لا يعدم فارغو الفكر حيلة لينفثوا هباءهم في عقول إما ما زالت بِكرا لم تستضئ بنور الحق أو عقول أخرى أسكرها الهوى وأحرقها الحسد، ومنذ نهاية العقد الأول من القرن ال21 استشرى مصطلح الثورة حتى كاد يكون قاسمهم المشترك فيما يعلنون، ومع فشل بعض تلك الثورات وعودة الشعوب إلى رشدهم وفاتضاح حال خوان المسلمين إخوان إيران؛ فكر بعضهم في إعادة تدوير الثورة لتحبيب النشء الجديد فيها على غرار المشروبات الروحية؛ فأضافوا الثورة إلى كل شيء؛ العقوق ثورة، والتخلي عن المسؤوليات ثورة، والشذوذ والبغاء والتحشيش كلها ثورة، ولأني أحسب الثورة شرا في مجملها؛ فلا تعنيني كل أشكال الثورة السابقة؛ ولكن بلغ العته بأحد أيتام اليسارية موالي الخوان أن قال: الدين ثورة. وهنا لا بد من النقاش.
الدين لغة على 5 معان، هي: الغلبة والطاعة والشأن والحساب والجزاء؛ فأين الثورة من هذه المعاني؛ هل يُظن أن الغلبة ثورة؛ كيف يستقيم ذلك ومشرِّع الدين هو الله سبحانه؟؛ هل يُراد وصف الله -تعالى- أنه ثائر؟، وعلى مَن يثور حاشاه سبحانه؛ وهو رب العالمين؟، أمِن المعقول وصف الطاعة بالثورة؟؛ ألا تعني الطاعة الخضوع، أليست الثورة في جملتها انفلاتا فوضوي مذموما؟، هل يراد وصف الشأن أي حال المرء أنه ثورة؛ فكيف يستقيم هذا؛ وماهية الثورة حركة شديدة مفضية إلى انقلاب الحال؟، ويستحيل أن يعني الحساب والجزاء ثورة؛ لأنهما لا يكونان إلا من عالٍ غالب قوي. أما إذا أريدَ إلصاق الثورة بالدين ليفهم الناس أنه ثورة لتغيير بعض أحكام الدين التزاما بمبادئ الحرية أو ترك الدين إلى دين آخر أو العيش بغير دين؛ فقد قال بذلك أئمة ومفكرون إخوانيون؛ فهم يرون أن الحرية مقدمة على الشريعة وأن من حق الإنسان الاعتراض على أي مقدس؛ فهل هذا من الإسلام في شيء؟، وهل يرضى بذلك أتباع المعتقدات الأخرى فيما يعتقدون؟.
لعل ملصقي الثورة اعتباطا بالدين يرغبون إفهام العوام أن المقصود هو التغيير، نعم؛ الدين تغيير، قال الله تعالىفي سورة الرعد: [إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم]، لكن ما في الثورة من هذا التغيير شيء؛ إذ إن التغيير هنا ابتداؤه الداخل، والثورة تنفجر فجأة حيث خراب خارجي، التغيير يهدف إلى الخير، والثورة في مجملها لا تؤدي إلى خير، التغيير منظم ومحكوم بشرع قويم، والثورة منفلتة فوضوية، أمرنا الله -سبحانه- أن نتفكر ونعقل ليتحقق التغيير المبارك وننشرَه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فنحن أمة دعوة واستجابة.
وتفنيدا لمزيد من حججهم؛ هنا سؤال: هل كان الأنبياء الداعون إلى السبيل القويم ثائرين بالمعنى الذي يريده ملصقو الثورة بالدين؟، لا؛ فما عرفنا عن نبي ابتدأ دعوته بثورة عارمة كما يفعله طلاب الدنيا فقط، كان الأنبياء -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- لا يفتُرون عن دعوة الناس إلى الحق، وكان من شأن بعضهم أن هاجروا حيث تكون بيئة أخصب لنشر الدين القيِّم، وإذا كان لا بد من القتال دفاعا عن بقاء الدين؛ فقد قاتل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكنه قال لنا: [لا تتمنوا لقاء العدو]، وكم قيل إن الثورة قام بها الخيرون مثل: أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومعاوية والحسين وابن الزبير رضي الله عنهم؛ الحق أنها ليست ثورة كما اعتادها متولو كبرها ومؤيدوها؛ فالصحابة الأطهار -رضي الله عنهم- لم يخرجوا لتغيير نظام ولا لتحصيل منفعة شخصية ولم يقولوا أن ما فعلوه من خروج هو إنفاذ لشرع الله الصريح المتفق على ثبوته؛ إنما هو تصوُر أحداث أدى إلى اجتهاد متناقض نتيجة فهْم الواقع خلافا لما هو عليه بسبب تباعد الأمكنة وصعوبة التواصل ومكاتبات ناكلين.
عودة إلى معاني الدين؛ فلو عَلم عُباد الثورات معناه اصطلاحا ولا أظن بعضهم يجهلونه؛ ماذا يقولون؟؛ معناه باختصار: شرع إلهي سائق العقول باختيارها إلى الخير في الدارين. بناء على آرائهم الخبيثة؛ فهم يزعمون أن من حق أي شخص الاعتراض على الشرع والمشرِّع وأنه ليس من حق أحد سَوق العقول وأن تحديد الخيرية لا يكون إلا للثائر نفسه، هكذا يريدونها فوضى، ودماء لا تجف، وعارا يلحق كل دار، لولا الدين ما استقام حال البشر، لولا هو ما عرف الناس حق ولاة الأمر، لولا هو ما حُفظت الضرورات فبات كل امرئ أيا كان دينه آمنا على نفسه وماله وعرضه، وهل صنعت ثورة الروس البلشفية لأهلها خيرا؛؛ هقد قالوا: الدين أفيون الشعوب؛ أي لا ييمَكنهم من معرفة مصالحهم كما يزعمون، ثم ما النفع الذي عاد على إيران بعد ثورة الخميني بملاليه؟؛ هقد جاءوا باسم الدين فسرقوا وفرقوا وقتلوا؛ فلا دينهم حاكما بل هوى استعباد بشر لبشر، أما حال الدين أثناء الثورات العربية؛ فلا يخفى على أحد، والله المستعان.
كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
في مكة صباح الأحد 29/3/1442 هـ، الموافق 15/11/2020.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق