المتابعون

الاثنين، 23 نوفمبر 2020

غربت-كوم

     بسبب الطفرة التكنلوجية تغيرت جل المشاعر البشرية إبداء وتقبلا. ومن أبرز تلك المشاعر مع اتساع العمران وتنوع منافذ الارتزاق؛ الغربة، هي تضمحل في صورتها الكلاسيكية، وهذا الموقف شبه المعتاد يجلي اضمحلالها:
 لأن الحصول على المعلومة أسهل من إحضار كأس ماء؛ فالمتصور معرفة كل شيء عن البلد الذي ستزوره من حيث العادات والقوانين وأسعار السلع لتهيئ نفسك وميزانيتك، وستتكفل برامج الترجمة الفورية بالإفصاح عن كل مراداتك كتابة وصوتا، والجميل أن بعض تلك البرامج مجانية مع هامش من الإعلانات المزعجة، ولن تحمل تبعة البحث عن سكنى أو وسيلة نقل أو بنك فبرامج الحجز المبكر وبطاقات الائتمان حاضرة لخدمتك قبل الإقلاع، وشركات التوصيل تتنافس لنيل فلوسك كي تطعمك وتلبسك وتدلعك، ولزيارة مناطق الجذب سيقودك الجيبيئس حيث تريد، وإذا اشتقت للحبايب فبرامج الاتصال المجانية تتولى إحضارهم إليك صوتا وصورة من غير طلب الرقم؛ فقط انطق اسم الحبيب وعليها الباقي، فأين الغربة هناك الأشبه بهنا؟.
   لكن أبت الغربة أن تتركنا نشمت بترنح كلاسيكيتها، وأبت أن تدع الدعة أنيستنا بلا تنغيص؛ فتمثلت لنا في صور حداثية حديثة منها:
 إذا جروك إلى قروب واستحييت من المبادرة بالمغادرة؛ إما لأنهم أقاربك أو زملاء عمل، وترى القوم يتحدثون في شأن لا تعرفه، وإذا سألتهم لا يلقون لسؤالك بالا، وإذا أوردتَ رأياً لا يناقشونه؛ فأنت غريب وكمالة عدد؛ فاختر لنفسك: إما أن تنضم إلى جماعة الكنبة، وإما أن تطبل للأقوى؛ يمكن تنال الرضا واحتمال يعطونك وجه.
 وإذا غلبتك اللقافة ودخلت مع ناس في مكالمة جماعية أو حلقة نقاش عبر برنامج يديره هوست، ولاحظت أن له شلة معينة يضاحكهم ويهتم بآرائهم بل يبحث عنهم إذا تأخروا في الانضمام، وأنت كأنك غير موجود، ولسان حاله يوحي لك أن اللي يجي بلا داعي يقعد بلا فراش؛ فأنت غريب ثقيل دم؛ لذلك احترم نفسك واخرج أو ابق صامتا إذا كان في بقائك مصلحة ملحة خاصة بك، وبالمناسبة إذا كتبت تعليقا على بث مباشر في أي شبكة وتجاهل الباث تعليقك إلى تعليقات أخرى على الرغم من إعادة كتابتك له؛ فألغ الانضمام إليه وإذا لقيت عليه زلة فبلغ عن موقعه وإذا وُجد زر الدسلايك فاضغط عليه، ما هو على كيفه يرتزق منا ويطنشنا، خلي شلته تنفعه.
 وإذا كنت في مجلس؛ وكل الحاضرين شبه منسدحين على جوالاتهم، وأنت خلص الشحن عندك، أو طفشان تبغى تسولف معهم؛ وإذا كلمت أي واحد منهم يجود عليك إن جاد بكلمة "ايه"؛ فأنت غريب، وبصراحة عيب تقوم من المجلس، وإلا ستتهم بالسايكوباتية والبارانويا والنرجسية، الأفضل أن تلتصق بفيش كهربا وتشحت شاحن أو تحتاط بشاحن متنقل، والنت مع الجماعة رحمة.
 وإذا قابلت ربعك اللي ما شفتهم من زمان، ولقيتهم تغيروا عليك؛ إما يتكلمون في الكورة الأوروبية، وأنت حدك مارادونا، وإما يتكلمون في التقنية متشدقين بالإنجليزي المكسر، يعني شوفنا شطار ونعرف نرطن، وأنت حدك الواتساب؛ والله يستر لا يعلق، في هذي الحالة؛ اطمئن؛ هذي غربة ولكن بسيطة جدا، سوي نفسك مهم وقول لهم: جاتني مأمورية ضرورية في العمل، وبالمناسبة استدعاء المدام لك عمل ومجرد تركهم عمل؛ إذن ما هناك كذب؛ لكن لا تسمح لأحد يسألك عن عملك، خليهم يتخيلوك: دكتور أو ضابط أو مهندس اتصالات، أي شي، وعلى السيارة يا حبيبي، وانس أنك ترجع تقابلهم.
 وإذا كنت مزواجا وقادك النصيب للزواج ببنت لا تعرف لهجة أهلها جيدا، وبالتأكيد ستضطر في بدايات حياتك الزوجية للجلوس مع أهلها، والقوم سيتحدثون معا فيما يهمهم وسيطنشونك، فإذا استوقفتهم ليترجموا لك؛ بؤت بالخيبة وقد يسود الصمت الرهيب ثانية واحدة ثم يعودون للهجتهم؛ كأنهم يقولون لك: اهجد ماحد قالك تتزوج من عندنا وما تتعلم هرجنا، وإذا شغلت نفسك بالجوال فلن تسلم من نقدهم الذي قد يتسرب إلى المدام فتتهمك بعدم احترام أهلها، وإذا سكتَّ فأنت على قهر لا يعلم قدره إلا الله، يا لها من غربة لا يداويها إلا أن تشتغل جارسون فاشل؛ تأخر في ترجيع الصحون والشاهي وفي رص الأغراض على الصفرة، ولا مانع أن تلجأ إلى إغراق المدام في مطبخها بوابل من كلام الغرام حتى يمر الوقت، وإن قدرت على التأخر في بيت الخلاء؛ فافعل، شدة وتزول يا عزيزي، هذي ضريبة العولمة وثاني مرة خذ كورس قبل ما تسوي عم حبّيب.
   بعد هذا التطواف الافتراضي داخل صور الغربة في آخر تحديث لها؛ يبقى أن أعترف أني تعرضت للغربة في نسختها القديمة ولشيء من الغرُبات الحديثة؛ لكنني لم أكتشف حلول أي منها إلا بعد ما عشت قسوتها، ومع هذا؛ فلا  بد من واجب الشكر لله -سبحانه- أن الغربة ما عادت كربة وأنه لا وجود لغربتَي المكان والحال؛ فالبدائل -بفضل الله تعالى- متيسرة، والحمد لله.

كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
في مكة مساء الأحد 7/4/1442 هـ، الموافق 22/11/2020.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق