المتابعون

الاثنين، 11 مارس 2019

لأن الله أمر

     ما بال الكثيرين يؤدون الواجبات لأسباب ربما تخلو من استشعار أمر الله تعالى؟!، ومع أن من غير المعقول الدخول في النوايا؛ إلا أن بعض المظاهر -للأسف- تشي بذلك؛!:
   ولا أدَل من أن بعضهم ربما أَحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما عرفه من حكمته والآيات التي أجراها الله -تعالى- على يديه عليه الصلاة والسلام، بل إن هناك من أَحبه -صلى الله عليه وسلم- لأنه عظيم يذكره بعظمته العقلية وفكْره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري فقط، ومن أَحبه -عليه الصلاة والسلام- ويمدحه بعلو قدره عند ربه، وربما رفعه فوق قدره وهو عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء المحبون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبب دنيوي محض أخشى أن يتفوق عليهم بعض الذين حاولوا إنصافه -عليه الصلاة والسلام- من غيب بني ملتنا مثل "مايكل هارت" صاحب كتاب "الخالدون مئة" حيث جعل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أول المئة وهو لا يؤمن به مقَدِما إياه -عليه الصلاة والسلام- على عيسى -عليه السلام- وهو يؤمن به وربما أَلَّهَه، وأخشى أن يتفوق على بعض المحبين الدنيويين مفكر مثل "جورج برنارد شو" الذي كتب عنه -صلى الله عليه وسلم- ثناء عجيبا لعل أبرزه أن محمدا -عليه الصلاة والسلام-  منقذ البشرية!.
إن مَن يحبه -عليه الصلاة والسلام- لأن الله أمره بذلك ولكل ما سبق يزداد تعظيما لشخصه -عليه الصلاة والسلام- واتباعا لسنته ودعوة إليها وذبا عنها ومنافحة عنه -صلى الله عليه وسلم- وأمهات المؤمنين وصحابته وآله والتابعين رضي الله عنهم وعنا أجمعين؛ لعل الله يجمعنا بنبيه -صلى الله عليه وسلم- في جنات النعيم: [وحسُن أولئك رفيقا]، نعم، ليكن أول سبب لحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أن الله -جل وعلا- أمَر بحبه عليه الصلاة والسلام وموالاته واتباع سنته والمنافحة عنها وبذل الأنفس في سبيل نشرها.
   وما أكثر مَن يطيع والديه لأنهما ربياه وأحسنا إليه وأكرماه وعلّماه فقط يجد نفسه في موقع راد الجميل مواجهة وجهرا، وقد يحسب لكل فِعل حسن موجه إليهما من قِبله، بل يذهب بعضهم إلى أشكال بر معلنة يصورها ويباهي بها؛ إما وهو يقبِل قدم أمه أو يهدي أحد والديه بيتا مثلا، وهو بذلك أراد ثناء الآخرين حتى قبل رضا والديه اللذَين ربما ساءهما هكذا إحسان علني؛ ناسيا أن والديه حين ربياه لم يفكرا في إعلان ذلك ولو تكلفا في سبيل راحته كل الجهد!.
.أما مَن يطيعهما لأن الله أمره بذلك فهو يضمر لهما خيرا ويدعو لهما ويجاهد نفسه في ذلك صابرا متلذذا بأداء أمْر الله فيهما بل ويبرهما بعد موتهما مستغفرا لهما وواصلا لودهما ناشرا ذلك بين ذريته ومَن له حق عليهم احتسابا للأجر، في نفسه أنه مهْما فعَل فلن يرُد جميلهما لأن الله -تعالى- عَرَّفه أن البر بالوالدين لن يوصل البار إلى أداء حقهما بالكامل، ثم إن اللقاء في الجنة يستحق المبالغة في البر طاعة لله القائل: [ جنات عدن يدخلونها ومَن صلح من آبائهم]... الآية.
   عودة إلى شيء من العبادة الصرفة؛ فبعض مرتادي المساجد ربما أحالتهم قلة دافع أمر الله في أنفسهم إلى لصخابين في بيوت الله  مؤذين لإخوانهم المصلين وللقائمين على شؤونهم داخل تلك البيوت المباركة مسيئين إلى بيئة هذه العبادة بفضول الكلام، وهُم في أنفسهم بحالهم هذه في ارتيادهم المعتاد يحسبون أنهم يحسنون صنعا؛ نعم؛ الصلاة في المسجد مع الجماعة واجبة؛ لكن على أن تكون دليلا على تعلُق قلب المصلي في المساجد؛ بحيث لا تكون بروتوكولية خالية من روحانية استحضار أمْر الله من تعظيم هذه الشعيرة وتعظيم حق بيوت الله.
الصلاة جماعة من مقتضيات عمران المساجد، ولأنها صلة بين العبد وربه فهي من أخص ما تؤدى لأن الله أمر بها حالا ظاهرا وباطنا وزمانا ومكانا، ولن أزيد على الصفات التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى- لهؤلاء العامرين حيث قال جل شأنه: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ(.
   وما أكثر الصائمين الحاجين الذين يطلقون ألسنتهم بالشتائم بحجة مشقة العبادة وكأنه يعترض على رب العالمين -سبحانه وتعالى- الذي كلفه، لو استشعر هذا المعترض أن الذي أمره هو مَن يجب عليه أن يحبه -إن أراد أن يكون من المؤمنين-: [والذين آمنوا أشد حبا لله]، الذي أمره يريد منه ألا يؤذي أحدا ولو بمجادلته، الذي أمره يريد منه الصبر والاحتساب وحب العبادة.
أكاد أحسب أن ظاهر مَن يعتبر الصيام رياضة روحية جديرة بالتجربة والمداومة أو أنه نمط معيشة صحي منشط ومبعد عن الإرهاق والأمراض هو خير من ظاهر حال ذلك المعترض المجاهر بالتبرم، وهكذا حال شخص من غير بني ملتنا يرى في رحلة الحج سياحة جديرة بالمعايشة حيث تحَمُل المشاق وذوبان الفوارق ودقة التنظيم، رحلة مثيرة للاهتمام زمانا ومكانا وحالا وألفاظا، ولعله لو تمكن من مرافقة الحجيج ما أبدى هذا التململ المشاهَد من بعض المسلمين!.
   ثم إن بعض المحسنين قد يعينون إخوانهم ويكرمونهم سرا بعيدين عن المُراءاة؛ لكنهم يضمرون في أنفسهم أنهم اليد العليا وأن الآخذ هو أقل قدراً منه جاهلا بأن الله مقسم الأرزاق وأن الله مَنَّ عليه بهذا الآخذ ليؤدي عملا يقربه من ربه جلت قدرته، قد ينتظر دعوة من الآخذ جزاء له وربما انتظر شيئا من التبجيل ورَدِّ الجميل متناسيا أن الجازي الله الذي يضاعف الحسنات ويغفر الزلات، الله أمر المعطي أن يعطي شكرا لنعمة أنعم بها الله -تعالى- عليه وأداء لواجب كلفه -سبحانه- به وقُربة إليه جل شأنه.
متى كان البذل إيذاء ولتحقيق مصالح صِرفة للباذل؛ وقد جعل الله -تعالى- الزكاة وهي بذل من أركان الإسلام، وقد جعل -سبحانه- بعض الكفارات مالا يُعطى، وقد ندب القادرين على الصدقة واقين أنفسهم النار ولو بشق تمرة، ما أكثر الكفار الأغنياء الباذلين أموالهم وأوقاتهم وربما لم يعلنوا عنها أو يفرحوا بها أو يستمتعوا بحاجة الآخرين إليهم واجدين سعادة دنيوية غامرة بهذا البذل؛ لكنهم لن يجدوا ذلك عند الله في الآخرة، أما المنفق في سبيل الله وفقا لأمره -سبحانه وتعالى- مهما قَلَت صدقته ما دامت بعيدة عن المن والأذى؛ فهو لاقيها عند الغني الحميد يوم القيامة ظلا يظله وثِقلا لموازينه ورفعة في الدرجات.
   ويأتي بعض الناصحين ليروا أنفسهم خيرا من المنصوحين لهم، فيؤدوا النصيحة بشيء من تعالٍ ليس وفقا لأمر الله ولا لأن الله أمرهم بها حقا لكل مسلم على أخيه، وهكذا الحال عند بعض مَن رأى من أخيه زلة؛ فقد يُهرع إلى الإبلاغ دون أن يفكر في المناصحة والستر ما دام أذى الزلة لا يتعدى الزال، ولنقُل مثل ذلك عند المتبسمين وذوي الكلمة الطيبة؛ أولئك الذين يتقنون فنون التعامل؛ إن لم يكن تلك الفنون لأن الله أمر ووفقا لأمر الله البعيد عن المصالح الشخصية والتفرقة العنصرية المنطلق من مقتضيات الأخوة والراغب في نشر الدين؛ فما قيمتها عند صاحبها المسلم؟.
ولنبق مع ما يجمع بين المناصحة وتلَمُس أحوال الأمة وشيء من فنون التعامل؛ لنجد بعض الوعاظ ربما يعظ مفاخرا بما ألهمه الله -تعالى- من ردود على مستشيرين أو مناظرين، ولو أنه تواضع في الرواية وأبعد نفسه عن مسير الحكاية؛ لتحققت الفائدة وأبعد نفسه عن مزالق المباهاة المذمومة؛ مستذكرا أجر أن يهدي الله به رجلا؛ وسيلهمه الله من الحكمة ما ترتفع به منزلته عند ربه أولا وآخِرا؛ كيف وقد قال جل شأنه؟!: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ? وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ? وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، هذه الحكمة تمكن أفراد أمتنا؛ كلٌّ على قدره من القيام بعمران الأرض لأن الله أمرنا ووفقه لأمره -سبحانه وتعالى- لا رغبة متمحضة في مخلوق أو رهبة من نظام آخذين باعتبارنا المصلحة العامة لا المصلحة الشخصية؛ إذ إن لنا ربا يعلم النوايا وإليه -سبحانه- المصير، وبيده -تعالى- المآل.
   أشكال البعد عن استحضار أمر الله -جل وعلا- نيةً وأداء تصرفاتٌ قد لا يُلقي فاعلها لها بالا ولكنها تحرمه من أجر عظيم، نعم، هي مختلفة قليلا عن الرياء الذي لا يراد به وجه الله تعالى؛ ولكن استمراء عدم استشعار أمْر الله في أداء العبادة يجلب على العابد مضار وخِيمة منها: عدم أداء العبادة كما أرادها الله، ذهاب لذة الأداء المحسن، انتقال العابد أثناء العبادة إلى الأداء الخالي من المضمون الروحي، التبرم من العبادة، ربط العبادة بحصول منفعة دنيوية عاجلة، الوصول إلى مرحلة ترْك العبادة مؤقتا أو كليا لتأخر حصول المنفعة...
استشعار أمْر الله دليل محبة الله؛ فالمحب لا يغيب حبيبه عن فِكره في كل أحواله؛ فما الشأن إن كان يؤدي أمرا له؟!، استشعار أمْر الله دليل مراقبته -سبحانه- المؤدي إلى بلوغ درجة الإحسان، ثم إنه علامة التلذذ بالعبادة وطلبِ الاستزادة منها، إنه آية الفرح بالقرب من الله -تعالى- رجاء رضاه، وهو اُنْس بأمره -جل شأنه- في دنيا ملئت مكابدة وابتلاء سرعان ما تزول ويصير البشر إما إلى جنة حيث أحباب الله أو إلى ما لا تُحمد عقباه.
   اللهم وفقنا جميعا لأداء أمْرك وِفْقَ أمْرك ومُنَّ على قلوبنا بصلاح النية وارزقنا حلاوة الإيمان والأنس بذكرك واستحضار عظمتك -سبحانك- وارض عنا رضا لا تسخط علينا بعده أبدا وأسكِنّا برحمتك دار كرامتك في الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب مع أنبيائك وأوليائك، يا مَن يَرجع إليه الأمر كله وبيده الأمر كله، يا ذا الأمر، يا رب العالمين.

كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسَني الزهراني.

في مكة، ضحى الثلاثاء الثاني عشر من جمادى الأولى من العام السادس والثلاثين بعد الأربعمئة والألف الهجري، الثالث من مارس آذار من العام الخامس عشر بعد الألفين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق