الحديث عن مكانة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ربه -سبحانه وتعالى- وعن فضله على العالمين لا يسعه هذا المقام ويكاد لا يجهله ذو عقل، ولما كان وما زال -عليه الصلاة والسلام- نعمة باقية؛ فقد حسدنا عليها أهل الكتاب، قال الله تعالى في الآية التاسعة بعد المئة من سورة البقرة: [ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق]، وعليه؛ فإن هذا الحسد قديم مستمر يأخذ أشكالا متنوعة كالتشكيك في أحكام الإسلام وإيذاء المسلمين وتمويل بعض المنتسبين إلينا لينالوا من ديننا،، وفي أثناء ذلك لا يفترون عن إيذاء مشاعرنا بالنيل من شخص الرسول عليه الصلاة والسلام، والحجة الحديثة حاضرة وهي حرية التعبير بعد أن كانت مواجهة مباشرة منذ ترقب اليهود مبعثه -صلى الله عليه وسلم- لقتله.
هولندا والدنمرك وفرنسا كم آذونا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لكنه أذى من جهات خاصة لا ترعاها الحكومات علنا، أما أن يعلن ماكرون رئيس فرنسا دعمه للرسوم الكاركاتورية المؤذية لنا في نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فهذا يعني دعم الدولة رسمية في شخص الرجل الأول فيها، ولزم توضيح الحقائق التالية:
ماكرون الذي اقترب من إتمام الثالثة والأربعين من عمره يظن أنه بحيوية شبابه قادر على كسر مراوغة حكام الغرب كبار السن الذين أجادوا اللعب على المتناقضات وتدوير الزوايا واللين المؤقت وتقديم التنازلات الهزيلة.
ماكرون عرف التناقض منذ بداياته الفاشلة في السياسة؛ فقد كان اشتراكيا يساريا ثم أسهم في إنشاء حزب "الجمهورية إلى الأمام" وادعى أنه حزب وسطي ليفتت اليمين واليسار ويفوز في انتخابات 2017، وما لبث أن كشف عن يمينيته شديدة التطرف.
ماكرون اقتصادي حيث انضم عام 2008 إلى بنك روتشيلد الذي تملكه عائلة روتشيلد اليهودية متعاونا مع دافيد روتشيلد، ثم تولى وزارة الاقتصاد والتجارة منذ عام 2014 لمدة سنتين، ولما تولى الرئاسة شهدت فرنسا حقبة اقتصادية سيئة؛ إذ حسب تقديرات الحكومة الفرنسية تشهد بلادها انكماشا في الناتج المحلية بنسبة %8 وحسب بلومبيرغ قد يصل الدين فيها إلى ما نسبته %121، وهو ما يشبه كساد عام 1929 حسب تصريحات وزير الاقتصاد هناك، ناهيك عن مظاهرات أصحاب السترات الملونة التي اندلعت قبل جائحة كورونا، هنا لم يجد ماكرون إلا الإسلام ليعلق فشله عليه.
ماكرون الذي يتغنى بالعلمانية رافضا التعليم الديني الإسلامي فقط كان تلميذا في ثانوية بروفيدانس الكاثوليكية التي أسسها مجمع اليسوعيين، وقد حقق فيها السادس على زملائه.
ماكرون المؤيد لأذى المسلمين في شخص النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بحجة حرية التعبير لم يحتمل رأي رئيس البرازيل جايير بولسونارو في زوجته ومعلمته بريجيت التي تكبره ب24 عاما و8 أشهر فشتمه وصرح أن البرازيل تستحق رئيسا أفضل منه وتعمد إغاظته في قمة السبع التي استضافتها فرنسا مناقشة حرائق غابات الأمازون في غياب أي من الدول المعنية.
ماضي فرنسا الأسود في الشام وشمال وغرب إفريقيا مستفيض الذكر، ومع هذا إبان العشرية الثانية من القرن ال21 حيث استقرار الأوضاع نسبيا أصبح الإسلام هو الدين الثاني في فرنسا مع أكثر من 6 ملايين مسلم بنسبة تزيد عن 8% من السكان، أسهم المسلمون في نهضة فرنسا الحالية، لولا المسلمون ما قامت كثير من المشروعات المعمارية والحرفية، لولا هم ما أحرزت فرنسا كأس العالم مرتين في 20 عاما، وبعد هذا يتبجح ماكرون بأن المسلمين يعانون من عزلة، ويرى أن دواء هذه العزلة المزعومة هو مزيد من أذاهم في شخص النبي -عليه الصلاة والسلام- وأنه لن يتراجع عن ذلك مؤمنا بما أسماه "التجديف" وهو يعني حرية النيل من كل مقدس، ماذا لو جدف شخص في فرنسا تجاه الهوليكوست؟؛ يقينا ستحترق مجاديفه، والدليل عام 1998 كانت محاكمة المفكر المسلم الفرنسي الراحل روجي جارودي لتشكيكه في محارق اليهود، ثم هل سيؤيد ماكرون انتقاد بوذا أو سينبذ الشذوذ الجنسي؟، لن يجرؤ إلا على الإسلام حيث يقف عاجزا عن حضارة فكر النجاشي فخر إفريقيا تلك التي لطالما اتهمتها فرنسا بالتخلف واستغلت خيراتها وأولادها.
هنا أحسب أن ما يمكننا فعله هو:
الاجتهاد في اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- علنا، أولسنا نحبه عليه الصلاة والسلام؟؛ فإن أوضح دلائل الحب كمال الاتباع، ثم إن هذا الاتباع غيظ لأعداء الله، ولنتذكر ما قاله خبيب بن عدي -رضي الله عنه- وهو يصلب: والله ما أحب أن يشاك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأني في أهلي.
نشر مخازي أعداء الله وعوارهم؛ على ألا نقول إلا صدقا لكي لا ينخدع العوام ببهرج حضارتهم ولكي نيكشف تهافت الداعين إلى وحدة الأديان الذين انخرست ألسنتهم عند أول منعطف، قال تعالى في الآية التاسعة عشرة بعد اىلمئة من سورة آل عمران: [ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم].
نشر تعاليم دين الله السمحة بلغة القوم لتزول الشبهات عند المسلمين الجدد غير الناطقين بالعربية وليدخل الناس في دين الله أفواجا وليعلم عقلاء العالم مدى الظلم الواقع على شخص خير البشر -صلى الله عليه وسلم- من أولئك الحاسدين.
الثقة الكاملة أن الله ناصر دينه وأن نبيه -صلى الله عليه وسلم- لا يضره كيد الكائدين؛ فهو السراج المنير والرحمة للعالمين، وما ديننا عند القوم إلا كأفخر بارفاناتهم كلما ضغطوا عليه انتشر شذاه الطيب في الأفق، فلم يجدوا طريقا لمحو هذا الطِيب إلا أن يصدروا ريحا خبيثا لتفطن الفطرة إلى الحق وإن نعق الناعقون.
عدم الالتفات إلى أي دعوة لمظاهرة أو تجمُّع فليس هكذا يُدَل على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن أتباع دين لا حزب سياسي، التظاهر والصراخ لا يزيد أعداء الله إلا استخفافا بنا، لا بد من التحذير والإنكار على المحرضين والمؤيدين.
عدم الانخداع بشنشنة خوان المسلمين الذين لا يتركون فرصة إلا وشككون الناس في حكامهم بحجة أنهم لم يقطعوا علاقاتهم بفرنسا، الحكام المسلمون لديهم من المسوغات المصلحية العليا ما لا نعلمها كأدوية وصفقات سلاح وتقانة توفر للأمة حياة أفضل، ثم إن اليهود سموا النبي -صلى الله عليه وسلم- وما زال يعاملهم بيعا وشراء حتى مات -عليه الصلاة والسلام- ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام.
المقاطعة الشرائية الفردية قرار خاص، أما المقاطعة العامة فإلى ولي الأمر؛ لكن لا يثرب مقاطع على ممتنع عن المقاطعة؛ فلعله متأول يخشى الإضرار بالمسلمين المقيمين في فرنسا، ولا يحسن بعامي أن يرى الممتنع آثما؛ لأن التحريم يحتاج إلى دليل شرعي يعرفه عالِم؛ لكن لا بد من الاستئناس بما فعله شعب المغرب من مقاطعة شركة ألبان فرنسية بلغت ذروتها عام 2019 بسبب رفعها سعر منتجاتها مما جعل الشركة تستجيب لهم، اتضح الأثر من دولة واحدة ضد شركة واحدة؛ فما الشأن لو كانت المقاطعة من عامة المسلمين في كل العالم ضد منتجات الدولة المتطاولة على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بتأييد من زعيمها؟
وأخيرا وأولا ودائما؛ الدعاء الدعاء، وهو العبادة، ليس حيلة الضعفاء، وإلا كيف يأمر به الله أمتنا؟!، وكيف يكون أول الداعين هم أولي العزم من الرسل، أولئك الأقوى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، أدعو الله أن يرينا فيمن آذانا في نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ما يكره، وأن يعيننا على التمسك بالكتاب والسنة، وأن يرزقنا الثبات على الحق ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
في مكة ظهر الأربعاء 11/3/1442 هـ، الموافق 28/10/2020.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق