بعد أن صوَّت مجلس النواب المصري لصالح الموافقة على سعودية جزيرتَي "تيران وصنافير"؛ يكاد الستار ينسدل على جدل مصري طويل ساد الصعيد الرسمي امتد لأكثر من 14 شهرا عقب زيارة الملك سلمان للقاهرة في الرابع من أبريل العام الماضي واتفاق البلدين على عودة الجزيرتين إلى السعودية ؛ لكن الجدل الشعبي متعدد المكونات والتمويلات لم ينقطع ولا أظنه سينقطع ، وبتأمل الشرائح الفكرية المناهضة لقرار تسليم الجزيرتين يتضح لنا :
1- الإخوان المسلمون : يُعد الإخوان في مصر - وهي بلد المنشأ لهذه الجماعة - هم الأعلى صوتا ويكادون يُكَوِّنون ضغطاً قويا على المشهد الشعبي المصري بسبب امتلاكهم آلة إعلامية خارجية وتمويلهم الكبير وبسبب رفْعهم شعارات إسلامية ، هم ضد تسليم الجزيرتين بحجة أنهما مصريتان ولا يجوز التنازل عن الأرض ، ويقال لهؤلاء الإخوان : أين أنتم من مناداتكم السابقة بالوحدة الإسلامية وبكائكم على سقوط الخلافة العثمانية ، إن الجزيرتين انتقلتا من بلد مسلم إلى بلد مسلم آخر ؛ إلّا إذا كنتم ترون أن السعودية ليست بلدا إسلاميا ؛ وعليه فأنتم جماعة تكفيرية تتماهون مع "داعش" التي لا حل ولا حيلة معها إلا الاجتثاث بالقوة ، راجعوا مبادِئَكم ؛ فإما أن تصمتوا وتبقوا إخوانا - كما تزعمون - ، وإما أن تتدعشنوا .
2- الناصريون والعروبيون الغلاة والاشتراكيون الثوريون : هم كتلة وازنة في الحراك السياسي المصري ، وهم يرون أن السعودية المتشددة دينيا لا تستحق السيادة على هاتين الجزيرتين اللتين سالت من أجْلهما دماء المصريين ، ويقال لهؤلاء : ألستم تنادون منذ تأسيس أحزابكم إلى الوحدة العربية ؟ ! ، إِذَن الجزيرتان انتقلتا من بلد عربي إلى بلد عربي آخر ؛ إلا إذا كنتم ترون أن السعودية ليست بلدا عربيا ، قد تقولون ذلك ، وقد تقولون إن السعودية لم تحرص على الجزيرتين إلا لتقيم علاقات مع الكيان الصهيوني ؛ فلنفترض ذلك جدلا ؛ لكن كيف تميل السعودية إلى إسرائيل وهي متشددة دينيا ؟ ! ، ثم إنكم عارضتم بقوة اتفاقية "كامب ديفد" وما يلحقها تباعا من أشكال التطبيع ، إِذَن دعوا السعودية تُثبت صِدق مزاعمكم أو كذبها ، ثم إن مَن أراد إقامة علاقات مع العدو لن تقف دونه حدود ، انظروا إلى حلفاء لكم فتحوا مكاتب تجارية على الطاولة ؛ ناهيكم عما هو تحت الطاولة ! ، ذكاؤكم العروبي على المحك ؛ فإما أن تلعبوها جيدا ، وإما أن تقلبوها مكايدة أطفال .
3- الوطنيون : وهم متسيدو المشهد الإعلامي المصري منذ الإطاحة بحكم الإخوان ، هم نُخَب أقرب إلى اللبرالية ، وهم في هذا المشهد ينقسمون إلى فصيلين ؛ يهمنا منهما الفصيل المُعارِض لتسليم الجزيرتين ؛ يرون أن السلطات المصرية خانت الوطن وتنازلَت عن جزء من الأرض المصرية مخالِفة بذلك الدستور المصري ، ويقال لهؤلاء : ألَم تلهثوا وراء الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي لينقذكم من تَخَبُّط الإخوان ؟ ، ألَم تفوضوه لمكافحة الإرهاب ؟ ! ، ألَم تنتخبوه رئيسا وتنضموا إلى الائتلافات الموالية له في مجلس النواب ؟ ! ، لماذا تَصلون هنا وتتركون السيسي وحده ؟ ! ، أرتكم الحكومة المصرية وثائق تُثبت تبعية الجزيرتين لشبه جزيرة العرب منذ أيام حملة نابليون الفرنسية عام 1800 م، وقلتم إنه في ذلك الوقت لم يكن هناك ذِكر للدولة السعودية ، مشكلتكم أنكم ترددون كلاما على هواكم ولا تكلفون أنفسكم تَصَفُّح التأريخ ؛ الدولة السعودية الأولى تأسست عام 1744 م، أي قبل 56 عاما من تأريخ الوثيقة ، ثم إن من الواضح أن القضية ليست تنازلاً ولا خيانة ؛ القضية حسابات غامضة مع السعودية زعيمة المشهدين العربي والإسلامي ؛ وإلّا فأين أنتم من معاهدة ترسيم الحدود مع قبرص واليونان ؟ ! ، وأين أنتم من إشكالية سد النهضة الإثيوبي ؟ ! ، هل تغْني أراضي العالم كله عن قطرة ماء لعطشان ؟ ! ، إما أن تعاودوا ثقتكم بالسيسي ، وإما أن تبحثوا لأنفسكم عن مكان آخر بين الإخوانجية أو القومجية بعيدا عن وطنيتكم المزعومة ! .
وعلى الرغم من اختلاف مشارب المعارضين ؛ إلّا أنهم اتفقوا على أن كل المؤيدين هم مموَّلِون من السعودية ومن السيسي ومخابراته ، في هذا الاتهام تخوين أقرب إلى هدْر الكرامة المفْضي إلى ما لا تحمد عقباه ، ثم فلنفترض أن التمويل هو سمة العصر ؛ مَن يمول هؤلاء المعارضين للتسليم على تنوعهم ؟ ! ، مَن يجمعهم في صوت واحد ؟ ! ، مَن يُعنى بنقل اجتماعاتهم وتضخيمها وخداع شرائح شعبية من العمال مثلا وحشْدهم ؟ ! ، ألا يحتاج كل ذلك إلى ضخِّ ملايين الدولارات ؟ ! ، أظن أن الشرائح المعارضة ينطبق عليهم المثَل العربي : "رمتني بدائها وانسلت" ! ؛ لكن على أية حال فإن ن الخاسر الأكبر في تجاذبات هذا المشهد الذي يراد له أن يكون ساخنا هو الشعب المصري الأصيل الذي يحْسُن أن يقال له : لقد كررت سراً وجهراً مقولة "ولا يوم من أيامك يا مبارك" ، ومن غير المعقول أن تتكرر هذه المقولة ؛ ولكن مع تغيير اسم "مبار" باسم زعيم آخر ، أن ما يسمَى "الربيع العربي" كان مؤامرة وخريفا فَتَّتَ الأُمة وخدم الصفويين والصهاينة وقوى الاستعمار وعتاة اللبرالية بأيدي موتورين ومخدوعين وبتمويل أقزام لئام ، الفوضى - وإن زعموها خلّاقة - فهي لا تخلق دولة ، وليُعلَم أن التوكل على الله ودعاؤه والالتفاف حول ولي الأمر ونبذ الفتانين خير للأمة وأي خير .
إن العجب كل العجب لا يقف عند استبسال مُعارضي تسليم الجزيرتين ؛ بل يتعداه إلى جزيرة أُخرى في شبه جزيرة آذت كثيرا شبه جزيرة العرب ! ، نعم ؛ فقد دأبت قناة الجزيرة على تأليب الشعب المصري ؛ وكأن الجزيرتين تابعتان لشبه جزيرة قطر ونقْل السيادة يشكل تهديدا لسيادتها ؛ كأنهما شأن قطري أَشْبه بالانقلابين على الجد ثم الأب . المعروف أن الجزيرتين لن تشكلا تهديدا للأمن القومي العربي التي تدعي قناة الجزيرة حمايته ؛ علماً أنها في مقدمة القنوات العربية التي رسمَتْ خريطة العالم العربي على شاشتها وأشأرت إلى إسرائيل بالاسم على الأراضي المحتلة ، أين المشكلة ؟ ! ، أن الموضوع سعودي مصري فقط ، وإن شاءت القناة فيمكنها الإتيان بمصالح الكيان الصهيوني والتي أقترح أن يمثلها أحد الدبلماسيين من أعضاء المكتب الإسرائيلي المزعوم أنه تجاري في الدوحة ، أو عضو الكنيست الإسرائيلي السابق "عزمي أنطون بشارة" الرابض في ردهات القناة ، أو أحد أعضاء الوفد المرافق للهالك الإرهابي "شيمون بيريز" الذي زار قطر أكثر من مرة بدءا من عام 1996 ثم عام 2007 م، يقال لهذه القناة : إن الجزيرتين أكبر بكثير من الجزيرة ، وهما وإن كانتا تقعان في البحر الأحمر على مشارف خليج العقبة ؛ لكن الجزيرة المتفردة ترغب أن تحيطهما ببحر أحمر من الدماء وتجعلهما عقبة تُخرج لنا الفتن ما ظَهر منها وما بطن ! ، شبه جزيرة قطر الصغرى تفصلها عن شبه جزيرة العرب الكبرى جزيرة فضائية أراد رعاتها أن تُحلِّق بهم فوق هام السُحُب ! ؛ ويا له من مرتقَىً صعب ! ؛ والآن مع المقاطعة وعلى الرغم من إثارة القناة للفتنة بين شعبَي البلدين العظيمين ، وعلى الرغم من تَأَذي الشعب القطري الحبيب من هكذا مغامرات ؛ ماذا سيصنع مالكو هذه القناة ورعاتها ؛ خاصة أن "حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني" وزير خارجية قطر الأسبق ادعى علناً أن القناة تسبب له صداعا ! ؛ وهل يكافَح الداء إلا بإزالة سببه ؟ ! ؛ لكن يبدو أنه ومعه غيره من استعذبوا الصداع ، ثم يغضبون من ردة فِعل السعودية التي صبرت أكثر من 20 عاما ، قطر تريد بمعول الجزيرة المتكئ على جزيرتَي "تيران وصنافير" أن تسحب الزعامة من دولتين عظميين في الشرق الأوسط وعلى مستوى عالمنا الإسلامي ! ؛ فأنى لها ذلك ؟ ! ، الزعامة لا تكون إلا في الاستقرار والأمن ، الفتنة لا تصنع عظماء ؛ ولكنها تجعل الصغار عصابات تضرب وتهرب ويسهل اصطيادها .
كتبه أبو الليث عبدُُ العزيزِ بنُ صالحً الحَسَنِيُّ الزهراني .
في مكة شرَّفها الله .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق