المتابعون

الاثنين، 27 يناير 2020

محمد صالح مراد

أول مبنى خصص لإسكاننا نحن طلاب معهد المكفوفين كان مستأجرا في حي ريع الكحل، ومن ومن الطبعي أن يكون بين مجموعة بيوت، شكا جيراننا من تلصص بعض المبصرين في إسكاننا على محارمهم، فتقرر إقفال الشبابيك أكبر فترة ممكنة؛ بل وتم تسمير شبابيك الحمامات، واستحال فتحها، عشنا سنين لا نكاد نتنفس إلا هواء المراوح والمكيفات؛ ناهيك عن انعكاسات انعدام شبابيك الحمامات في زمن لم تنتشر فيه الشفاطات، ينطبق علينا المثل القائل بعد التعديل: "يعملوها المبصرين ويقع فيها العميان"!؛ لكن في بدايات افتتاح المبنى أيام كانت القلوب خضراء؛ لم نعهد ذلك التشدد.
لم تكن الشبابيك كلها مفتوحة فحسب؛ بل كان يُسمح لنا عصر كل يوم بالصعود إلى سطح المبنى إلى غروب الشمس، نحن الطلاب المستجدين كنا نمتلك راديوهات صغيرة ذات علاقات أشبه بالحقائب المحمولة على الظهر، نرتدي تلك الراديوهات ونتشبه بالسيارات التي تمشي والإذاعات تصدح داخلها مقلدين أصوات المنبهات، ما أجمل تلك اللعبة على بدائيتها!.
كان المشرف على الكبار الدارسين في مراحل متقدمة سوريا اسمه محمد صالح مراد، ما أكثر ما رآني ونحن على السطح حزينا لبعدي عن والديَّ؛ فكان يحملني على ظهره ويمرجحني خافضا رافعا مرددا: "كيل حنطة وكيل شعير"، كنا جميعا نحب ذلك الرجل لرقته وهدوئه وتعامله الأبوي المتميز عن غيره، ولا أدل على ذلك من أنه ليس مشرفا علي ومع ذلك همَه أمري، حتى ولو كان مشرفا علي؛ ما طولب بحملي ومرجحتي، لم يرافقنا الأستاذ محمد إلى نحو شهرين ثم غادرنا وافتقدناه كثيرا، جزاه الله خيرا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق