#كتاب "كنت رئيسا لمصر " للواء #محمد_نجيب أول رئيس لجمهورية #مصر #العربية شدني إلى محتواه منذ أن أطللت على بواكير حروفه، وتنطلق أهميته من المعطيات التالية:
1- شخصية المؤلف: فهو مولود في السودان لأب مصري وقد ذرع في حياته العملية النطاق العربي من وادي النيل شمالا وجنوبا؛ وهنا تكمن أهمية الكتاب الجغرافية والديموغرافية والسسيولوجية والإنثروبولوجية والقومية، المؤلف تدرج في السلك العسكري السوداني والمصري حتى أصبح لواء في الجيش المصري؛ وهنا تكمن أهمية الكتاب فيما يعرضه من معلومات ومصطلحات وماركات أسلحة عسكرية، المؤلف حاصل على بكلوريوس القانون؛ وهنا تكمن أهمية الكتاب في عرض نصوص المعاهدات وتفاصيل كواليسها ومناقشتها وتفنيدها كما فعل في مناقشة معاهدة الجلاء، المؤلف كان رئيسا لمجلس قيادة الثورة بعد قيامها في 23/7/1952 ثم رئيسا للوزراء فرئيسا للجمهورية فرئيسا سابقا؛ وهنا تكمن أهمية الكتاب السياسية بما يحويه من أحداث وتحليلات، هذا بالإضافة إلى ثقافة المؤلف الأدبية ورهافة حسه ورشاقة عبارته وميله إلى التدين في كثير من تناولاته، وإضافة إلى هدوئه في النقد ورُقُيِّه حتى مع ظالميه؛ فهو لم يشتم أحدا ولا حزبا ولا دولة؛ بل أدهشنا بطابعه الأبوي الحنون النابع من الفارق السني بينه وبين زملائه في مجلس قيادة الثورة؛ يواكب ذلك كِبَر سن الكاتب أثناء تسطيره لكتابه فهو كثيرا ما يكرره أنه قريب من ملاقاة ربه.
2- موضوع الكتاب زمانا ومكانا: يُعد النصف الأول من القرن العشرين من أكثر العصور تقَلُّباً سياسيا واجتماعيا بسبب حركات التحرر من الاستعمار وانهيار أنظمة ملَكية في عالمنا العربي، في ذلك الوقت قامت الحربان العالميتان وسقطت الخلافة العثمانية، يضاف إلى ذلك مرور هذه الحقبة على مكان كمصر من حيث قربها من الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث قامت دولة الكيان الصهيوني، مصر رأس الشمال الإفريقي شديد الاضطراب من جهة ليبيا المستعمرة الإيطالية تلك الآونة، وهي واقعة على أشهر وأهم خطوط الملاحة في العالم القديم حيث قناة السويس، وهي ذات تماسٍّ أقرب إلى التماهي مع جنوب وادي النيل حيث تأرجُح السودان بين متابعة الانضواء تحت الحكم المصري كما كان تابعا للتاج الملَكية المصرية وبين حركات التحرر العاملة على انفصال السودان ليكون بلداء مستقلا، مصر التي لم تشهد حراكا سياسيا ولا فكريا مثل ما شهدته في تلك المرحلة الزمنية، مصر التي شهدت قيام جماعة الإخوان المسلمين وقيام الأحزاب اليسارية ولا سيما الحزب الشيوعي مع استمرار الأحزاب الوطنية اللبرالية في ذلك الوقت مما أثر في قيَم المجتمع آنذاك، مصر التي انطلقت إذاعتها لتسهم مع صحافتها في تشكيل شيء من الوجدان العربي؛ كل ذلك وأكثر صنع لهذا الظرف المكاني أهميته.
3- ظروف صدور الكتاب: صدر الكتاب بناء على اقتراح لأصدقاء مقربين من الكاتب وفقاً لما سطَّره في مقدمته؛ كان ذلك ما بعد 1984 م، وهي حقبة ازدهرت فيها الحريات بعد اغتيال الرئيس السادات وتولي الرئيس الأسبق حسني مبارك وإخراجه مئات المعتقلين السياسيين والإسلاميين والنصارى الذين اعتقلهم السادات قبيل اغتياله، يكاد الكاتب الرئيس محمد نجيب يعطينا الضمانات أنه لن يخفي شيئا خوفا من غوائل الجهات الحاكمة، ثم إن الكاتب تخطى الثمانين من عمره وأحس بدنو أجله فلم يعد يخيفه شيء يخفيه إرضاء لهذا أو ذاك، شوَّقَنا الرجل إلى مرحلة تبدو غامضة علينا بسبب توغل وسيطرة الإعلام الناصري على كل شيء وبسبب قصور أفهامنا عن إدراك معنى أن يعيش في عالمنا العربي رئيس سابق، الرئيس في جمهوريات العرب الخارجة من رحِم الملَكية هم رؤساء مدى الحياة باستفتاءات متعددة السيناريوهات ولكنها تعني أنهم ملكيون بلا أولياء عهود، الكاتب عاش مظالم وظلمات كنا نتلمس التعرف على أسبابها من وجهة نظره وانفعاله بها؛ وهل أفضل من المظلوم أو مدعي المظلومية ليحدثنا عنها؟!.
الكتاب جاء في 14 فصلا معتمدا السرد القصصي الموشى بالتحليلات الشخصية والوثائق المتبادلة بين المؤلف وبين الآخرين وكذلك بمقالات كُتِبت عنه مع استطرادات من هنا وهناك؛ لكن مما يؤخذ على المؤلف:
1- كدأب كُتّاب السيرة الذاتية؛ فهو لا يخلو من تمجيد الذات، ولعل شخصيته العسكرية والقيادية السياسية أكدتا هذه النزعة، ثم إنه حين يعترف بشيء من أخطائه؛ فهو يريد أن يوحي إلينا أن طيبته ورغبته في تمرير الأزمات هما الذان دفعاه إلى ارتكاب هذه الأخطاء مثل: معرفته بتآمر مجلس قيادة الثورة عليه وعدم تصديقه لِ "خالد محيي الدين" عضو مجلس القيادة الذي نقل له بعض تفاصيل المؤامرة بل وفضْحه لمحيي الدين أمام زملائه في المجلس وأخيرا تغاضيه عن اكتشاف مراسلات الأمريكان مع عبد الناصر لإزاحته وتعيين الأخير مكانه...!، يضاف إلى ذلك حديثه بفخر زائد قليلا عن بطولاته أمام الإنجليز والملَكية مثل وقوفه في وجه معلمه في المدرسة الحربية، ورفْضه أداء التحية العسكرية لضابط إنجليزي عند نزوله من القطار، ووقوفه ضد السرايا في انتخابات نادي الضباط؛ومع هذا فقد كان متواضعا في حديثه عن حالتيه الاجتماعية والاقتصادية.
2- الخلل في التوجه الديني لدى الكاتب؛ فهو يذكر أنه استحسن اللجوء إلى إيقونة العذراء -وهو تقليد نصراني- لمساعدته في التغلب على مهربي المخدرات إبان خدمته في صحراء سيناء!، كما أنه حكى أن أحدهم رأى وهو نائم في مسجد الحسين يدا تخرج من الضريح تحمل ورقة تأمر الرئيس نجيب أن يقرأ 1000 مرة قوله تعالى في الآيى 173 من سورة آل عمران: [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]، وأنه فعل شيئا من ذلك ليلة الثورة، المؤلف أورد هاتين المخالفتين الدينيتين من غير أن يُخَطّئ نفسه، وأظن أن الخطأ واضح فيهما للكثيرين.
لقد جاء هذا الكتاب سيرة ذاتية، ولم يكن محاكمة لعهد عبد الناصر ولا للملَكية، ويحُسَب للمؤلف أنه كان متسقا مع نفسه؛ إذ أوقف قلمه عند عام 1971 م، وهو العام الذي نال فيه حريته، كما يُحسَب له عدم تَنَكُّرِه للسادات الذي أطلقه من إقامته الجبرية، إنه لم يشر إلى السادات كثيرا في كتابه؛ لكنه وصفه بأنه فلّاح يقول على كل شيء: صح، وكأنه يضمر أشياء أُخرى، المؤلف شهد أحداثا ضخمة في تأريخ مصر أيام السادات مثل: حركة التصحيح في مايو 1971، وعبور العاشر من رمضان، واتفاقية كامب ديفد، وثورة الخبز، وزيارة السادات للكنيست الإسرائيلي، والاعتقال الجماعي ذي الطابعين السياسي والديني ثم اغتيال السادات....؛ لكن المؤلف اكتفى بسرد حادثتين كلاهما لهما علاقة برئاسته، أولاهما لحظة ظهوره أول مرة في المحكمة مدعيا على الصحفي هيكل بسبب اتهامه إياه بقبض أموال من جهة خارجية، والأخرى سبب تغييره لمكان إقامته الجبري، وعلى الرغم من أن المؤلف حرمنا من آخر 13 سنة بين إيقافه سرد ذكرياته وبين تأريخ ابتدائه كتابة تلك الذكريات؛ إلا أن الكتاب حفل بالكثير من المفاجآت التي منها على سبيل المثال فقط::
1- يَذكر نجيب أنه لا يعرف بالتحديد تأريخ ميلاده؛ بل إنه تم تسجيل 3 تواريخ للميلاد منها تأريخ ميلاد أخيه الأكبر من زوجة أبيه.
2- رصد نجيب تشابهين بينه وبين أبيه؛ فهو تزوج مرتين؛ وكذلك أبوه، وهو عمل في اللواء 17 في السودان؛ وكذلك أبوه.
3- مات لنجيب ابنة اسمها "سميحة" بسرطان الدم، أما ابنه "فاروق" فقد مات بعد خروجه من معتقل عبد الناصر، وابنه الأوسط مات -كما كتب نجيب- بمؤامرة مخابراتية مصرية في ألمانيا، وابنه الأصغر انتهى به الحال سائق تاكسي!.
4- اضطر نجيب لممارسة الطب إبان خدمته في سيناء ليساعده أهلها على تَعَقُّب مهربي المخدرات، ويروي في إطار ذلك حادثة طريفة؛ وهي أن أحدهم جاءه يشكو من الضعف الجنسي فأعطاه نجيب حبوبا مُسَكِّنة للصداع، واندهش نجيب أنه بعد 10 سنوات جاءه ذلك الرجل مصطحبا صبياً شاكرا له على معالجته ومشيرا إلى الصبي على أنه ولده!.
5- وفقا لما ذكره نجيب؛ فقد كان عبد الناصر جبانا؛ إذ لم يلحظ مشاركة فاعلة له في حرب 1948 م؛ بل وقد زاد هذا الأمر جلاء في لقاء له مع قناة إيطالية حين قال إن عبد الناصر ادعى الإصابة وهرب إلى المستشفى، كما ذكر نجيب في كتابه أن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر كانا بعيدَين عن مسرح أحداث ثورة يوليو وأن السادات كان في السينما وافتعل مشكلة هناك ليحرر محضرا في الشرطة ويبعد الشبهة عنه!.
6- نجيب أصر على توديع الملك فاروق عند خروجه النهائي من مصر في 26/7/1952 مـ على يَخْت المحروسة مصطحبا مُقْتَنياته الشخصية وأمر المدفعية بإطلاق 21 طلقة كأنه ما زال زعيما، وعبد الناصر نكل بالرئيس نجيب وحرمه من كل ممتلكاته إلا شيئا يسيرا من أوراقه الشخصية بعد الاطلاع عليها وفقا لما دَوَّنه نجيب؛ بل وحذف اسمه من الكتب المدرسية؛ فبات الطلاب يدرسون أن أول رئيس لمصر كان عبد الناصر، كما أن عبد الناصر نقل نجيباً إلى جهة مجهولة أثناء العدوان الثلاثي خشية أن يقوم المعتدون بإعادته إلى الحكم، وقد رصد نجيب نهْب العسكر مقر إقامته الجبري في فيلّا بالمرْج، وأن جنودا كانوا يراقبونه حتى في غرفة نومه!.
7- اُعتقِل نجيب مرتين؛ أولاهما كانت بتدبير عبد الناصر ولم تدُم طويلا؛ إذ خرج الشعب في مظاهرات يطالبون بعودته، والأخرى كانت هي الآخِرة؛ إلا أنه أرسل من معتقله رسالة إلى عبد الناصر يرجوه فيها أن يسمح له بالانضمام إلى الجيش جنديا على الحدود باسْمٍ مستعار؛ لكن عبد الناصر لم يجبه، ثم إن نجيبا -ومن معتقله- أرسل شيكا بمبلغ 5 جنيهات تبرعاً للجيش المصري قال إنه لا يملك غيرها؛ لكن المسؤول عن اعتقاله رد عليه المبلغ في رسالة هازئة مُوَبِّخة شديدة اللهجة!.
8- قال نجيب إن الضباط الأحرار كانوا فاسدين؛ فقد كان أحدهم يدخل بيت أميرة من أميرات مصر وهو ثمل ليتحرش بها، وكانوا يسرقون المالية المصرية، وقد احتلوا القصور الملَكية، وأسسوا فِرقا موالية منتفعة من عسكر الجيش والشرطة سرعان ما استخدموها في الإطاحة به!.
9- لم يكن نجيب بعيدا عن الشخصيات الدينية؛ فقد أشار إلى أن "حاييم ناحوم" الحاخام اليهودي الأكبر في مصر كان عضواً في المجمع اللغوي في القاهرة، كما كان نجيب ضد إخراج اليهود من مصر، وفي عهده لم تتم مصادرة أموالهم!، وقد استعان نجيب بعبد القادر عودة الشخصية المؤثرة في الإخوان آنذاك وببابا الأقباط والحاخام اليهودي الأكبر لمخاطبة المتظاهرين المحتجين وتهدئتهم وذلك من أعلى شرفة قصر عابدين!.
10- وعلى الرغم من أن نجيباً كان عسكريا إلا أنه نادى بعودة العسكر إلى ثكناتهم وبعدم تَدَخُّل الجيش في السياسة وبجعل الوزارة مدنية وبعودة الحياة الحزبية والانتخابات الرئاسية من الشعب؛ وهو ما عجَّل بالإطاحة به لأن بقية زملائه الصغار ولا سيما عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وزكريا محيي الدين وصلاح سالم كانوا مصممين على امتلاك السلطة الكاملة أيا كان الثمن!، ومن بين مظاهر المدنية التي أرادها نجيب: كان ضد مصادرة الأراضي دفعة واحدة من مُلاكها خلافا لبقية أعضاء مجلس القيادة، وكان ينادي بإدخال العلوم التطبيقية في مناهج الأزهر، وفي عهده انطلقت فكرة مترو الأَنفاق عام 1954 مـ قبل 30 سنة تقريبا من إنفاذها!..
11- أكثر الدول العربية ذكراً في كتاب نجيب هي السعودية؛ فهو يسرد مراسم استقبال الملك سعود ومرافقته في الأسكندرية ومحاولة الملك سعود الإصلاح بينه وبين عبد الناصر، كما يحكي أنه أدى مناسك الحج ورغب في لقاء الملك عبد العزيز غير أنه علِم برفض الملك لقاءه فأصر على مقابلته وسافر إلى مقر إقامة الملك في الطائف وتمكن من مقابلته، وقد أكد له في مستهل لقائه به أن مصر لن تُصَدِّر ثورتها إلى أي بلد عربي وأنها تؤمن أن لكل بلد خصوصيته؛ فما كان من الملك إلا أن مشى متجها إلى نجيب وصافحه قائلا له: نحن ومصر واحد.
وبعد؛ فهذا إيجاز سريع لأجمل كتاب اطلعت عليه في السيرة الذاتية لعَلَم كادت الأجيال تنساه إلى أن يَسَّرَ الله أقدارا من الحرية الفكرية والصحة الذهنية للرئيس نجيب فيأتينا بوثيقة كهذه هي شاهدة على عصر جهِد أقطابه لتشكيله كما يشاءون، أجزم أن ما ذكرته قليل من كثير وأنه لو أتيحت قراءته للكل وتهيأت سُبُل الكتابة لسَلَّطَ كل قارئ الضوء على جوانب مختلفة متميزة منه، الكتاب سياحة نفسية فكرية جغرافية تأريخية قانونية سياسية عسكرية، وقُل ما شئت عن مَواطن التشويق والإدهاش فيه، وليس مَن قرأ كمن قُرِئ له!.
كتَب العرْض أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسَني الزهراني.
في مكة شرَّفها الله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق