المتابعون

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

تسامحهم!

   لو أن بقالا في حارة اعتاد علنا على احتقار أحد أهم زبائنه وأغناهم شاتما حاله وساخرا من أبيه وأمه، فقرر ذلك الزبون الامتناع عن الشراء منه انتصارا لوالديه واعتزازا بهيئته، ولو أن قوما ثاروا على الزبون بحجة منع كراهية البقال وتأييد حرية التعبير وأن هذا الامتناع سيؤثر سلبا على العاملين في البقالة؛ فماذا يمكن أن يقوم به الزبون أكثر من ردة الفعل الصامتة هذه، هو لم يبادر الشتم بالشتم ولم يستعْدِ على البقال أحدا؛ فقط امتنع عن الشراء وربما أشاع تظَلّمه في الجيران، وبِم يمكن أن يجاب أولئك القوم المعترضون على الامتناع؟؛ ألا يكفي أن يقال لهم: أترضونه لوالدِيكم وفي أحوالكم؟؛ ولا انتظار لجواب، أما البقال؛ فلأنه وجد مَن ينافح عنه ويرفض امتناع الزبون؛ فلا لوم عليه نظريا إن تغول وتطاول، في أعراف غريبة يسمى فِعل البقال حرية تعبير، وامتناع الزبون نشر كراهية، واعتراض أوللئك على الزبون دعوة إلى التسامح!.
 يا له من تسامح أشبه بحال المغلوب مع الغالب!، مصطلح عالمي متداول أفرغ الكلمة من معناها الصحيح؛ فالتسامح صيغة تفاعل أي فعل بفعل، هو يسمح وأنا أسمح، والسماح يعني القبول بالحق في الوجود أي أنه لا ينال من معتقدي ولا وطني ولا ولي أمري ولا لغتي ولا أهلي بأي حجة، وأنا كذلك لا أنال، إن مجرد السكوت عن سباب أولئك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من دون ردة فِعل سِلمية هو ضعف لا مسوغ له في ظل وجود منافذ إيجابية لإبداء الرفض وللاستفادة من الحدث كنشر الإسلام عبر النت بلغة الشاتمين على مواقعهم، وإخبارهم أننا نقاطع منتجاتهم لا رغبة في إيذائهم المحض؛ بل رفضا لرضا السلطتين التنفيذية والتشريعية عن شتم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن رضا المسبوب عن فعل سابه والقبول بحجة الحرية من طرف واحد هو استسلام جديد معولَم وممارسة دور المغلوب باستمتاع، أما الدعاة إلى القبول بالشتائم من طرف واحد والإنكار على المقاطعين الهادئين والمناداة بقوة إلى التسامح في نسخته الجديدة ضد الدين؛ فبِم يمكن وصف هؤلاء؟.
 السابون ليس لهم قيم دينية يرفضون المساس بها فحسب؛ بل لديهم وقائع حديثة لا علاقة لها بتأريخ عقَدي عندهم يرفضون بشدة مجرد الكلام عنها ويجرمونه كالهيلوكوست، أحرام علينا حلال لهم؟، أين التسامح وحرية البحث العلمي في مناقشة هادئة لتلك الحادثة؟؛ خاصة أنه مر عليها نحو 80 عاما تحقق سريعا معها وبعدها كل مرام مثل: انقلاب ميزان القوة وتشكيل مجتمع أوروبي جديد وقيام دولة إسرائيل وصنع محاور عالمية أخرى واختلاف الأوليات، ولئن ثاروا قديما على ملكياتهم استنكارا للحق الإلهي، وتشكلت كنائس تنبذ دكتاتوريات أباطرتهم؛ فهذا شأنهم، وليس من حقهم أن يتهموا ديننا بالعزلة ويسخروا من شعائره ويؤذونا في شخص نبينا عليه الصلاة والسلام، ديننا كامل ثابت لا يتغير، دين عدالة ورحمة وإصلاح لكل مكان وزمان وحال، لن نثور عليه؛ مهما فعلوا، ولا أحسب أكثرنا يرضى بنقد أي من شرائعه، ديننا علَّمنا أن لنا وطنا ندافع عنه وولي أمر نطيعه ولغة نسهم في إعلائها وأهلين نعتز بانتمائنا إليهم، ل مكان عندنا لثورة ولا لفوضى؛ حتى ونحن نعترض على سبابهم؛ لا تجمعات أو اعتصامات أو كذب؛ أفلا تدل كل هذه القيم على التسامح الإيجابي الذي تغوفل عنه عمدا مع الإصرار؟.
 في ظني أن للتسامح العام شقين: ثقافيا، وهو حوار حضاري راق تُطرح فيه المعتقدات ومدى ملاءمتها للفطرة وتماهيها مع التغيرات التقانية وتكيفها أثناء الطوارئ، الحوار مذكور أكثر من مرة عندنا، قال الله تعالى في الآية ال46 من سورة العنكبوت: [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن]؛ السباب أكبر دليل على رفض هذا الحوار ونبذ السلام؛ مع أن ثقافة السلام من أكبر مرتكزات اليونيسكو التي تتخذ من باريس مقرا لها؛ علما أننا منهيون عن السب المعتقدي، قال تعالى في الآية ال108 من سورة الأنعام: [ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم]، أما شق التسامح العام الآخر فهو التسامح الاقتصادي أي أن تعفو دولة عظمى دائنة عن كل ديونها أو بعضها لدولة إفريقية شديدة الفقر سبق أن احتلتها وامتصت خيراتها وأذلت شعبها، فلتعلِّم تلك الدولة الشاتمة العالم درسا عظيما مضيئا في التسامح ولتنعش اقتصاد تلك الدول الضعيفة، ولا أحسب عاقلا عندئذ إلا وسيوجه لها الشكر والتقدير، عند المال تمتحَن القيم؛ مهلا؛ هل سيتنادى دعاة التسامح الجديد للتمني على تلك الدولة السابة خوض هذا الاختبار وممارسة التسامح الإجابي وسنكون لهم من الشاكرين.

كتبه أبو الليث عبد العزيز بن صالح الحسني الزهراني.
في مكة صباح الأربعاء 17/4/1442 هـ، الموافق 2/12/2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق