روى الكاتب أحمد خالد توفيق -رحمه الله- في لقاء تلفزيوني عن الكاتب شديد اليسارية علاء الأسواني قوله له: إذا كتبت رواية عن امرأتين منتقبتين كانتا تمارسان السحاق، فاضطر المجتمع إحداهما إلى الزواج، وكان زوجها رجلا فظا أرغمها على الختان فاختتنت وماتت، وأضاف توفيق عن الإسواني أن فكرة هذه الرواية ستمكنه من طباعة 60 مليون نسخة وأنه سيكون ضيفا على غلافَي النيوزويك والتايمز. تحدث توفيق عن ذلك في إطار تناوله لما يسمى "أدب الصدمة" الذي يعتمد "ما يطلبه الكارهون"، وأنه سيوفر انتشارا مثل اعتماد "ما يطلبه المستمعون".
وللتعليق والتحليل تجدر الإشارة إلى أن الإتيان بالمرأة في الرواية وجعْلها بسحاقيتها المحور الرئيس مواصلة عامدة في تحطيم التابوه الأول، وهو الجنس، ووصفها أنه منتقبة يُدخل الدين الحاض على سنية النقاب أو وجوبه على خلاف بين العلماء، وأن المرأة المضطرة على كره إلى الانتقاب تمارس لا ما يخالف النقاب فحسب؛ بل ما ينافي فطريتها، وهنا مواصلة عامدة في تحطيم التابوه الثاني وهو الدين.
إن ذِكر اضطرار المجتمع المرأة إلى الزواج يوحي إلى القارئ العامي وذي الهوى أن الأصل هو إجبارها على الزواج خلافا لأمر الدين، والإشارة إلى فظاظة الزوج دليل للعامة وواضعي القوانين والمراقبين الغربيين أنه بالرجل والمجتمع والدين تتشكل حلقة ظلم ضاغطة على المرأة؛ فلا بد من إعطائها حرية اختيار إشباع شهوتها عن طريق غير الزواج، ويأتي الختان المنهك المؤدي إلى ضرر قد يقتل المرأة ليدلل الكاتب على حالها الأشبه بالعبودية، وهو استدلال غبي واضح الضعف لكل ذي عقل؛ كأنه يدعو إلى إلغاء الصلاة بسبب آلام أحد المصلين المبرحة في الظهر أو إلغاء الصوم بسبب نوبة سكري مفاجئة لصائم لم يحتط، هكذا بعض الكتاب ظاهري العداوة للدين وللنسيج المجتمعي الفطري؛ ينقبون عن أصغر السلبيات النادرة للمطالبة بهدم القيَم العليا.
اقتراب الدين من المرأة وإعلاؤه مؤسسة الزواج في كثير من شرائعه واعتزاز المرأة بهذا الاقتراب والإعلاء يصنع منها زوجا صالحة ينتقل صلاحها إلى أمومتها فتخرج جيلا هو المجتمع كله، ثم شاء العالَم أَم أبى؛ فخُلق المرأة علامة على محيطها من أسرة ومجتمع، ههم المحافظون واليمينيون في أوروبا وأمريكا ينادون بالأسرة نابذين الإجهاض والمثلية، ومعهم في ذلك اليهود والكنيسة الأرثوذكسية وبروتوكولات العائلات الملكية الأوروبية وطبقات نبلائهم فيما بينهم؛ لكنهم يحتفلون برواية تتخيل ما يتمنونه لنا؛ أحرام عليهم واجب علينا؛ وإلا كنا متأخرين ثيوقراطيين ضد حرية الجنس.
والجزم باحتفاء المنصات الإعلامية العالمية الكبرى بكاتب الرواية شكل بغيض من أشكال التدخل في هوية مجتمعاتنا، ورضا المحتفى به عن هذا التدخل سيسحب التائقين إلى التقليد ومزيد من تحطيم القيم وإلغاء الهوية، وهنا يكاد ينهار تابوه السياسة؛ فماذا بقي لنا؟
وبالنظر في سيرة الإسواني نجده حانقا على الحكم العسكري في بلاده مصر بحجة الاستبداد، وحانقة على المدنية بحجة توريث الحكم، وحانقا على حُكم ادعى أنه إسلامي بحجة رفض هيمنة الدين، والوقت الذي لمسنا فيه سروره كان أثناء الثورة الفوضوية التي سمحت للدهماء أن يتطاولوا على الإسلام بحجة حرية الإبداع وفشت في الشعب مفاهيم غير صحيحة عن الدين والهوية، هذا ما رام استمراره الإسواني؛ لأن اليساريين لا تروج بضاعتهم المنفلتة إلا في بيئة فوضوية تضطرب بها الأفهام وتنهار معها كل التابوهات، واليساريون -بزعمه- هم الحل؛ لذلك لجأ الإسواني إلى أوروبا وإعلامها آملا منها بالاشتراك مع ديموقراطيي أمريكا أن يعيدوا أمجاده؛ ربما يخطئ الشعب ويمنحه ملك مصر.
ومع أسفي إذ لم أعلم بالمقطع إلا قبل بضعة أيام بعد نحو ثلاث سنين من بثه؛ لكن عتبي ليس على الأسواني المعروف توجهه؛ بل على توفيق -رحمه الله- الذي اكتفى بتعليق هزيل على هذه الظاهرة الكتابية الصادمة غربية الهوى، ولعل كونهما ناصريين مع اختلافهما في الغلو يسوغ له عدم إخبارنا برَده على الأسواني إن رد؛ فهل خاف توفيق من ردة الفعل أم جرى من النقاش ما خفي عنا، وبالمناسبة؛ فاليساريون مدعو حرية الحوار يقمعون مفندي حججهم ولو كانوا إخوانهم في اليسارية؛ فهم يروجون في جمهورهم السَكِر بتشدقاتهم أن هؤلاء ليسوا أهلا لنيل شرف محاورتهم، وأيا يكن الأمر؛ ففي ظني أن توفيقا المشتهر بكتابته للشباب بكلمة واحدة منه ربما تسلل إلى فكرهم الفتي سريع التقلب لتعديل المايلة وأخْذهم إلى صفه نظريا؛ مع اعترافي أنه في كتاباته لم يكن صداميا سلبيا، وهو نفسه يذكر أكثر من مرة أنه لا يحب الخوض في السياسة، وهو تبعا لم يتناول المرأة بمنظور جنسي، ويكاد يبتعد عن الدين سلبا أو إيجابا في سلاسله؛ لذلك أدبيا وإبداعيا وبمنظور التسلية والتشويق حالف التوفيق توفيقا هنا فقط، وتظل فكرة الأسوانية السيئة هي حُلم مَن يكره حقيقة أمته في عالَم يحدوه التشويق للتسلية بنا في سلاسل خيانات تفوق أدب رعب توفيق.
كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
في مكة مساء الجمعة 12/4/1442 هـ، الموافق 27/11/2020.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق