المتابعون

الاثنين، 27 يناير 2020

وعدت من إيران!

كثير من أحداث طفولتي ما زالت في ذاكرتي بسبب مرضي عينيَّ الشديد الذي ما كنت أنام بعض الليالي منه؛ إلى درجة أن أمي -جزاها الله خيرا- كانت تحملني صعودا وهبوطا من درج البناية لأسكت مرددة: "يا رب يا رحمان: بارك لنا في الغلام".
اقترب عمري من إتمام سنته الخامسة؛ فأشيرَ على أبي -جزاه الله خيرا- أن يذهب بي إلى إيران لتقدمها في طب العيون على مستوى الشرق الأوسط آنذاك إبان حكم الشاه، ذهب بي إلى إيران، وتحمّل ما لا يطاق من مؤونة إعاشتي وتمريضي وحتى تنظيفي بسبب رفض أي عاملة البقاء معي لشدة شراستي، روى لي أبي أنه أراد تركي بضع دقائق لإحضار طعام من محل أسفل البناية، ولما عاد رآني فتحت النافذة وتدليت منها مقتربا من السقوط، ولما أراد اللحاق بي وهو أمام المصعد؛ رأى أن سرعته على الدرج تفوق المصعد، وقد كان؛ إذ لحقني في آخر لحظة، كنا في شيراز، وأخبر الأطباء أبي أنه لا أمل في إبصاري، عدنا مباشرة.
ما كدت أدخل البيت؛ حتى سلمت علي أمي، ويبدو أني لقيتها ببرود؛ أجهل سبب ذلك البرود؛ ولكني أظن أنه لوم لأنها لم تصحبنا إلى إيران، المهم أنها قالت: "ما تعرفني؟؛ أنا أمك"، فقلت: "روحي؛ منتي أمي"، لم تغضب مني؛ بل أحضرت لي قطعة تميس، والتميس هو خبز لذيذ أعشقه جدا، ما كدت ألمس التميسة حتى قلت لها: "صح؛ انتي أمي".
أعجز عن وصف رد فعلي هذا مع براءة الطفولة!؛ أعترف بأمومة أمي بقطعة تميس؟!، أي تمصلح هذا؟!، أي تبديل للمواقف كما يقول متمردون سياسيون؟!، فعلتها بقطعة تميس؛ فماذا لو أعطتني بطاطس مقلية؟؛ فهي الأقرب إلى بطني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق