المتابعون

الأربعاء، 25 مايو 2016

هَوساوي والمساحة

     هَقد انتهى الاختبار - كدأبه كل فصل دراسي - تاركا وراءه ذكريات تعلقت بكلِمة ذات جرْس مخيف ، الاختبار ذُو التَرَقُّب والمفاجآت لكل نفْس !، سيَظَلُّ يبدو في حُلة ذكريات جميلة مُوَشّاةً بِعِبَرٍ ذَهَبِيّةٍ حتى وإن كانت قاسية أثناء كونها جنينا في طور الحدوث الواقعي ؛ فما الشأن لَو تَلَوَّنَ ذلك الواقع بألوان زاهية تبعث على التفاؤل وتترك أثرا طيبا لا يكاد يُمحى . 

   ولأنني تجاوزت الأربعين بسنين ورغبة في الإضاءة على تفاصيل عايشناها وسعياً لاستجلاء الحِكَم وربما القدوة من أهم شخوص تلك المرحلة التي تشرفت بكوني فيها ؛ أكتفي بموقف واحد كان بطله الأستاذ عبد العزيز هَوساوي - رحمه الله - االَّذي علمني قِيَماً كثيرة قبل أن يعلمني الرياضيات في سنتَي المرحلة الابتدائية الأخيرتَين ، وقد سبق لي أن أشرت إلى موقف لهذا الأستاذ الطيب معي في أولى فقرات مقال سابق يحوي قدْرا من الدعابة عبر هذا الرابط : 




   قبل سِتٍّ وثلاثين عاما حين كنت في الخامسة الابتدائية أثناء اختبار الفصل الدراسي الثاني لمادة الهندسة حيث إِن الرياضيات في ذلك الوقت كانت مُقَسَّمة في آخِر المرحلة الابتدائية إلى مادتَي الحساب والهندسة ، كان الأستاذ عبد العزيز هَوساوي - رحمه الله - هو الذي يضع الأسئلة وحده ، وعلى اعتبار أن السؤال الآخِر هو رسمة مطلوبة منا  ؛ فقد كان السؤال السابق له عن مساحة مثلث أعطانا معطياته الرقمية ، وقد أجبت بفضل الله على كل الأسئلة إلا هذا السؤال الذي استغلق علَيَّ ، طلبتُ من الأستاذ عبد العزيز نفسه الذي كان يراقب اختبارنا على الرغم من كَفِّ بصره - رحمه الله - إعادة قراءة السؤال لعله يعطيني بعض الإضاءات ولو من خلال نبرة صوته ، قرأ السؤال مرة أخرى ولم أكتشف الحل ، سألته عن درجات السؤال لأني عقدْتُ العزم على ترْكِه فأخبرني - وِفْقاً لما أتذكره - أنها خمس درجات ، سألني بصوته الحنون الدافئ : " صعب السؤال ؟ ! " ، فأجاب عني بقية زملائي الثلاثة أن السؤال سهل جدا وقد انتهوا من إجابته ، وظل بعضهم يتمنى لو كان مستوى الأسئلة مثل هذا السؤال في سهولته وكأنهم يغيظونني ، ولأن من السَهل غَيْظي ؛ فما كان مِنّي إلا أن أجهشتْ بالبكاء قهْرا ولكن بصوت منخفض كي لا يشمت بي أحد ، ولأن أستاذنا - كحال معظم المكفوفين - يتمتع بقدرة سمعية قوية ولأنه ظل يحاول التحدث معي ولكنني لم أستطع إجابته ؛ فقد اقترب مِنّي بهدوئه المعروف عنه وناولني منديلا مُرَبِّتاً على كَتِفي قائلا : "فَكِّرْ على مَهْلك وما يهمك " ، ظللت أفكر ؛ ولكن عبثا أجهد نفسي ، سَلَّمْتُ الورقة آخِر زملائي ، وخرجتُ من القاعة ملتزما الصمت أمام سيل أسئلة الزملاء عن إمكانية إجابتي على ذلك السؤال ، جاء كشْفُ الدرجات وإذا فيه أن درجة الهندسة هي تسعٌ وأربعون من خمسين ، ولأاني لا أستحقها ؛ فقد سألت الأستاذ عبد العزيز - رحمه الله - بعد سنين عن سبب مَنْحي هذه الدرجة العالية ، فأجابني بكل ثقة : " لأني أعرف أنك تعرف الجواب ؛ ولكن ما أدري ايش حصل لك ذاك اليوم ؟ ! " .
   هكذا تكون شخصية المعلمين العظماء المازجة بين رقة القلب والحزم ؛ فهو لم يعطني أي إيضاح للإجابة ؛ بل اكتفى بالتخفيف عني وتحفيزي ، هكذا تبدو الإدارة الهادئة للفصل أَيّاً كان عدد الحاضرين ؛ فهو فرض الصمت على الجميع حين أدرك أن كلام الآخَرين يؤثر على زميلهم ، هكذا تكون مراعاة الظروف ؛ فهو لم يَسْخَر مني حين بكيت ولو بمقولة : " كيف تبكي وأنت رجل ؟ ! " ، هكذا يكون تناسي الكبار ؛ فهو لم يُذَكِرْني يوما بذلك الموقف ولو مازحا على الرغم أنني زاملتُه بعد ذلك مُعَلِّما في المدرسة نفسها ، ولولا أنني سألتُه ما أشعرني بتَذَكُّره للموقف ، هكذا تكون الثقة بالطالب ومعرفة قدراته والمواءمة بين مراعاة ظروفه وإعطاء المتميزين حقهم ؛ فهو لم يعطني الدرجة كاملة مثل بعض زملائي المُجيدين ولم يَحْرمني معْظَم درجات السؤال ! . 
   رحم الله أستاذنا وحبيبنا المتواضع الطيب القلب الذكي الحافظ لكتاب الله عبد العزيز هَوساوي ، وشَكَرَ الله له حُسْنَ ظَنِّه بِي ؛ ولكن للأسف ؛ الآن وأثناء كتابة هذه الحروف لا أتذكر كيفية حساب مساحة المثلث ! ، ولعل الله يُقَدِّر بيننا لقاء في الجنة لأصارحه بذلك أو لَعَلي أُراجع المعلومة حتى لَو سألني هناك أُجيبه ، جَمَعَنا الله في الفردوس الأعلى من الجنة بِغَير حساب . 


كتبه : التلميذ عبدُُ العزيز بن صالحٍ الحَسَنِيُّ الزَّهْرانِيّ . 

مغرب الأربعاء الثامِنَ عَشَرَ من شَعْبان عام سَبعةٍ وثلاثينَ وأرْبَعْمِئةٍ وألْف الهِجْرِي ، الخامِسِ والعِشْرِين من مايو أَيار عام سِتّةَ عَشَرَ وأَلْفَيْن الإِفْرَنْجِيِّ . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق