في أمريكا يحتفلون بعيد الأم في ثاني أحد من مايو أي لا تاريخ محددا له، وفي الحضارات الأخرى يختلف أهلها على اليوم الذي يحتفلون فيه بالأم؛ في مارس وأبريل بل حتى في أكتوبر، وكل هذه الاحتفالات مرجعها إلى تفشي العقوق.
إذن؛ فكل المنادين والمنافحين عن هذا العيد يعترفون من طرف خفي بوجود العقوق في مجتمعهم.
جاءت إحدى الأرامل إلى الصحفي المصري مصطفى أمين تشكو العقوق بعد تعبها في التربية، فكتب في التاسع من ديسمبر من عام خمسة وخمسين وتسعمئة وألف ينادي بيوم للأم، وكأنه يقول معتذرا للشاكية: لا أستطيع أن أمنحك إلا يوما واحدا في السنة يزورك فيه الأولاد زيارة بروتوكولية بهدية تقليدية وكلام مكرور لتعيشي على ذكراه بقية العام.
يوم واحد لا يُجبَر فيه العاقون على الزيارة؛ لنرى أنصاف البررة في الطليعة؛ لأن العاق يظل عاقا ولو طلبت منه ثانية بِر، نرى العالم يراقص قلب الأم على أغنية "ست الحبايب" في مصر والمشرق العربي، و"أمي ياكل الحنان" لرباب في الخليج، و"وش يبقى لي" لحاتم عمور في المغرب، ألم أقل إنه نصف بر وربما أقل؛ لأن البار بوالديه وخاصة أمه يدعوه قوله تعالى: [حملته أمه]، فيأتيها استجابة لأمر ربه وطاعة لتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما لها في قلبه من حب وعرفان بالجميل كل يوم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
السؤال الكبير: لماذا تنهال بطاقات الحب وطاقات الزهور وسيل القبلات في ذلك اليوم، ونقرأ عن عجائز تغص بهن دور المسنين؟، لماذا نسمع عن عجائز طردهن تَنَمُر الأولاد وأزواج الأبناء؟، لماذا يغلب التجهم المغرورق بالدمع وجوه الأمهات أكثر من ابتسامة لائمة في ذلك اليوم؟
ويتهمون مَن يرى حرمة الاحتفال بعيد الأم أنهم ظلاميون متطرفون متشددون لا يعرفون للأم حقا!.
فلسفة العيد عند الكثيرين ممن لا يربطونه بالدين تنطلق من أنهم يشيرون إلى عادة غابت ليستحضروها ولو يوما واحدا!، غاب البر فأرادوا استحلابه من قلوب جامدة ولو قطرة في جزء يوم!، أرادوا في الشرق ربط البر بالربيع؛ لأن الصيف موسم الانطلاق ولتبق الأم حبيسة، وفي الخريف بدء العمل والأم آخر ما يُشغَل به، والشتاء بيات ودفء يُستغنى فيه عن دفء حضن ربة البيت، ومع ذلك؛ فهذا الربيع لا يزهر في كيان ربى وسهر وتعب إلى جزءا من يوم؛ ليشكل أقصر فصل ربيع يشهده كوكبنا!.
على أية حال؛ لن أذَكِّر بفتاوى أهل العلم في مثل هذا العيد؛ فالمواقع ملأى بها والسبيل إليها متيسر؛ ولله الحمد،؛ ولكن أما وقد عُرِف الحكم وعُلم أن مجتمعنا المسلم طابعه البِر؛ إذ هو طريق النجاح في الدنيا والفلاح الدائم في الآخرة؛ فإني أحسب أن هناك إجراءات على الأم والولد لإبطال هذه البدعة، منها:
على الولد وضع زيارة أمه في مقدمة أولياته وتلَمُس حاجاتها ليقدمها لها في شكل هدايا تسعدها وتسد خلتها؛ مع ضرورة ألا يلجأ إلى تصوير أفلام آكشين حيث التحايا الصارخة وإطلاق الرصاص فرحا بمقدمها ولثم قدمها، وكأنه لم ير أمه منذ مئة عام!.
عليه أن يناقش بهدوء مَن يجادله في هذا العيد ويُظهرَ له الحجج؛ فإن اقتنع؛ وإلا فليدعه، ولا ينسى أن ينبه أمه إن كانت معتقدة بضرورة التفاف أولادها حولها في هذا اليوم بالذات، فإن اقتنعت وإلا فليدعُ لها في سره، وليزرها قبل اليوم وفي غده.
على الأم ألا تتهم مَن يرى بدعية عيد الأم بالعقوق؛ خاصة إن كان بارا بها؛ فهو لا يريد لها ولنفسه إلا الخير، ويرى أن أكثر من ثلاثمئة يوم هي أيام لمواصلتها وليس يوما واحدا.
عليها -إن علمت الحكم- أن تنبه أولادها وترغب إليهم ألا تقتصر زيارتهم لها في هذا اليوم بل يزوروها كل يوم بهدايا أو بغير هدايا ما وسعهم ذلك.
نحن أمة خلقنا الله لعبادته وأقر -سبحانه- لنا عيدين سنويين من رحمته وعظيم حكمته، حاشا أمتِنا أن يسودها عقوق فنبحث عن عيد نرائي فيه بالبر، نحن أولاد ووالدون؛ أخذنا ونعطي، لم يفرض الله -تعالى- على الوالدَين يوما في العام لرعايتنا كي نختزل الاعتراف بوجودهما في يوم، أن أنهار دماء غذتنا تسعة أشهر لباقية في عروقنا تدفعنا إن كان فينا نبض صادق فلا نتذكر في يوم يتيم بل نداوم على مواصلة أُمّ وأب لا يعرف قدرهما إلا اليتيم!.
كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
صباح السبت 26/7/1441 هـ، 21/3/2020
إذن؛ فكل المنادين والمنافحين عن هذا العيد يعترفون من طرف خفي بوجود العقوق في مجتمعهم.
جاءت إحدى الأرامل إلى الصحفي المصري مصطفى أمين تشكو العقوق بعد تعبها في التربية، فكتب في التاسع من ديسمبر من عام خمسة وخمسين وتسعمئة وألف ينادي بيوم للأم، وكأنه يقول معتذرا للشاكية: لا أستطيع أن أمنحك إلا يوما واحدا في السنة يزورك فيه الأولاد زيارة بروتوكولية بهدية تقليدية وكلام مكرور لتعيشي على ذكراه بقية العام.
يوم واحد لا يُجبَر فيه العاقون على الزيارة؛ لنرى أنصاف البررة في الطليعة؛ لأن العاق يظل عاقا ولو طلبت منه ثانية بِر، نرى العالم يراقص قلب الأم على أغنية "ست الحبايب" في مصر والمشرق العربي، و"أمي ياكل الحنان" لرباب في الخليج، و"وش يبقى لي" لحاتم عمور في المغرب، ألم أقل إنه نصف بر وربما أقل؛ لأن البار بوالديه وخاصة أمه يدعوه قوله تعالى: [حملته أمه]، فيأتيها استجابة لأمر ربه وطاعة لتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما لها في قلبه من حب وعرفان بالجميل كل يوم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
السؤال الكبير: لماذا تنهال بطاقات الحب وطاقات الزهور وسيل القبلات في ذلك اليوم، ونقرأ عن عجائز تغص بهن دور المسنين؟، لماذا نسمع عن عجائز طردهن تَنَمُر الأولاد وأزواج الأبناء؟، لماذا يغلب التجهم المغرورق بالدمع وجوه الأمهات أكثر من ابتسامة لائمة في ذلك اليوم؟
ويتهمون مَن يرى حرمة الاحتفال بعيد الأم أنهم ظلاميون متطرفون متشددون لا يعرفون للأم حقا!.
فلسفة العيد عند الكثيرين ممن لا يربطونه بالدين تنطلق من أنهم يشيرون إلى عادة غابت ليستحضروها ولو يوما واحدا!، غاب البر فأرادوا استحلابه من قلوب جامدة ولو قطرة في جزء يوم!، أرادوا في الشرق ربط البر بالربيع؛ لأن الصيف موسم الانطلاق ولتبق الأم حبيسة، وفي الخريف بدء العمل والأم آخر ما يُشغَل به، والشتاء بيات ودفء يُستغنى فيه عن دفء حضن ربة البيت، ومع ذلك؛ فهذا الربيع لا يزهر في كيان ربى وسهر وتعب إلى جزءا من يوم؛ ليشكل أقصر فصل ربيع يشهده كوكبنا!.
على أية حال؛ لن أذَكِّر بفتاوى أهل العلم في مثل هذا العيد؛ فالمواقع ملأى بها والسبيل إليها متيسر؛ ولله الحمد،؛ ولكن أما وقد عُرِف الحكم وعُلم أن مجتمعنا المسلم طابعه البِر؛ إذ هو طريق النجاح في الدنيا والفلاح الدائم في الآخرة؛ فإني أحسب أن هناك إجراءات على الأم والولد لإبطال هذه البدعة، منها:
على الولد وضع زيارة أمه في مقدمة أولياته وتلَمُس حاجاتها ليقدمها لها في شكل هدايا تسعدها وتسد خلتها؛ مع ضرورة ألا يلجأ إلى تصوير أفلام آكشين حيث التحايا الصارخة وإطلاق الرصاص فرحا بمقدمها ولثم قدمها، وكأنه لم ير أمه منذ مئة عام!.
عليه أن يناقش بهدوء مَن يجادله في هذا العيد ويُظهرَ له الحجج؛ فإن اقتنع؛ وإلا فليدعه، ولا ينسى أن ينبه أمه إن كانت معتقدة بضرورة التفاف أولادها حولها في هذا اليوم بالذات، فإن اقتنعت وإلا فليدعُ لها في سره، وليزرها قبل اليوم وفي غده.
على الأم ألا تتهم مَن يرى بدعية عيد الأم بالعقوق؛ خاصة إن كان بارا بها؛ فهو لا يريد لها ولنفسه إلا الخير، ويرى أن أكثر من ثلاثمئة يوم هي أيام لمواصلتها وليس يوما واحدا.
عليها -إن علمت الحكم- أن تنبه أولادها وترغب إليهم ألا تقتصر زيارتهم لها في هذا اليوم بل يزوروها كل يوم بهدايا أو بغير هدايا ما وسعهم ذلك.
نحن أمة خلقنا الله لعبادته وأقر -سبحانه- لنا عيدين سنويين من رحمته وعظيم حكمته، حاشا أمتِنا أن يسودها عقوق فنبحث عن عيد نرائي فيه بالبر، نحن أولاد ووالدون؛ أخذنا ونعطي، لم يفرض الله -تعالى- على الوالدَين يوما في العام لرعايتنا كي نختزل الاعتراف بوجودهما في يوم، أن أنهار دماء غذتنا تسعة أشهر لباقية في عروقنا تدفعنا إن كان فينا نبض صادق فلا نتذكر في يوم يتيم بل نداوم على مواصلة أُمّ وأب لا يعرف قدرهما إلا اليتيم!.
كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
صباح السبت 26/7/1441 هـ، 21/3/2020
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق