم في التدقيق وتوصيل الخانات والبحث عن الصور المتشابهة ! ، قام هؤلاء الصبية الأشاوس - في بلد تمنع التظاهرات والاحتجاجات العلنية - بإقامة حفلة انتقام علنية ليس على الورق - كما دأب بعض الناس - ؛ ولكن من الورق !، إنهم نمور ؛ ولكن ليسوا من ورق ، ولا على الورق ؛ بل بالورق !
مُزقتْ الكتب ! ، هذه الأيدي الصغيرة التي كانت تتعامل مع الصفحات برفق وهي تقلبها وتكاد تقبّلها ؛ انتفضت عليها وراحت تمارس معها أبشع علامات العنف الورقي ! . تلك الألسنة التي لطالما رددت حفظا أو فهما ما احتوته السطور ؛ هي الآن تكشف عما في صغار الصدور وتُخرج ألفاظا نابية نائية عن فحوى السطور ! ، تكلمْت الكتب كثيرا ؛ لكن جاء دور مَن يتكلم أخيرا ! ، هذه الأقدام التي قطعَت المسافات إلى مقاعد الدراسة نالت حظا وافرا من حملة المجزرة الجماعية الورقية ؛ إنها لم تحمل جسدا صغيرا يحمل الكتب ؛ بل جعلتْ تلك الأوراق الرقيقة تحملها وتحمل الأجساد المشحونة غضبا !، حفلة من هوَس الدوس !
خروج عن النص في مشهد متكرر لا يُعرف له مخرِج ولا كاتب سيناريو ؛ لقد اختار ممثلو تلفزيون الواقع الأرض لتكون خشبة صلْب الكُتب في تراجيديا تؤكد أن لا مكان للعِشرة عند أبطال المشهد ! ، لم يُنقل هذا العمل غير الفني على الهواء ؛ ولكن نقل الهواء بقايا من أشلاء السطور المغلوبة على أمرها ! ، التصوير بات عبثيا وعشوائيا كما هو الحال في كل شيء لدى متولي الإبادة بأسلحة هي الأكثر بياضا وطهارة ! ، هو نهار أبيض ؛ لكنه تَلوّن بألوان الكتب الجاذبة التي ماتت موت فجأة ! ، تلونت بقسمات الوجوه الصغيرة الغاضبة على واقع امتد أشهُرا شدادا ! ، تلونت بغبار غطى على غرر الحروف المجندلة !
لماذا يتكرر هذا المشهد السخيف الممل ؟ ! ، ولماذا يُفرض علينا أن يكون قضية رأي عام ؟ ! ، هل باتت أكثر الأشياء روتينا مملا في حياتنا أشبه بمسلسلات يجترها ذلك التلفزيون ليعيدها علينا بين الفترة والأخرى ؟ ! ، لماذا نحن عاجزون عن البحث في أسباب هذا الحدث ، هل عقمت أفكارنا ، أم أن هناك مَن يقمعها فنُضطَر إلى تطييرها محاكية تلك الأوراق ؟ ! ، لقد قررتُ أن أكشف عن بعض الأسباب في هذه الحروف التي لن تطير ؛ فهي ليست في أوراق ؛ بل عصمها الله - تعالى - في كوكب النت ! ، أما الأسباب فإليكموها :
أولا : هذه المناهج العجيبة المليئة بما لا يحتاجه الصغار في PlayStation ! ، نعم ، ، هل سمعتم بلعبة تؤكد بشكل أكثر تشويقا أحكاما عقَدية وَفقهية وتمنحهم مجالا لاستجلاء معاني القرآن وطرائق تلاوته ؟ ! ، فلماذا هذه المواد الكثيرة ؟ ! ، هل سمعتم بلعبة ترسم للصغير طريقا للتعامل مع لغته العربية القديمة المتعبة ؟ ! ، فلماذا نزيد من تعَبه ؟ ! ، هل سمعتم بلعبة تتحدث عن أمجاد الأجداد وفتوحاتهم ؟ ! ، فلماذا هذا التاريخ المثقل ؟ ، يجب النظر في ذلك كله واختصارها في كبسولات من قبيل : " أنا أحب كل شيء ؛ لأني أعيش مع كل شيء وأتعامل مع كل شيء بما يحبه كل شيء " !
ثانيا : هذا الذي يُسمى معلّما ؛ أما كفاه استبدادا ؟ ! ، لا يكفي أن يُضرب المعلم - مع أن الضرب ممنوع ؛ ولكنه في حق الطالب أما المعلم ... - ، ولا يكفي أن يسيل دمه وتصعد نفسه مع بقايا الأوراق ؛ بل عليه الاعتراف بمسؤوليته عن كل شيء وعليه عدم الاعتراض وإلا فالفصل من الفصل ! ، لكأن الأسلم هو الاستغناء عن المعلم الذي يستنزف قَدرا كبيرا من ميزانية الدولة ؟ ! ، الصينيون حاضرون لإنتاج لُعب روبوتية مشوقة تحكي ألعاب الكمبيوتر تقوم بدَور المعلم بكفاءة أعلى !
ثالثا : الوالدان اللذان أرهقا الطلاب الصغار بكومة من الأوامر العسكرية ؛ من قبيل : " استذكر جيدا ، نم مبكرا ، تناول الحليب كل صباح ، احترم والديك ومعلميك ومَن هو أكبر منك ، صل رحمك ... " ، ما هذا التعقيد ؟ ! ، لا بد من صياغة أنظمة تكبح جموح سيطرة كبار الأسرة على الصغار ! ، أقترح أن يُعطى الطلاب دورات مكثفة في المطالبة بالحقوق - الحقوق وليس العقوق - ! ، وفيها يتعودون على إيقاف تغوّل الوالدين ولو بالقوة من خلال ألعاب الدفاع عن النفس مع إجبار الوالدين على دفْع قيمة هذه الدورات وشراء الملابس والأدوات المناسبة لها !
هذه الأوراق الممزقة التي كتبت تاريخا أقرب إلى الأساطير مقارَنة بواقعنا ؛ إن لم تُنصف فإنها ستكتب عن نشء طار من أيدينا مع تلك الحروف غير عابئ بوطن وغير مطيع لولي أمر وغير نافع لمجتمع ، وسلموا لي على المتشدقين الحاملين شهادات هي أيضا أوراق .
كتب هذه الحروف أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
الأحد 19/7/1435 هـ ،18/5/2014 م.
رابط المقال على صفحتي في فيسبوك:
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=702585616471073&id=100001589237614
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق